الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
الإجراءات الطبية الحديثة وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي
 
الدكتور/ أحمد شرف الدين
الكويت


بعد أن أصبح الطب، بفضل التقدم العلمي، أكثر فاعلية وطموحا وفي نفس الوقت أكثر قوة  وخطورة ،فإنه يتعين بيان الحدود التي يجوز فيها شرعا استخدام الاكتشافات الحديثة للعلوم الطبية والبيولوجية. ومن المفيد، بل من الضروري، قبل الخوض في بيان حكم الشرع في التطبيقات الحديثة للطب والجراحة، أن نبرز القواعد العامة. التي تحكم مزاولة أعمال الطب والجراحة على جسم الإنسان وجثته، فهي تضع بعض القيود على هذه الأعمال حتى
 لا تخرج عن الهدف الأسمى الذي أبيحت من أجله.

المبحث الأول
القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي
(قواعد الطب الإسلامي)
رأينا انه من المناسب، في محاولة منا لاستخلاص أكبر فائدة من القواعد الكلية، أن نوزعها بين ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: قواعد التصرف في الحق في سلامة الحياة والجسد:

(1 م) من أهم هذه القواعد ما يأتي:

أ- حق الله وحق العبد في نفس وجسم هذا الأخير يوكلان لمن هو منسوب إليه ثبوتاً وإسقاطا. (1)
ب- لا يجوز لأحد أن يتصرف في حق غيره بلا إذنه. (2)
جـ- قتل الإنسان أو قطع عضو من أعضاء  لا يحتمل الإباحة بغير حق. (3)
د- إسقاط الإنسان له، فيما اجتمع فيه حقه وحق الله، مشروط بعدم إسقاط حق الله (4)
هـ- يقدم ما كان فيه حق الله وحق العبد على ما كان فيه حق الله وحده. (5)
و- حقوق الله مبنية على التسهيل، في حين أن حقوق الآدمي مبنية على التشديد في حالة الضرورة. (6)

الطائفة الثانية: قواعد المفاضلة بين المصالح والمفاسد:

( 2 ) يمكن استخلاص هذه القواعد من مصادر الشريعة الإسلامية  التي وردت بها نصوص صريحة للترجيح بين المصالح، من هذا قوله تعالى  (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) (2/ 61) (7)، وهو صريح في ترجيح المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى (8) ويمكن لنا أن نستخرج من هذا الأصل القواعد الآتية:

1 ـ ارتكاب أخف الضررين  دفعا لأعظمهما:

أ- عند المفاضلة بين المصالح المجتمعة في عمل واجب إن أمكن تحصيل المصالح جميعا كان بها فان تعذر ذلك
حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل ، فالواجب تحصيل  أعلى المصلحتين (9)، فإذا تعذر المفاضلة بينهما، للتساوي بينهما فإنه يرخص في الاختيار في التقديم والتأخير بينهما (10).

ب- عند المفاضلة بين المفاسد المجتمعة في عمل معين، الواجب درء الجميع فان تعذر ذلك درأنا الأفسد فالأفسد، فالواجب دفع أعظم المفسدتين (11)، فإن تساوت فيباح التوقف أو التخيير (12).

جـ - إذا اجتمعت المصالح والمفاسد في عمل معين، فان أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا فعلنا، وان
تعذر التحصيل والدرء معا، وكانت المفسدة أعظم من المصلحة أو تساويا درأنا المفسدة وفوتنا المصلحة لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع (13 )أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها فتقدم المصلحة (4ا) وتطبيقا لذلك أبيح التشريح العلمي والمرضى والجنائي (14).

د- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام (15).

2- الضرورات تبيح المحظورات (16):

أ- يجب أن تكون المصلحة التي تقتضيها الضرورة أعظم من مفسدة المحظور.
ب- تقدر الضرورة بقدرها (17).
جـ - الضرر لا يزال بمثله (18).
د- الحاجة تنزل منزلة الضرورة سواء كانت الحاجة عامة أو خاصة(19).

الطائفة الثالثة: قواعد مزاولة العمل الطبي أو الجراحي:

(3) تتعلق هذه القواعد إما بحق الطبيب أو الجراح في ممارسة عمله أو بكيفية مزاولة هذا العمل ومسئوليته عنه.

أولا: حق التطبيب والجراحة:
ا- إذا أوجب الشارع شيئا تضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه. (20)
2- التطبيب واجب كما أن التداوي واجب. (21)
3- لا تنقلب الرخصة التي أنشأها الشرع للطبيب أو الجراح بممارسة عمله على أجسام الناس إلى  حق إلا برضاء المريض.

ويستثني من ذلك حالات الاستعجال والضرورة. (22)

ثانيا: أصول العلاج:
يراعى في اختيار العلاج ما يأتي من القواعد:-
1- أهداف العلاج (23)  : ـ 
ا- حفظ الصحة الموجودة.
2- رد الصحة المفقودة بقدر الإمكان.
3- إزالة العلة أو تقليلها بقدر الإمكان.
4- تحمل أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
5- تفويت أدني المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
ب- حدود العلاج:
1- يجب ألا يستهدف الطبيب من عمله مجرد إزالة العلة دون النظر إلى  عواقبه فالواجب إزالة العلة على وجه يأمن  حدوث علة أعظم وأصعب منها، فان لم يأمن ذلك أبقى العلة الأصلية كما هي (34) .

2- إذا كانت العلة لا يمكن علاجها امتنع الطبيب عن العلاج (25). ولكن للطبيب الحاذق أن يعمل قدرته على التخيل للاستعانة على المرض بكل معين (26)، وله أن يجرب الدواء بما لا يضر أثره، ولكن ليس له أن يجربه بما تخاف عاقبته (27)

جـ - طرق العلاج:
1- العلاج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقل من الدواء البسيط المعتاد إلى  الدواء المركب إلا إذا فات أثر الأول (28).

2- الجمع بين علاج البدن وعلاج الروح (29)، فقد يكون اعتلال البدن بسبب اعتلال النفس، وقد يكون تقوية النفس أعظم أثرا في الشفاء من الأدوية المعتادة.

3- لكي يكون الطبيب حكيماً يجب، فضلا عن توافر المهارة لديه، أن يكون لديه القدرة على أن يكسب المريض القوة على تحمل الألم ومواجهة العلة والصبر على احتمال العجز، وهو الذي يقنع المريض بحكمة المرض مع تحمله ومواساته.

ثالثا: مسئولية الطبيب أو الجراح :
ا- الجواز الشرعي ينافي الضمان، فإذا فعل الطبيب ما يجوز له فلا يسأل عن الضرر الحادث ولو كان سببا له. (30).

2- لا يتقيد عمل الطبيب بشرط السلامة (31) ولا يطلب منه إلا القيام بالمعتاد من العناية ولا يسأل إلا عن تقصيره فيها.(32)

3- الرضا بالشيء رضا بما يتولد عنه، (33) فلا يسأل الطبيب مدنيا عن الضرر الذي يصيب المريض الذي اختار علاجا
معينا أو رضى به متى كان الطبيب قد راعى أصول مهنة الطب في عمله. (34)

(4) وهكذا فان الصياغة المرنة للقواعد الكلية السابق بيانها تترك المجال أمام أصحاب الفطرة السليمة ليلتمسوا في أطرها العامة موضعا عند الحكم على ما هو مستحدث من أعمال الطب والجراحة على ضوء المصالح والمفاسد المترتبة عليها، والتي يقتضي تميزها عن غيرها حكماً فريداً وإذا كان الأمر كذلك فلنحاول استخلاص أحكام بعض الأعمال المستحدثة للطب والجراحة.

المبحث الثاني
استقطاع الأعضاء البشرية بغرض الزرع

(5) إذا كان من الجائز شرعا أن يتدخل الطبيب في جسم المريض تحقيقاً لمصلحة معتبرة عند هذا الأخير، وقد يصل الأمر إلي قطع جزء من جسمه إنقاذا لحياته (35) فهل يجوز شرعا للطبيب أن يعمل مبضعه في جسم إنسان حي سليم، أو في جثته تحقيقا لمصلحة علاجية لإنسان آخر مريض؟ تلك هي حالة استقطاع عضو من جسم إنسان أو جثته (ونسميه المعطي) بغرض زرعه في جسم إنسان آخر مريض (نسميه المتلقي) يقتضي علاجه القيام بمثل هذا العمل.

لا صعوبة بالنسبة للشق الثاني من هذا العمل، وهو زرع العضو في جسم المريض المتلقي، فهو يدخل في عداد الأعمال الطبية أو الجراحة المباحة بإذن الشرع وبإذن المريض إذا توافرت شروط الإباحة (36)، ولكن الصعوبة كلها تكمن في الشق الأول من العملية، ألا وهو استقطاع العضو من إنسان سليم غير مريض، فكيف يباح شرعاً مثل هذا العمل الذي لا تقتضيه ضرورة صحية عند الإنسان المستقطع من جسمه العضو؟ فإن قيل إن ذلك العمل لا  يباح إلا في حالة الضرورة فإن مؤدي ذلك أنه يطلب من الطبيب أن يجمع مصالح شخصين في إطار واحد لكي يقيم الموازنة بينهما بارتكاب أخف الضررين. ولكن السؤال الذي يعرض هنا هو مثل هذه الموازنة بين قيم إنسانية متعارضة"هل هو أمر مسموح به في مصادر الشريعة الأصلية، وهل يوجد في الإطارات الفقهية التي يعرفها الفقه التقليدي وسيلة يمكن بها بلورة هذه الموازنة؟

(6) فيما عدا النصوص القرآنية الخاصة بالانتفاع بلبن المرضعات (37) لا يوجد، على حد علمنا، نص صريح ومباشر في القرآن أو السنة يعالج مسألة استقطاع الأعضاء البشرية بغرض زرعها في حالة الضرورة (38). فإذا توجهنا بعد ذلك
إلى  القواعد الفقهية، لوجدنا أنها تتطلب منا أن نراعي ثلاثة أمور:

الأول: ديني يتصل بمدى جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي حيا أو ميتا، والثاني: فقهي، وان شئت قل قانوني، يتعلق بالوسيلة الفنية التي يمكن بها تجسيد أو بلورة هذا الانتفاع، أما الأمر الثالث فهو يتعلق بالمفاضلة بين المصالح المتزاحمة. فإذا شرعنا قي تطبيق القواعد الفقهية، مع مراعاة الأمور الثلاثة السابقة على الاستخدامات الحديثة للأعضاء البشرية، كما طبقها بعض الفقهاء من قبل على بعض أجزاء الآدمي، لوجدنا أن المجال يتسع لاختلاف الرأي  في مدى شرعية استقطاع الأعضاء بغرض الزرع، ويتعين علينا حينئذ الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم.

المطلب الأول
(الإطار الفقهي للمشكلة)
(التعاقد على أجزاء الآدمي)

(7) لا يحل لإنسان الانتفاع بشيء مملوك لإنسان آخر إلا من خلال أحد الإطارات الشرعية التي حدد الفقهاء شروط صحتها. ومن بين هذه الإطارات العقود مكان الصدارة. ويشترط لصحة العقد، بصفة عامة، أن يكون محله قابلاً للتعاقد شرعاً وهو لا يكون كذلك، عند الفقهاء، إلا إذا كان ما لا متقوماً يجوز الانتفاع به وكان مملوكا للعاقد (39). فإذا وقع العقد على شيء لم يستوف هذه الشروط فلا أثر في نقل الملك أو الانتفاع (40). وهنا يثو ر التساؤل عما إذا كان يجوز شرعاً التعاقد الذي محله جزء من أجزاء الإنسان؟ لقد تعرض الفقهاء لمثل هذه المسالة بخصوص التعاقد على لبن الآدميات، واختلفوا في مدى جوازه، وكان خلافهم هذا متفرعا على اختلافهم في استيفاء محل التعاقد لشروط صحته . فلنحاول هنا أن نبرز الأمور التي قد تمنع الانتفاع بأجزاء الآدمي من خلال تعرضنا لمدى انطباق أهم شروط محل التعاقد عليها (1). وأحب أن انوه هنا إلى  أن القيام بهذه المحاولة اقتضى منا التعامل مع تفصيلات كثيرة احتوتها كتب الفقه الإسلامي الأصيلة.

لذلك رأيت من المناسب هنا، مراعاة لحجم البحث. أن أختصرها بقدر الإمكان بحيث أخلص إلى  الأصول الأساسية التي ترتكز عليها هذا التفصيلات، حتى يمكننا بعد ذلك التساؤل عما إذا كانت مقتضيات هذه الأصول تظل قائمة في حالات الاضطرار إلى  الانتفاع بأجزاء الآدمي.

أولا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالة السعة (الاختيار):-

لا يجوز التصرف في شيء إلا إذا كان مالا، كما لا يحل الانتفاع به إلا إذا كان طاهراً.
1- هل جسم الإنسان من الأموال؟:

(8) لا يصح، من الناحية الفقهية، أن يكون الشيء محلا للتعاقد إلا إذا كان مالا متقوما يجوز الانتفاع به في حالة السعة أي في غير حالات الاضطرار الاستثنائية، وللفقهاء تعريفات متعددة للمال المتقوم تدور كلها حول ذلك الشيء الذي يحل الانتفاع به وقت السعة، ويقع تحت الحيازة ويتموله الناس بأن تكون له قيمة في السوق يضمنها متلفه (42) ونحن إذا طبقنا مقاييس اعتبار الشيء مالا متقوما على جسم الإنسان في مجموعة لوجدنا أنها لا تنطبق عليه. لذلك ذهب الفقهاء إلى  أن الإنسان، حيا أو ميتا، لا يمكن أن يكون محلا ممكنا ومشروعا للمعاملات (43).

فالإنسان ليس مالا (44) لا في الشرع ولا في الطبع ولا في العقل، فالشرع يأبى أن يعامل الإنسان، الذي كرمه الله ، معاملة الأموال(). والشيء لا يعتبر مالا، في الطبع أو في العرف، إلا إذا كانت له قيمة في الأسواق (46)، ومن الواضح أن هذا لا يصدق في حق الإنسان (74) كما أن اعتبار الإنسان مالاً فيلف العقل لأن اعتبار الشيء مالاً يقتضي أن يكون هذا الشيء خارج الإنسان في حين أن جسم الإنسان ليس شيئا خارجاً عنه (48).

وإذا كان مبدأ عدم تقوم الإنسان بالمال يصدق في حق الإنسان في مجموعة جسمه وحياته وجثته، فهل يصد ق ذلك
أيضا في حق أجزائه بعد انفصالها عن جسده أو جثته (49)؟ من المفيد أن نبرز هنا الاتجاه الذي يسود المذهب الحنفي والذي قوامه أن أطراف الإنسان تعتبر من قبيل الأموال بالنسبة لصاحبها (50). ومعنى الأطراف  هنا ينسحب، فيما يبدو، على كل عضو أو جزء في جسم الإنسان بصفته المنفردة أي منعزلا عن باقي الأعضاء التي لا يجوز أن يرد التصرف على مجموعها. ولذلك فإنه يجوز للإنسان عند الحنفية أن يتصرف في جزء من جسمه لغاية مشروعة. كأن يضحي بجزء من جسمه لإنقاذ حياته (51) فهو كالمال خلق وقاية للنفس (52).

وهكذا يتضح مما سبق أن جسم الإنسان وجثته لا يعد مالا عند جمهور الفقهاء (53) في حين أن الحنفية يعتبرون ما ينفصل من الجسم أو الجثة من قبيل الأموال. 

والسؤال الآن هل يحل شرعا الانتفاع بالجزء المنفصل؟.
2- هل أجزاء الآدمي طاهرة؟

9- يشترط في محل العقد أن يكون طاهرا منتفعا به في الطبع وفي الشرع (54). وإذا كان لا يجوز بيع الشيء الطاهر الذي لا منفعة فيه (55)، فإنه لا يجوز أيضا أن تكون النجاسات أو بصفة عامة المحرمات محلا للعقود (56) وهنا أيضا يثور التساؤل عما إذا كانت أجزاء الآدمي طاهرة أم أنها من المحرمات التي لا يحل الانتفاع بها في حالة السعة والاختيار.

بالنسبة للجزء المنفصل من الجسم الحي لم يتفق فقهاء المذاهب على طهارته وجواز الانتفاع به ، ولهم في ذلك تفصيلات وأقوال كثيرة تعمدنا ألا نعرض منها هنا إلا ما يفيدنا في استخلاص الأصول. والراجح في هذه الأقوال أية على فرض أن الجزء المنفصل يعد طاهرا فانه لا يجوز مع ذلك الانتفاع به احتراما له من الابتذال فالانتفاع به يتعارض مع كرامة الإنسان وحرمته في الشرع (57) والأمر كذلك بالنسبة لأجزاء الجثة التي يتعين دفن ما انفصل منها فهذا ما تقتضيه حرمة الموتى (58).

ولكن إذا كان الأصل الذي يقضي بعدم جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي يرجع إلى  أنها من المحرمات، فان هذا الأصل لا يمنع الإنسان الذي انفصلت من جسده أن ينتفع بها كدواء إذا كان لا يوجد شيء آخر يقوم مقامها في التداوي، ذلك أن هناك أصلا آخر يقضى بإباحة التداوي بالمحرمات إذا كان لا يوجد في الأشياء المباحة ما يقوم مقامها (59). فإذا تعين الشيء المحرم دواء وحيدا للمريض فإنه يحل الانتفاع به (60). فالحرمة ساقطة، كما يقول ابن عابدين، عند الاستشفاء (61)، كما أن مصلحة العافية والسلامة أكمل من " مصلحة اجتناب المحرمات (61) وهذه قاعدة من القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي. وإذن ففي حالة الضرورة يجوز للإنسان أن ينتفع بجزء من أجزائه للتداوي بشرط أن تكون المصلحة في ذلك أعظم من ترك الجزء في مكانه (63).

ولكن هل يجوز لإنسان أن يتداوى بأجزاء إنسان غيره إذا لم يوجد شيء آخر يقوم مقامها ؟

هذه مسألة لا تتعلق بمدى جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار سنبحثها فيما بعد، ويكفينا هنا أن نلاحظ أن الرأي الغالب في الفقه يرى حرمة ذلك إما لكرامة الإنسان وإما مخافة هلاك الإنسان المأخوذ منه الجزء.

(10) إلى  هنا نستطيع أن نقول إن المقدمات التي يرتكز عليها الفقه التقليدي تقضي بأن الجزء المنفصل، وان كان يظل منتفعا به في طبيعته، خاصة إذا حافظنا على حياة خلاياه، فإنه يمتنع في الشرع نقل الانتفاع به إلى  إنسان آخر. لانه يفترض أن ذلك لا يتم الا بوسيلة تتعارض مع كرامة الإنسان، وهي من الوسائل التي يعرفها الفقهاء للتعامل في الأموال. فكان العقبة من انتفاع إنسان بجزء من جسم إنسان آخر إنما هي عقبة فنية ترتبت على التحليل الفقهي التقليدي الذي لا يعرف إلا الأدوات (العقود) التي يتعامل فيها في الأموال (64) ولكن إذا كان الفقه الإسلامي فقها عمليا يحرص على إشباع حاجات الناس المشروعة فيجب ألا تقف صعوبة اختيار وسيلة الانتفاع بأجزاء الآدمي حجر عثرة أمام ضيق حاجات إنسانية تتفق مع المقاصد العامة للشرع، خاصة إذا كان هذا الانتفاع في ذاته ، ومجرؤا على وسيلته لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية. ولقد تغلب بعض الفقهاء التقليديين على  هذه الصعوبة وهم بصد د بحث الانتفاع بلبن الآدميات.

3- التعاقد على لبن الآدميات:
(11) اتفق الفقهاء على أن لبن الآدميات، باعتباره جزءا منفصلا عن جسم آدمي يمكن الانتفاع به في الشرع لورود آيات بينات في هذا المعنى ، (65) ولا العرف لأنه مخصص بطبيعته للخروج من جسم المرأة لينتفع به غيرها (66) غير أن الفقهاء اختلفوا، بعد ذلك، في تحديد العقود التي يمكن أن يتعلق محلها بلبن الآدميات ويرجع اختلافهم هذا إلى  عدم اتفاقهم على تحديد طبيعة اللبن، وإلى  ما إذا كانت إجازة الشرع للانتفاع به هي إجازة مطلقة أم إجازة مقيدة بالضرورة. ونحن إذ نعرض هنا للنتائج التي توصل إليها الفقهاء، في هذه المسائل، إنما نقصد من ناحية التأكيد على أن مسألة الانتفاع بأجزاء الآدمي، فيما لم يرد به نص شرعي، إنما هي مسألة اجتهادية يختلف فيها الرأي بحسب الاعتبارات، وهذه هي الناحية الأخرى التي تتنازع هذه المسألة إضافة إلى  مبررات تغليب اعتبار على آخر.

(12) اتفق الفقهاء على أنه يجوز الانتفاع بلبن الآدميات عن طريق وسيلة عقدية تسمى إجارة الظئر ومعناها أن المرأة تستطيع أن تلزم نفسها بإرضاع طفل لا تلتزم شرعاً بإرضاعه مقابل أجر( 67).

 ولقد روعي في إجازة هذا العقد أن تنفيذه لا يؤثر في السلامة الجسدية للمرأة لأن لبنها مخصص بطبيعته للخروج من جسدها كما أنه متجدد شأنه في ذلك شأن النشاط العضلي في عقد إجارة الآدمي (عقد العمل) (68) واختلف الفقهاء في تحديد ما ترد عليه إجارة الظئر، فقال البعض إنه يرد على اللبن ذاته (69)، حين ذهب البعض الآخر إلى  أن العقد يرد على خدمات المرأة، أي على منافعها وليس على ذات اللبن (70). ولن نقف عند التفصيلات التي أوردها الفقهاء لتكييف العقد الذي يرد على اللبن، هل هو بيع أم إيجار، ولتحديد ما إذا كان من الأموال أم لا، إن ما يهمنا أن نبرز هنا نتيجة في منتهى الأهمية ألا وهي أن لبن المرأة باعتباره جزءا من آدمي، وإن كان لا يعد، عند الحنفية. محلا ممكنا وشروعا للعقد أصلا، إلا أنهم أجازوا عقد الرضاعة كاستثناء، أي استحسان تبرره ضرورة المحافظة على حياة الطفل. 

فكان مبدأ عدم جواز التصرف في أجزاء الآدمي، الذي يقوم على قضية كرامة الإنسان، يحتمل استثناء إذا وجدت ضرورة تبرره عند آدمي آخر وكأن هذه القضية ليست قضية مطلقة. وهذه الضرورة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار متى
كانت المصلحة المترتبة على رعايتها تعلو، في سلم القيم، أي اعتبارات أخرى ولو كانت اعتبارات فقهية بأركان العقود. 

إن الشرع ذاته أذن بالتعاقد على اللبن يرجح المصلحة التي تترتب عليه على قضية كرامة الإنسان وإذن فالمسألة التي تستحق النظر هي مسألة الترجيح بين المصالح المتزاحمة في موضوع الانتفاع بلبن الآدميات بصفة خاصة وبأجزاء الآدمى بصفة عامة.

وإذا كانت الضرورة تجعل من القيمة التي يحفظها مبدأ كرامة الإنسان قيمة مرجوحة أمام قيمة المصلحة المترتبة على الانتفاع بأجزائه، فهل تبرر الضرورة أيضا الضرر الذي يمكن أن يعود على الإنسان من استقطاع أجزاء من جسمه لمصلحة شخص آخر؟

ثانيا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار
(13) حين أباح الشارع الحكيم أكل المحرمات في حالات الاضطرار(71) فإنه يكون بذلك قد أباح العلاج بها، فضرورة الغذاء كضرورة العلاج تبيح المحظورات (72) لان الهلاك أو التلف الذي يمكن أن يعود على الإنسان من عدم التغذي يمكن أن يصيبه من عدم التداوي (73). والأصل في أجزاء الآدمي حرمتها على بني جنسه (74). وإذا كان الفقهاء لا يتعرضون عادة للانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار إلا بصفتها غذاء، فان تحليلهم الفقهي لأحكام هذه الحالات يسرى، بطريق القياس، على استعمال هذه الأجزاء كوسيلة للعلاج. وإذا كانت الضرورة تبيح، في رأي بعض الفقهاء التداوي بالمحرم إذا لم يوجد غيره من المباحات يقوم مقامه، فان السؤال الذي يعرض هنا هل تبرر حالة الضرورة استقطاع أجزاء من جسم الإنسان أو جثته كوسيلة لعلاج إنسان آخر؟.

(14) ذهب غالبية الفقهاء (75) إلى  أن الضرورة لا تبرر انتفاع الإنسان بأجزاء آدمي غيره ولو كان ميتا ويتجسد 7 سبب هذا الحكم عند بعضهم في كرامة بني آدم وخشية الهلاك أو التلف الذي يصيب الإنسان الحي منه، في حين يري البعض الآخر أن هذا السبب تعبدي لا تدرك عته. وإذن فتحريم أجزاء من بني آدم تحريم مثقل لا يباح حتى لضرورة (7.

وعلى العكس من ذلك، يجيز الشافعية للمضطر أن ينتفع بأجزاء الآدمي المهدر أو المعصوم الدم وفقا للتفصيل
ا لآتي:-

فيجوز للمضطر أن يستعمل جسم إنسان مهدور الدم كالحربي والزاني المحصن أو جثته في الغذاء (77)، أما بالنسبة للمعصوم فإن كان ميتا فيجوز للمضطر أن ينتفع بجثته كغذاء إن لم يجد غيره لأن حرمة الحي أكد من حرمه  الميت (78) أو لأن المفسدة في أكل لحم ميتة الإنسان أقل من المفسدة في فوات حياة إنسان (79) 0 

أما إذا كان المعصوم حيا فيجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه كغذاء، وكذلك لا يجوز لمعصوم الدم نفسه أن يقطع جزءاً من نفسه ليقدمه للمضطر( 80)، لأن الضرر لا يزال يمثله (81). ولكن يجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه ليأكله إن لم يجد غيره،. لانه إحياء للنفس بإتلاف عضو فجاز وهذا من باب استبقاء الكل لزوال الجزء (82). ومؤدى هذا الحكم الأخير أنه يجوز استقطاع جزء من جسم شخص تحقيقا لمصلحته هو، كما لو استقطع جزء من جلده لترقيع جرح في جسمه.

ويشترط لإباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت، في حالة الضرورة، ألا يجد المضطر غيره، وأن يكون المضطر معصوم الدم، غير دامي أو معاهدا إذا كانت الميتة لمسلم، وأن يكون الضرر المترتب على عدم الانتفاع أعظم من الضرر المترتب على عدم مراعاة المحظور، أي أن تكون المصلحة في الاستقطاع أعظم من المفسدة التي اقتضت حظره.

(15) وهكذا فإن الضرورة، في أكثر المذاهب توسعا في إباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي المعصوم، لا تبيح هذا الانتفاع إذا حدث الاستقطاع من جسم إنسان حي، والعلة في ذلك تتمثل إما في شرفه وكرامته أو في أن الاستقطاع بفصي
إلى  الهلاك أو التلف، والضرر لا يزال يمثله.

والسؤال الذي يعرض على الفور هو هل ينقلب الخطر إلى  إباحة في حالة الضرورة إذا كان الهدف من الاستقطاع
لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية وكانت المصلحة المترتبة عليه أعظم من ضرره؟ الإجابة على هذا السؤال تضع الحد الحاسم في الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم.

" المطلب الثاني "
الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم

 (16) رأينا أن العقبات التي قد تحول دون الانتفاع بأجزاء آدمي لدى آدمي آخر تتركز حول فكرتين، الأولى الكرامة الإنسانية أي حرمة الإنسان وشرفه حيا وميتا ، والثانية الضرر الذي يعود على الإنسان المنقول منه الانتفاع بجزء من أجزائه.

ونحن نعتقد أن المناط في الحكم على هذه العقبات أو في كيفية تذليلها إنما يرجع فيه إلى  قاعدة التدرج بين المصالح والمفاسد التي طبقها بعض الفقهاء في حالة الاضطرار إلى  الانتفاع بأجزاء الميت. وهذه القاعدة، التي هي صدى لمبدأ عام هو تحصيل أعظم المصلحتين أو درء أعظم المفسدتين، يجب أن ينطبق أيضا عند التزاحم بين قيم الأحياء ومصالحهم.

ولقد رأينا تطبيقا واضحا لهذا التدرج سمح الشارع بالأخذ بمقتضاه في مجال الانتفاع بلبن الآدميات. وبناء عليه
فإنه يلزمنا الآن أن نثبت أنه يجوز شرعاً الانتفاع بأجزاء الآدمي، حياً أو ميتاً، لعلاج آدمي آخر متى كان هذا الانتفاع نتيجة ضرورية، وبالتالي شرعية للتدرج بين المصالح. ولن نقف هنا عند العقبة الفقهية المتمثلة في عدم استيفاء أجزاء الآدمي لشروط محل العقود على الأموال، لأن هذا إقحام لأمر في غير مجاله، فنحن هنا لسنا بصدد الانتفاع بالأموال (83). ولن نستبقي من تحليلات الفقهاء، في هذا الصدد، إلا قضية كرامة الإنسان لنرى كيف يمكن تخطي العقبة المبنية على هذه القضية، في حين يثبت أن هذا الانتفاع يدخل بالنظر إلى  ظروفه الضرورية وهدفه النبيل في إطار الكرامة الإنسانية التي لا تتعلق بإنسان واحد بقدر ما تتعلق بالنوع الإنساني.

وإذن لا يتبقى لنا إلا أن نثبت أن استخدام أجزاء الآدمي، حيا أو ميتا لعلاج غيره من الناس لا يتعارض في الشرع مع كرامته، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن نبين الشروط التي يترتب على إجماعها زوال المانع من الانتفاع بها وهو مخافة الهلاك أو الضرر.

أولا: إذن الشرع وأذن المعطى في إباحة استقطاع الأعضاء البشرية:

(17) تطبيقا للقواعد التي تحكم حق الله وحق العبد في جسم هذا الأخير في حالات الاضطرار، فان الشرع يأذن بنقل جزء من جسم المعطي إلى  جسم المريض المتلقي إذا كانت المصلحة المترتبة على ذلك أعظم من المحافظة على حق الله تعالى  في جسم المعطى. ولكن المشكلة تكمن في كيفية تعيين إنسان محدد ليدخل حقه في التكامل الجسدي في ميزان الترجيح بين المصالح.

لا خلاف بين أهل العلم كما يقول القرطبي (84) في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الهلاك أو التلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه. وهذا الواجب يقع في ذمة الجماعة فرض كفاية.

فإذا لم يكن هناك إلا شخص واحد بيده إخراج المضطر من حالته كان إنقاذه فرض عين على هذا الشخص، ويقع على الجماعة أو على الشخص المعين إثم عدم إنقاذ المضطر وعليهم الضمان (85) فالشرع يطلب من الإنسان التضحية ببعض من حقوقه لإنقاذ المضطر إذا كان ذلك لا يعود عليه بضرر أعظم من الضرر العائد على المضطر. ولقد. رأى الشرع أن إنقاذ نفس واحدة يعد بمثابة إحياء للناس جميعا وقوله تعالى  (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) (5/ 32) (86) يفيد أن من يقوم بإنقاذ الإنسان إنما يحفظ مصلحة اجتماعية (87)
وتطبيقا لذلك فإنه إذا كان إعطاء الإنسان عضوا من أعضاء  لإنسان آخر مريض يترتب عليه إنقاذه من الهلاك،
دون أن يترتب على ذلك هلاك المعطي، فإنه يعد عملا مميزا للتضامن الإنساني (88) ومعبرا عن معاني الرحمة والمودة، ومن ثم متفقا مع الكرامة الإنسانية وجديرا في النهاية بإجازة الشرع.

(18) على أن تضحية الإنسان ببعض حقوقه إنقاذا للمريض المضطر لا تكون جائزة شرعا إذا أدت إلى  هلاك المعطي أو فقدانه لوظيفة تشريحية في جسمه فقوله تعالى  (ولا تلقوا بأيديكم إلى  التهلكة) (2 /195) (89) يفيد أن لك للتضحية المأذون بها حدودا يجب أن يتقيد بها. فإذا تقيد استقطاع العضو من الإنسان بهذه القيود التي سنعرض لها فيما بعد، أمكن قبولها في ميزان الضرورة في اختيار أهون الضررين أو ترجيح أعلى المصلحتين بشرط أن يرضى هذا الإنسان بدخول مصلحته في هذا الميزان، لانه لا يمكن إجبار الإنسان، قضاء، على التبرع بأحد أعضاء  لإنقاذ إنسان واحد ولو كان مثل هذا الإنقاذ يقع واجبا، ديانة، في ذمة الأمة جميعا. فهذا الواجب لا يقع على إنسان معين، قضاء، الا برضاه.

(19) فإذا قابلنا بين المصالح التي يتضمنها حق كل من المعطي والمتلقي في سلامة الحياة والجسد ووضعناهما في ميزان القيم ووجدنا أن كفة استقطاع عضو من جسم المعطي أو جثته لزرعه في جسم المتلقي ترجح كفة مصلحة المعطي
في عدم المساس بجسده لانه يجنب المتلقي ضرراً أعظم من الضرر المترتب على هذا المساس، بحيث تكون المصلحة النهائية للعملية حماية مصلحة اجتماعية جديرة بالحماية، فإن هذه العملية تكون جائزة شرعا. على أن مثل هذه الموازنة تقتضي، لضبط مصلحتها النهائية، تقدم العلوم الطبية والجراحية في السيطرة على ظاهرة رفض جسم الإنسان للأعضاء الأجنبية عنه، وإلا ما هي المصلحة في المخاطرة بعمل في سبيل هدف موهوم؟ لذلك فإنه بالنسبة لعمليات زرع الأعضاء التي لم يثبت نجاحها لا يجوز الاستقطاع من الجسم أو الجثة إذا كان مساساً بحرمتها بدون مبرر شرعي.

(20) أما بالنسبة للاستقطاع من الجثة، حيث تتنازع مصالح الأحياء مع مصالح الموتى أو أهلهم، فإن إباحته تستند إلى  نفس القواعد التي تبرر تشريح الجثث، بل إن من بين الأغراض التي تبرر شرعية التشريح الاستفادة "من أجزاء الجثة في إنقاذ حياة إنسان أو صحته (90) ،ولقد رأينا قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد تجعل من التشريح أمرا مباحا لأن مصلحة المحافظة على حياة إنسان أو صحته أعظم من الناحية الاجتماعية، من المفسدة المترتبة علي، المساس بالجثة (91).

وهكذا فإنه في حالة الضرورة، حيث يتعين استقطاع جزء من الجثة علاجاً وحيداً للمريض، تعلو مصلحة هذا الأخير على المصلحة التي يحفظها مبدأ حرمة الموتى، ويجوز من ثم استقطاع هذا الجزء من الجثة لزرعه في جسم المريض إذا توافرت عدة شروط حين تصبح المصلحة المترتبة على العملية مصلحة اجتماعية جديرة بالرعاية (92). لذلك أجاز متأخرو الشافعية استخدام عظام الموتى في جبر عظم الحي المنكسر إذا لم يمكن جبره بغيره (93).

والواقع أن مبدأ حرمة الموتى إنما يقصد به حماية ما تمثله من قيم معنوية لدى الأهل، ويكفي لتأكيد احترام هذه
القيم أن يأذن الميت قبل موته بالاستقطاع أو يأذن به الأهل بعد موته.

(21) أما بالنسبة للمريض المتلقي للعضو، فإنه يجوز شرعا زرع مثل هذا العضو في جسمه رعاية لمصلحته في سلامة نفسه وجسمه. فإن قيل إن أعضاء الإنسان من المحرمات لكرامته، قلنا: أنه يجوز التداوي بالمحرم في حالة الضرورة إبقاء للحياة وحفظاً للصحة تماماً كما يجوز التغذي بالمحرمات في حالات الاضطرار. فالشرع ذاته أجاز ترك الواجب وفعل المحرم لوجود اضطرار مرضى (94).

كما أنه رفع عن المريض الحرج أيا كان مصدره (95)، الأمر الذي يسمح بالتداوي بالمحرمات. وإذا كان حكم الاضطرار في الإباحة حكما عاما يسري على جميع المحرمات فإنه يسرى أيضا على الانتفاع بأجزاء الآدمي لان الحكم الشرعي العام أو المطلق لا يجوز تخصيصه أو تقييده بدون نص مخصص أو مقيد، ولا يوجد نص خاص يمنع التداوي بأجزاء الإنسان، حياً أو ميتاً، عند الضرورة. والواقع أننا متى وجدنا في ظروف تتحقق فيها الضرورة، وجب إعمال أحد مقوماتها المتمثل في تحصيل أعلى المصلحتين أو دفع أعظم المفسدتين، فإذا توقف علاج المريض على زرع أحد الأعضاء في جسمه، فلا شك أن مصلحة العافة تعلو على مصلحة اجتناب المحرمات.

(22) واستنادا إلى  الاعتبارات المشار إليها فيما سبق صدر العديد من الفتاوى من جهات رسمية من أفراد متخصصين تجيز في مجموعها نقل الأعضاء من أجسام الأحياء (96) أو من الجئث (97) إلى  المرضى إذا تعين علاجاً ضرورية للمرض. وذلك مقيد برضاء ذوى الشأن وبعدم حصول ضرر فاحش لمن نقل منه العضو. وكل هذه الفتاوى تستند في التحليل الأخير على قواعد الضرورة حين تتزاحم عدة مصالح وحين يترتب على العمل الضروري مصالح تقابلها مفاسد، وهي قواعد تقتضي بإباحة هذا العمل إذا كانت المصلحة فيه أعظم من المفسدة المترتبة عليها. على أن مثل هذه القواعد لا يسمح بتطبيقها في مسألة الانتفاع بأجزاء الآدمي إلا إذا توافرت عدة شروط ننتقل الآن لمعالجتها.

ثانيا: شروط إباحة استقطاع الأعضاء للزرع:
(23) لما كان استقطاع العضو من المعطي لزرعه في جسم المتلقي، وهو عمل مركب، يتعلق بحقوقه إضافة إلى  حق الله تعالى  فإنه يلزم، مراعاة لهذه الحقوق توافر عدة شروط ترجع إلى  الرضاء والباعث عليه ومدى التضحية المرضي عنها. وإذا كان زرع العضو في جسم المتلقي يدخل في عداد الأعمال الطبية والجراحية فإن إباحته تتقيد بذات الشروط التي تتقيد بها هذه الأعمال بصفة عامة ومنها رضاء المريض. أما بالنسبة لاستقطاع العضو من المعطي فانه يلزم توافر عدة شروط يرجع بضعها إلى  حق الله تعالي وبعضها الآخر إلى  حق المعطي . وتتركز هذه الشروط الأخيرة حول رضاء المعطي الذي يجب أن يكون صادرا عن إرادة حرة (98 ) وممن هو أهل له بأن يكون بالغا عاقلا وان يصدر من المعطي وهو على بينه من أمره . وتعتقد الآمر باستقطاع عضو من أحدهم لزرعه في جسم . أشقائه أو شقيقاته .

يتبقى بعد ذلك الشروط التي ترجع إلى  الله تعالي في جسم المعطي والمتلقي وحياتها والتي يترتب على اجتماعها توافر حالة الضرورة ( 99 ) ويمكن تجميع هذه الشروط تحت طائفتين تندرج تحت أحدهما الشروط التي تقتضيها الكرامة الإنسانية في حين تنطوي تحت الطائفة الأخرى الشروط التي تقتضيها الموازنة بين المصالح المتزاحمة (100 ) .

أ- شروط تقتضيها الكرامة الإنسانية:

(24 ) لا يدخل استقطاع الأعضاء للزرع في جسم مريض في إطار الكرامة الإنسانية إلا إذا استهدف به غاية علاجية مجردة عن الاعتبارات المالية.

أ- الغاية العلاجية لاستقطاع العضو  وزرعه:
يشترط لإباحة الاستقطاع من جسم المعطي أن يستهدف به رعاية المصلحة الصحية للمريض المتلقي وأن يكون ضروريا لذلك. ولكن هذه المصلحة لا تبرر مثل هذا الاستقطاع إلا إذا تم بقدر ما تقتضيه ضرورة المحافظة على حياة المريض أو قيام جسم بوظائفه الضرورية، ولما كانت الضرورة تقدر بقدرها وكان الضرر لا يزال يمثله فيجب أن تكون المصلحة المترتبة على استقطاع العضو لزرعه في جسم المريض أعظم من المفسدة المترتبة على ذلك عند المعطي.

ب- امتناع المقابل المالي للاستقطاع:
إذا كانت الضرورة تبرر رعاية المصلحة العلاجية للمريض عن طريق استقطاع العضو وزرعه، إلا أن ذلك لا يباح إلا بقدر الضرورة التي أوجبته دون زيادة، بحيث لا يخرج هذا العمل عن إطار الكرامة الإنسانية. ومما يتعارض مع هذه الكرامة أن يعلق المعطي رضاه بالاستقطاع من جسمه أو جثته على قبضه الثمن، وإلا فإن أجزاء الإنسان لا يمكن بيعها  أو شراؤها ، (101) والشرع ذاته لم يقم بالتقدير المالي لأعضاء الجسم إلا في حالة الاعتداء عليها، وتقتضينا الدقة أن نقول أن الدية لا تقابل الأعضاء ولكنها عوض عن الحق الأصلي للمجني عليه وهو القصاص (102). وإذا كان لا يجوز للمعطي أن يعلق تبرعه على قبضه ثمن العضو المستقطع، فلا مانع شرعا من أن يوضع نظام عام يمكن بمقتضاه مساعدة المعطى ماليا عما يفوته من منافع بسبب الاستقطاع.

2- شروط تقتضيها الموازنة بين المصالح والمفاسد:
(25) لا يقبل دخول مصالح كل من المعطي والمتلقي في ميزان الضرورة إلا في حدود معينة تضمن للعملية نتيجة ترقى بها إلى  مستوى المصلحة الاجتماعية:-

أ- قيود تقتضيها مصلحة المعطى:
يجب ألا يترتب على الاستقطاع ضرر فاحش بالمعطى. وبناء عليه لا يجوز مطلقا استقطاع عضو إذا ترتب عليه
موت المعطي كالقلب مثلا، فالشرع، وقد أقام مبدأ التساوي بين بني آدم معصومي الدم (1021)، لا يسمح أن يقتل أحدهم لإحياء آخر ( 104).

وإذا وإذا كان يجوز استقطاع الأنسجة أو المواد المتجددة، كالجلد والدم، لأنه لا يحرم المعطي من وظائفها فهي بالفرض متجددة، فإنه لا يجوز استقطاع عضو من الأعضاء المنفردة في الجسم لانه يحرم المعطي من وظيفته التشريحية، وهنا تظهر أهمية الجثة كمصدر لهذه الأعضاء. أما بالنسبة للأعضاء المزدوجة، كالكلى مثلا، فإنه يشترط لإباحة استقطاع إحداها إضافة إلى  تناسب المخاطر التي يتعرض لها المعطي مع المزايا التي تعود على المتلقي، أن يكون العضو المتبقي قادرا على القيام بالوظيفة التشريحية للعضو المستقطع. أما إذا كان استقطاع أحد العضوين يؤثر في هذه الوظيفة، بالرغم من وجود  العضو الآخر قي جسم المعطي، فلا يباح الاستقطاع (104) والأساس في ذلك أن حماية الشرع للجسم لا تتعلق بأعضاء  في ذاتها ولكن باعتبارها محلا للمنافع  (105). إذن فحين يرضى المعطى باستقطاع أحد أعضاء  المزدوجة فإن ذلك مقيد ببقاء منافعه التي قصد الشارع حمايتها.

ويجب اتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة لدى المعطى حتى يكون هامش الخطر الذي يتعرض له ضعيفاً جداً.
 ولامانع شرعا من فرض التزام في بيت المال بتغطية المخاطر غير المتوقعة التي يتعرض لها المعطي.

ب- قيود تقتضيها مصلحة المتلقي:
يجب أن تكون المصلحة المترتبة على الزرع لدى المتلقي جدية وراجحة ،وهي وتكون جدية إذا ثبت من جانب أن الزرع يعد وسيلة ضرورية لعلاجه (106) ومن جانب آخر أنه منتج للغاية المرجوة على سبيل الظن الغالب (107). وهذا الجانب الأخير. يجعل المصلحة راجحة إذا كانت مخاطر الزرع لدى المتلقي أقل من الضرر المترتب على التطور التلقائي للمرض المراد علاجه، كما يجب أن تكون مزايا الزرع أعظم من مخاطره عند المتلقي، وذلك، كله لتطبيق القاعدة ترجيح المصلحة إذا كانت أعظم من المفسدة التي تقابلها.

جـ - قيود تقصيها المقارنة بين مصالح المعطي ومصالح المتلقي:
(26) تختلف طبيعة هذه القيود بحسب ما إذا كان الاستقطاع من جسم إنسان حي أو من الجثة.

(1) القيود العامة:-
بعد أن يواجه الطبيب مصلحة كل من المعطى والمتلقي على انفراد فإنه يدخله في إطار واحد هو إطار الضرورة، ليقيم الموازنة بينهما على أساس اجتماعي وليس على أساس شخصي، لأن العمل الضروري لا يباح الا بمقدار ما يترتب عليه من منفعة اجتماعية، وهذا يقتضي أن تكون المصلحة التي يحفظها العمل الضروري أعظم من المفسدة التي دعت إلى  خطرة شرعا. وتطبيقا لذلك لا يباح الاستقطاع إلا إذا استهدف به علاج مرض أعظم ضررا من الضرر الذي يعود على المعطى من بناء الاستقطاع وبحيث ترقى نتيجة العملية إلى  مستوى يجعل منها مصلحة اجتماعية محترمة تبرر التضحية ببعض حقوق المعطى.

ويلاحظ أخيرا، أن نتيجة المقارنة بين المزايا والمخاطر المترتبة على استقطاع الأعضاء لزرعها، يتوقف على مدى
 الطب في مسألة السيطرة على ظاهرة رفض جسم المريض للأعضاء الأجنبية عنه، فقبل التوصل إلى  حل لهذه الظاهرة تكون المخاطر راجحة، أما بعد السيطرة عليها فإن المزايا ترجح على المخاطر. وبقدر التقدم الطبي بارتكاب  أخف الضررين الاستقطاع لإنقاذ المتلقي من الهلاك. ولقد كانت خشية الهلاك الذي يمكن أن يصيب المعطي من الاستقطاع، إضافة إلى  الهدف الموهوم في زراعة عضو في جسم يلفظه ويطرده، من بين الأسباب التي كانت يمكن أن وتدعو الفقه التقليدي إلي رفض هذا العمل ، أما وقد قيدت تضحية المعطى بالقيود السابق بيانها وتحول الهدف من موهوم إلى  مضمون أو في الأقل مظنون في العصر الحديث مع تقدم الطب والجراحة فيجب أن يتغير الحكم لأنه لا ينكر تغير الإحكام بتغير الزمان (108) ولانه حيثما توجد المصلحة فشرع الله (109).

(2) التحقق من الموت:
21) يخضع  الاستقطاع من الجثة لذات القيود التي تقتضيها المقارنة بين المصالح السابق عرضها. وإن كان يراعى، نظرا إلى ، أن الاستقطاع لا يخشى منه الهلاك أو الضرر بالنسبة للمعطى فهو بالفرض قد مات (110)، إن ترجيح كفة مصلحة المتلقي لن يواجه صعوبات مثل تلك التي تعرض في حالة الاستقطاع من جسم إنسان حي على أن ترجيح مصلحة المتلقي، باعتباره إنسانا حيا، على المصالح التي تتعلق بالجثة يفترض أن الاستقطاع سيتم من جثة إنسان ثبت موته. وإذن لا يجوز الاستقطاع من الجثة قبل التحقق من حدوث الموت.

وأستطيع أن أزعم أنني راجعت معظم الآيات القرآنية إن لم يكن كلها، التي ورد بها ذكر كلمة الموت ومشتقاتها، ولم أجد فيها تعريفاً صريحاً للموت، وإن كان يمكن لنا باجتهادنا الشخصي، استخلاص معنى الموت الحقيقي الذي عناه القرآن الكريم في بعض آياته، وسنشير إلى  هذا المعنى لتلك الآيات عند دراسة الإنعاش الصناعي، وبطبيعة الحال لم يتعرض الفقهاء التقليديون لتعريف الموت من الناحية الطبية، فهذا ليس من اختصاصهم، وان كانوا  قد حاولوا تعريفه من الناحية التصويرية (111) ومن ناحية علاماته (112) ومن ناحية آثاره في مجال الحقوق والديون (113) وبطبيعة الحال لا يمكن التعويل على هذه التعريفات لأنها لا تضع معيارا علميا للموت ينبع من داخل الجسم، هذا فضلاً عن أن جانبا من الأفكار التي بنى عليها بعض الفقهاء استنتاجاتهم قد تخطاها التطور العلمي. فهذا ابن حزم (114) يقول إلا يختلف اثنان من أهل الشريعة وغيرهم في أنه ليس إلا حي أو ميت ولا سبيل إلى  قسم ثالث...) فى حين أن الطب الحديث أثبت وجود طائفة ثالثة بين الأحياء والأموات حيث يكون الإنسان قد مات طبيا بموت مخه مع بقاء بعض أجزاء جسمه حية بمساعدة أجهزة الإنعاش الصناعي التي تكفل استمرار قيام بعض الأعضاء الأساسية للحياة، كالقلب والرئتين، بوظائفها. وهنا يثار التساؤل عن مدى شرعية استقطاع أعضاء من جسم من يوجد في هذه الطائفة الثالثة؟ تقتضيي الإجابة على هذا السؤال معرفة مراحل الموت أو أنواعه ومعيار الموت الحقيقي للإنسان الذي استقر عليه الطب الحديث.

(28) يتنوع  الموت إلى  ثلاثة أنواع يمثل كل نوع منها مرحلة من مراحل الموت، (115)، ففي الأحوال العادية يحدث الموت الإكلينيكي، في مرحلة أولى حيث يتوقف القلب والرئتان عن العمل، وفي مرحلة ثانية تموت خلايا المخ بعد بضع
دقائق، من توقف دخول الدم المحمل بالأكسيجين للمخ، وبعد حدوث هاتين المرحلتين تظل الخلايا لمدة تختلف من عضو لآخر، وفي نهايتها تموت هذه الخلايا فيحدث ما يسمى بالموت الخلوي ،وهذه هي المرحلة الثالثة للموت. ويستنتج من هذا أنه من الممكن أن يتوقف قلب إنسان عن العمل ولكن خلاياه، أعني خلايا القلب تظل حية، ولذلك فإن موت هذا الإنسان ليس إلا موتا ظاهريا لا يمنع من إعادة القلب إلى  عمله الطبيعي  عن طريق استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي. أما إذا مات المخ، بعد بضع دقائق من توقف القلب والرئتين، عن العمل فلا أمل، بحسب قدرة  بني آدم وعلمهم، في إعادة الحياة إلى  المخ وبالتالي الإنسان في مجموعه. لذلك  استقر الطب الحديث على أن موت خلايا المخ الذي يؤدي إلى  توقف المراكز العصبية العليا عن عملها هو معيار  موت الإنسان موتا حقيقيا (116) ورغم حدوث الموت الحقيقي للإنسان فإن خلايا بعض أعضاء جسمه تظل حية لحين تدخل الموت الخلوي، ومن الممكن المحافظة على حياة هذه الأعضاء بتزويدها بالدم المحمل بالأكسجين وغيره أن من ضروريات الحياة عن طريق أجهزة الإنعاش الصناعي، وبهذا يمكن الاستفادة منها، ليس عند صاحبها  فهو قد مات بموت المخ، ولكن عند غيره من الأحياء، وهكذا فإنه يكفي للتأكد من موت المعطى التحقق من موت جميع خلايا مخه ومن التوقف  التلقائي للوظائف الأساسية للحياة، ولكن يمكن لأجهزة الإنعاش الصناعي أن تكفل بعد ذلك بقاء بعض خلايا جسمه حية. ولذلك فإن الاستقطاع الذي استوفى شروطه الأخرى، من إنسان تعدت حالته مرحلة موت المخ يكون جائزا شرعا، ولا يعد استقطاع القلب منه مثلا قتلا له.

على، أن الطب الحديث الذي أحرز تقدما ملموساً في مسائل نقل الأعضاء البشرية ومن بينها كفالة حياة خلايا الجسم بعد، موت المخ عن طريق أجهزة الإنعاش الصناعي أثار مشاكل شرعية على مستوى آخر، تتعلق بالحدود التي يجوز فيها إطالة الحياة عند إنسان على وشك الموت فلنعالج هذه المسألة إذن.

" المبحث الثالث "
الحدود الشرعية للإنعاش الصناعي

(29) نعتقد أن الحكم الشرعي للأعمال المستحدثة في مجال الطب والجراحة، فيما لو لم يرد نص شرعي صريح، يبحث عنه في ضوء الأهداف العامة للشرع، وبصفة خاصة حفظ النفس والعرض والعقل ، وقواعده العامة خاصة قاعدة تحصيل أعلى المصلحتين واعظم المفسدتين، ونحن نقدم هنا الإنعاش الصناعي كنموذج للأعمال الطبية التي يمكن أن يتأرجح حكمها بين الإباحة والتحريم بحسب ما إذا كان الهدف "منها حفظ حياة قائمة أو أطإلة  موت ثابت. ولقد أثار الإنعاشالصناعي مشكلة دينية تتعلق بالقدرة على إعادة الحياة  للموتى، فلقد قيل بأن هناك أشخاصا ماتوا وأعيدت لهم الحياة بوسائل طبية، وهو الأمر الذي يتعارض من الحقيقة  العقائدية التي تقضي بأنه ليس  في مقدور البشر إعادة الحياة لمن مات إلا إذا كان ذلك بمعجزة أنزلها الله بسلطان  من عنده ولحكمة يراها، وحتى يتبين لنا وجه الحقيقة فيما شاع حول الإنعاشالصناعي فإنه يلزم تحديد صالة الإنسان الذي تستخدم عنده من حيث الحياة أو الموت.

المطب الأول "
ا لإنعاش الصناعي إطالة للحياة

(30) لا تستغرق المدة بين توقف القلب والرئتين عن العمل (الموت الإكلينيكي) وبين موت المخ أكثر من بضع دقائق قليلة، وفي هذه المدة القصيرة يعد الإنسان فيها بين الأحياء (113) ويتعين من ثم إنقاذه، حتى لا تموت خلايا مخه.

 إذن فالغرض من استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي في هذه الحالة هو إطالة حياة المريض، ولا يعد ذلك من قبيل
إعادة الحياة إليه لأنه ما زال حيا في حكم الشرع حتى ولو كانت بعض مقومات حياته قد توقفت عن العمل التلقائي. فمن قربت نفسه من الزهوق ،له من الحرمة ما للإحياء منها بحيث يستحق من يتسبب في إزالة ما تبقى له من الحياة العقاب (118) ،مؤدى ذلك أنه إذا نفذ الطبيب التزامه الشرعي أو القانوني أو التعاقدي بتركيب أجهزة الإنعاش الصناعي لمريض، فلا يجوز له، قبل موت مخه، أن يفصل هذه الأجهزة والإتسبب في موت المريض موتا حقيقيا لا رجعة فيه (119) ولا يشفع للطبيب في فعلته هذه وجود أناس آخرين في نفس حالة المريض، في حاجة إلى أجهزة الإنعاش الصناعي لأن مبدأ التساوي بين الناس، معصومي الدم، يمنع التضحية بحياة إنسان لإنقاذ حياة أخرى(120)، كما أن الضرر لا يزال بمثله، والدليل على تساوي الناس في نظر الشرع، لافرق بين حياة أحدهم وحياة آخر(ا 12) أنه أوجب جزاء لا يختلف في نوعه أو مقداره (القصاص أو الدية) باختلاف  المعتدى عليه، لان هذا الجزاء يقوم على ما لكل إنسان من حق في سلامة حياته وبدنه، وهو حق يستوي فيه الناس جميعا (122) وفي الحديث النبوي الشريف " " المسلمون تتكافأ دماؤهم، (109).

(31) عن، أن مبدأ المساواة هذا بين حقوق الناس في الحياة، وإن كان يمنع الطبيب من حرمان إنسان من الأجهزة التي ركبت فعلا على جسمه ليضعها على جسم إنسان آخر في نفس حالة الإنسان الأولى، فإن الطبيب يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه إذا وجد أمامه أكثر من إنسان في النزع الأخير وهو لا يملك إلا جهازا واحداً أو أجهزة بعدد قليل لا يكفيهم، فهنا إذا تساوت المصالح فإن الطبيب مخول، طبقا للقواعد الكلية، بالتخير في التقديم ،التأخير بشرط أن يقوم اختياره على معايير موضوعية واعتبارات اجتماعية تتصل بمدى نفع الشخص للمجتمع وبمدى إمكان إنقاذ حياته، وليس على اعتبارات شخصية تعتمد على المال أو النسب أو السلطة ذلك أنه إذا كانت المزايا التي يخولها الحق في الحياة بالنسبة للإنسان لا تختلف من إنسان لآخر، فإنها تختلف مع ذلك في منفعتها للجماعة (123). فالمصالح هنا متساوية على المستوى الفردي ولكنها متفاوتة على المستوى الاجتماعي والواجب، طبقا للقاعدة الكلية، تحصيل أعلى المصلحتين. ومن المناسب ألا يوكل الاختيار المشار إليه إلى  فرد واحد بل ينبغي أن يتخذ القرار بواسطة فريق طبي.

" المطلب الثاني   "
" الإنعاش الصناعي إطالة للموت "

(32) في مراكز الرعاية المركزة، حيث لا تكفي الأعداد المتوفرة من هذه الأجهزة باحتياجات المرضى، يقف الأطباء "في حيرة بين حالتين: حالة تحتكر الجهاز لا لسبب إلا لتأجيل إعلان الموت، وحالة في حاجة إلى الجهاز لإنقاذ
حياتها ولا تجده " ويهمنا هنا أن نبين من جهة أن الحياة الصناعية التي يحياها المريض، الذي ماتت خلايا مخه ليست إحياء للموتى، ومن جهة أخرى أن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي في هذه الحالة، يعد أمرا جائزا في الشرع والقانون.

أولا: هل الإنعاش الصناعي إحياء للموتى؟
(33) سبق أن بينا أن إعادة القلب والرئتين إلى عملهما، وقبل حدوث موت المخ، لا يعد إعادة الحياة للموتى. (فذلك لا يعد من قبيل العودة للحياة بعد الموت استيقاظ الإنسان من الغيبوبة العميقة (120) حيث يتوقف المخ عن عمله رغم أن خلاياه مازالت حية. أما إذا ماتت خلايا المخ فإن صاحبه يفقد كل الصفات التي تتميز بها الحياة الإنسانية الطبيعية ويعد في حكم الموتى طبيا وشرعياً، وليس في مقدور بشر، بعد ذلك، أن يعيد الحياة الطبيعية إليه. وإذا كانت أجهزة الإنعاش الصناعي لا تكفل في هذه الحالة الأخيرة إلا الحياة الصناعية لبعض خلايا الجسم فلا يصح القول بأنها تعيد الحياة إلى الموتى.

ونظراً إلى  أن مثل هذا القول يتعارض مع الأسس التي تقوم عليها الأحكام العقائدية في الشرع فلقد ذهب البعض ( 126) إلى أن الموت الحقيقي، الذي لا رجعة إلى الحياة من بعده، لا يتحقق بتوقف أجهزة الجسم عن عملها، لكن بموتها وتحللها إلى  عناصرها الأولية. وفي اعتقادي أن الموت الحقيقي للإنسان يتحقق في وقت يسبق تحلل جسمه إلى  التراب كما أنه ليس في مقدور بني آدم حتى في هذه الحالة إعادة الحياة للموتى. بيان ذلك أن الموت الحقيقي، بحسب ما استقر عليه الطب الحديث، يتحقق بموت المخ والتوقف التلقائي لأجهزة الجسم التي تقوم بالوظائف الأساسية للحياة (المراكز العصبية العليا والقلب والرئتين) وهو أمر يسبق بمدة قصيرة تحلل الجسم إلى  عناصره الأولى. والقول بأن الموت الحقيقي للإنسان يتجسد في تحلل خلاياه إلى  عناصره  الأولى هو قول يخالف الواقع لانه أمكن حفظ الجثث من التحلل، على مدى ألوف السنين عن طريق التحنيط مع أن صاحب الجثة قد مات موتا حقيقيا، ويمكن أن يستفاد حدوث الموت الحقيقي للإنسان قبل تحلل جسمه إلى عناصره الأولي من قوله تعالي : (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) (23/ 35) (27 1). فالعطف الوارد في الآية الكريمة يفيد المغايرة أو على الأقل يفيد أن تحلل الجسم إلى  التراب ما هو إلا نتيجة للموت الذي حدث من قبل 
(128) ويؤيد بأني قولنا أن الموت الحقيقي للإنسان في نظر الشرع إنما يتجسد في موت الجهاز الذي يعتمد عليه عمل المراكز العصبية العليا في التنسيق بين وظائف أجهزة الجسم، أن القرآن الكريم يعبر عن جملة الوجود الجسدي للإنسان
بالإشارة إلى  هذه المراكز، ونجد هذا في قوله تعالى"وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " (129) والمقصود بالظهور في الآية الكريمة العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته ومركز النخاع الشوكي الذي يتحكم في حياة الإنسان بتوجيه من المخ (130).

(34) فإذ مات الإنسان موتا حقيقيا، بموت خلايا مخه، فإن القول بإعادة الحياة إليه عن طريق الإنعاش الصناعي، فضلاً عن أنه يخالف الواقع لأنه لا يعيد خلايا المخ إلى  الحياة، يخالف الحقيقة العقائدية التي تقضي بأن الإحياء والاماته إنما هي من الأفعال التي لا يشارك أحد فيها الله تعالى  (131) (أنا نحن خفي الموتى) ( 36/12) (32 1).

ومن المنكرات أن يدعي العبد لنفسه ما هو من اختصاص الله تعالى  ( 133 ) الذي يستطيع هو وحده أن يميت الإنسان، ويعيده للحياة ليس فقط في الآخرة (134) ولكن أيضا في هذه الحياة الدنيا ذاتها (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) (243/2) (135). فحقيقة منح الحياة وسلبها وإعادتها هي سنه كونية خفية لا يملك الإنسان منها شيئا (136): (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) (25/3) (137)، إلا ما أذن الله تعالى  (138)، كما أن إعادة الحياة للموتى تعتبر خارقة، كخارقة الحياة الأولى،وهي بيد الله وحده الإ ما أذن الله (139)، كمعجزة تثبت وجوده (140). فإذا قضى الله، بحكمته، بموت إنسان، فليس في مقدور أحد أن يؤخر قضاءه. (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها) (63 / ا ا) (141). ولن يستطيع أحد من الخلق أن يمنع قضاء الله ويعيد الحياة لمن أماته: (فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (3/ 168) (142).

إذا كان من المستحيل بالنسبة لبني آدم إعادة الحياة لمن ماتت خلايا مخه (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) 71/4) (143) فهنا يحق لنا أن نتساءل عن فائدة تركيب أجهزة الإنعاش الصناعي على جثته، وبالتالي عن مدي، شرعية إيقاف عمل هذه الأجهزة.

ثانيا : هل إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي جائز شرعا ؟ : ـ

(35) إذا كان الشارع قد أباح العمل الطبي والجراحي لأنه يحفظ مصالح راجحة اجتماعية تتمثل في المحافظة على الحياة وصيانة الصحة، فإن علة الإباحة تزول متى زالت الحياة التي تتوفر لها  صفات الحياة الإنسانية، ويتعين من ثم التوقف في العمل. وهذا الأمر يصدق على العمل الطي المتمثل في الإنعاش الصناعي لإنسان ثبت موت مخه رغم تمتعه بحياة صناعية. وبينما يعتبر علم الطب أن مثل هذا الإنسان قد مات فان الفقه ، والقانون لا يعتبران إنسانا ما قد مات طالما قلبه ينبض، ويلزم لاعتباره ميتا اتخاذ إجراءات معينة كتحرير شهادة الوفاة بعد توقف قلبه عن النبض تلقائيا. وإذا كان الفقه والقانون يبدوان هكذا متخلفين عن ركب الإمكانيات الحديثة للطب فإن ذلك يرجع إلى  تمسكهـا  بحماية حقوق الإنسان إلى  أبعد مدى في مواجهة هذه الإمكانات التي لا تخلو، على الرغم من مزاياها التي لا تنكر، من مضار.

إن الصعوبة الشرعية والقانونية تكمن فيما إذا كان الفرد الذي توقف مخه عن العمل بصفة نهائية لموت خلاياه يمكن
اعتباره شخصا مكلفا بالأحكام الشرعية حين يقف الفقه والقانون بجواره لحمايته، أو أنه لا يعدو أن يكون مجموعة من الأعضاء والخلايا المجردة من كل إرادة إنسانية والتي لا عمل لها في جسم صاحبها ولاتحظي من ثم بحماية الفقه والقانون. ولعله مما يساعد على تذليل هذه الصعوبة ويؤدي إلى وضوح الرؤية أن نفصل، بالنسبة للميئوس من حياته، بين الحياة العضوية والحياة الإنسانية، وهذه الأخيرة هي التي تجعل الحياة الأولى نافعة للإنسان والمجتمع، فإذا انتهت الحياة الإنسانية تلقائيا فهل يكون من الجائز في الشرع والقانون إنهاء الحياة العضوية؟

تتضمن الحدود الشرعية والقانونية للإنعاش الصناعي من ناحية الكشف عن حكم إيقافه بالنسبة لمن تجردت حياته
عن 3 صفاتها الإنسانية ومن ناحية أخرى وضع قيود تمنع من حرمان المريض مما تبقى له من حياة إنسانية.

1- حكم إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي:

(36) إذا استحال عودة الوظائف الأساسية للحياة تلقائيا بعد توقفها بسبب توقف عمل المركز العصبية العليا بعد موت المخ، فهل يتمتع من وصلت حالته إلى  هذا المستوى بحياة إنسانية جديرة بالحماية؟

حكم الحياة الإنسانية أي مقوماتها التي تميزها عن غيرها، هو الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي والتعامل معه (144). ولا شك أن من مات مخه (145)، لا يستطيع أن يتحكم في تعاملة مع العالم الخارجي، وتزول من ثم حياته الإنسانية ويصبح في حكم الأموات. ولما كان الإنعاش الصناعي لا يعيد للحياة الإنسانية مقوماتها، الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي، بعد أن ماتت خلايا المخ للإنسان، فلا يعد إيقاف عملهـا حرمانا له من حياة إنسانية بعد أن فقدها من قبل، والمفروض أن لا يعد فعله هذا أيضا جريمة قتل في حكم الشرع والقانون لأن هذه الجريمة لا تقع إلا في محل هو حي بحسب تعبير الفقهاء (126) أو في عبارة أخرى لأن جريمة القتل تفترض وجود حياة إنسانية طبيعية. فإذا ثبت أن الاعتداء وقع على إنسان ميت فإن فاعله لا يعد قاتلا، ولا يعاقب، بعقوبات الاعتداء على الحياة (147) كذلك فإن الطبيب، الذي اقتنع بأنه يتعامل مع جثة، مطالب بالا  ينسى، في كفاحه ضد الموت، الاحترام الواجب للموت، فإذا كان الإنسان قد فقد علاقاته مع العالم الخارجي فأي قيمة لحياة لم تعد موجودة. أن احترام الموت واحترام حياة الأقارب وحرمة الطب ذاته هي أمور تقضى الانحناء أمام ما هو قائم فعلا (ما أصاب من مصيية في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك  على الله يسير لكيلا  تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (57/22) (148) فإذا ترك الطبيب أجهزة الإنعاش الصناعي تعمل على جثة المريض ، بعد ذلك فإنه لا يفعل أكثر من إطالة الحياة العضوية بطريقة صناعية قد هجرتها إلى  غير رجعة، الحياة الأنسانية( 149 ) أو إطالة احتضاره، وهذا ضرب من العبث طالما أنه لا فائدة لأحد، يجب أن يتنزه عنه الطب ويتعين من ثم فصل أجهزة الإنعاش عن الجثة لاستخدامها عند الأحياء، فهذا هو ما يقضى به القانون، الإنساني الذي يعطي الأولوية. لصالح الأحياء (150). ومن المفترض أن المريض الذي فقد حياته الإنسانية، ما كان ليريد أن يكون طريقه إلى الموت مطربا  مليئاً بالعقبات (151). لذلك فمن حق الأسرة أن تطلب إلى  الطبيب إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي، كما أن من حق الطبيب أن يوقف عملها وهذا ما يمليه عليه واجبه الإنساني. ويجب ألا ننسى أن للطبيب، بصفة خاصة إذا كان يعمل كل من مرفق عام دوراً اجتماعيا يقوم به إلى  جوار دوره في إنقاذ المرضى.

(37) إذا كان لا صعوبة في القول بأن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي يعد قتلا، إذا تم قبل موت مخ المريض وأنه على العكس لا يعد قتلا إذا كان تركيب هذه الأجهزة قد تم بعد موت مخ المريض فحياته هنا كانت غير متحققة، فإن الصعوبة الحقيقية توجد في حالة ما إذا كانت هذه الأجهزة قد علقت على المريض قبل موت مخه، فحياته هنا كانت متحققة، وأوقفت عن العمل بعد ثبوت موت مخه. فالمريض في هذه الحالة وان كان قد فقد الحياة في رأي الطب إلا أنه ما زال يتمتع بها في نظر الفقه والقانون طالما لم تتخذ الإجراءات الرسمية لإعلان وفاته (152) 0 

إن واجب الطبيب في مفهوم الفقه والقانون، يكمن في المحافظة على الحياة أو ما تبقى منهـا وليس في إطفاء شعلة
الحياة التي تظل جذوتها قائمة، في نظريهما، لحين إعلان الوفاة رسمياً فإذا كان الطبيب قد تدخل قبل موت المريض، لإنقاذه كالتزام وقع في ذمته بحكم الشرع أو القانون أو العقد، فلا يجوز له أن يتحلل من التزامه هذا بإرادته المنفردة لمجرد اقتناعه بحدوث الموت الذي لا رجعة فيه. فتشبث الفقه والقانون  بحماية الحياة الإنسانية أدى
بهما إلى  عدم التسليم بالموت إلا باتخاذ إجراءات رسمية تلي ثبوت الموت الحقيقي عند الطبيب، وإذا كان لموقف
الفقه والقانون هذا آثاره الحميدة في حماية الحياة الإنسانية، حتى في الأحوال التي يشك في وجودها، فأنه يرتب
أثاراً  إنسانية وهي الآلام النفسية لدى الأقارب، وأخرى اقتصادية وهي تعطيل الأجهزة القليلة العدد فيما لا طائل
منه، يجب وضع حد لها تنتهي عنده بنهاية الحياة الإنسانية لذلك فإن التوفيق بين حماية حق الإنسان في الحياة وبين حقوق الآخرين ومنهم أسرة المريض والمجتمع، يقتضي وضع نظام تراعى في أركانه تغليب مصلحة  الأحياء.

2- الضمانات الواجب توافرها في قرار إيقاف الحياة الصناعية:
(38) لا شك في أن هناك مصالح متعددة يمكن أن تتأثر بإيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي القليلة العدد، فهناك مصلحة المريض المعلقة عليه هذه الأجهزة في المحافظة على حياته أو على مابقي منها ومصلحة غيره من المرضى الأحياء الذين تقتضي المحافظة على حياتهم تركيب هذه الأجهزة على أجسامهم. ولقد سبق أن رأينا كيفية حل التنازع بين هذه المصالح إذا كان المريض لم يفقد اتصاله بالعالم الخارجي. أما إذا فقد المريض وعيه إلى  غير رجعه بموت خلايا مخه فهنا تجتمع في عمل واحد وهو إيقاف الإنعاش الصناعي، مصالح، ومفاسد، مصالح غيره من، المرضى الأحياء ومفسدة حرمان المريض من حياة عضوية صناعية مجردة من كل معني إنساني، وبالتالي حرمان أهله من الأمل في عودته لحالته الطبيعية، ونحن نعلم أنه إذا تعذر تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا فإنه يجب، طبقا للقواعد الكلية، تقديم المصلحة إن كانت أعظم من المفسدة، ولا شك أن مصلحة إنقاذ الأحياء أعظم من مفسدة حرمان مريض من مجرد حياته العضوية الصناعية، كما أن مصلحة الأحياء في المحافظة على حياتهم الطبيعية أو لى من مصلحة مريض في المحافظة على حياته الصناعية.
(139) ونظرا لخطورة مركز القائم على ترجيح كفتي ميزان المقارنة بين المصالح فإننا نقترح هنا نظاما لا فيلف الشرع والقانون ويبعد كل شبهة عن قرار إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن مريض ثبت طببا موته موتا طبيعيا وحقيقيا بموت. خلايا مخه.

ويتلخص هذا النظام في أن الطبيب لا يجوز له أن يقنع برأيه الفردي بعدم إمكان عودة المريض للحياة الطبيعية، بل يعهد "مثل هذا الأمر على فريق طبي متخصص. فإذا ثبت لدى هذا الفريق أنه لا أمل في عودة الحياة الطبيعية للمريض، فإنه يستأذن جهة رسمية في إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي وهذه الجهة الرسمية  لن توافق على تنفيذ قرار إيقاف  هذه الأجهزة إلا بعد اتخاذ إجراء لإعلان الوفاة كتحرير محضر أو شهادة الوفاة وموافقة الأسرة على هذا الإيقاف فإذا أوقف الطبيب أجهزة الإنعاش تنفيذا للقرار المصدق عليه المستوفى لشروطه فإن هذا الإجراء يكون سليما من الناحية الشرعية والقانونية ولا يؤاخذ عليه الطبيب.

كان هذا مجرد اقتراح، قد يكون صائبا وقد لا يكون، استهدفت به التوفيق بين المصالح المتزاحمة في هذا المجال، ورعاية منا لمصالح الأحياء دون إهدار للمصالح التي تتعلق بالمريض المركبة عليه أجهزة الإنعاش .

(40) ونود في النهاية أن نقول إن صراع الإنسان ضد الموت يجب ألا ينسيه الحقيقة الازكية وهي أن هذه الحياة الدنيا إنما هي دار عبور، وهي لا بد إلى  فناء ولا يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام: (بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى) (87/16) ولو أدرك الإنسان عن عمق واستنارة هذه الحقيقية لاقتنع بأن للعلم وبالتالي الطب، حدوداً يجب ألا يتعداها، ولتبين أن الأولى، عند اليأس من الحياة أن يكون نافعاً للناس حتى في مماته، وأن هذه وسيلة لخلوده في الآخرة- وليعلم من سلك سبيل الطب أن لله سننه في خلقه " وفي موتهم: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) (35/ 11) (154).

ا لخاتمة "

(41 ) لقد كان للاكتشافات العلمية في مجال الطب والجراحة وقع القنابل في عالم تسوده المبإديء  التقليدية التي ترى أن. حرمة النفس والجسم والجثة هي أحد الأركان الأساسية للنظام الشرعي والقانون السائد. هذه الأكتشافات ، التي لو تركت بدون ضابط فإنها ستؤدي إلى  تغيير الأعراف والأفكار  بل الأخلاق، يجب أن يتسلح الفقهاء لمواجهتها بحكمها الشرعي حتى لا تتعدى حدودها فتصطدم بسنة الله (ولن تجد لسنة الله تبديلا) (48 /23) ،"(ه ه ا) إن الفقه مطالب بالبحث عن أحكام مستحدثات الطب في الشريعة حتى لا نكون تابعين حتى في هذه الأحكام.

وإذا كان يطلب من الفقه والقانون أن يراعيا الامكانيات الحديثة للطب والبيولوجيا في وضع احكامها، فإن ذلك
مقيد بعدم التعارض مع كليات الشريعة وبقدر ماتحفظه هذه الامكانيات من مصالح جديرة بالرعاية، والا فإن للاكتشافات. الحديثة للعلوم البيولوجية والطبية استعمالات لا فائدة منها بل إنها قد تكون مضرة. أن قواعد الشريعة على سعتها وترحيبها بكل تقدم علمي لمصلحة البشرية لا يمكن أن ترضخ للامكانيات الحديثة للعلوم، لان الشرع يحيط بعلمه وبأحكامه ، كل شيء، في حين أن العلم لا يمكن ان يتسع لاراك عواقب اكتشافاته (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض) (2/ 255) (156).

 وإزاء طرقات العلم، المفيده منها والضارة، على أبواب الفقه والقانون فإن الفقيه يجد نفسه أمام طريقين متقابلين الأول طريق اليقين طريق الله الخالق العالم بمن خلقه، والثاني طريق العلم والتجارب وهو طريق لا يتسم بالثبات أو باليقين. وليس معنى اختيار الفقيه للطريق الأول أنه يرفض سلوك الطريق الثاني، ولكن معناه أنه لا يأخذ من العلم مايحفظ مصالح راجحة في الشرع، فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله إنما يجب على الفقيه، وهو بصدد  بيان الحدود الشرعية لمكتسبات العلوم ألا يقيد نفسه باجتهادات فقهية تقليدية صدرت في عصر لم يكن يعي بعد الكنوز التي اكشفها العقل البشري في العصر الحديث.

فلكل حدث جديد فقه جديد يستند إلى  أصول الشريعة ذاتها الواردة في القرآن والسنة، فالأحكام الفقهية، التي هي مجرد اجتهادات وتفسيرات لما أجمل في القرآن والسنة تتغير بتغير الزمان ولا يبقى ثابتا الا أصول الشريعة الواردة في القرآن والسنة. لذلك فإن المعيار الذي استندنا إليه في البحث عن الحكم الشرعي للانجازات الطبية الحديثة هو مدى "اتفاق هذه الإنجازات مع كليات وأصول الشريعة، بينما يقتصر دور، الفروع والاجتهادات الفقهية على تحديد الاطار الشرعي الذي يجب ان تبحث فيه المسألة.

(42) ومن المهم أن أبرز هنا أحد الدروس المستفادة من هذا البحث إلا وهو انه لما كان الحكم الفقهي يجب أن يبنى على معلومات علمية صحيحة، فمن الضروري أن تتضافر جهود علمائنا المتخصصين في العلوم الكونية والشرعية
للكشف عن حكم الشرع في دقائق العلم الحديث. 
وأحب أن أشير أخيرا، إلى أن أهمية البحث عن الحكم الشرعي للإنجازات الحديثة للطب لا تقتصر على نطاق العلوم الشرعية، ولكنها تتعدى ذلك إلى مجال علوم القانون الوضعي، ففي كل مرة يثبت فيها حكم الإباحة لعمل من الأعمال الطبية أو الجراحية ، إذا استوفى عدة شروط، فان الطبيب الذي يمارسه إنما يستعمل حقا له، ولا يجوز بعد ذلك مساءلته عنه.

وتظهر أهمية هذه النتيجة في القوانين الوضعية التي تجعل من الشريعة الإسلامية   المصدر الرئيسي للتشريع الوضعي،فما تعتبر حقا في الشريعة يجب أن يعتبره التشريع أيضا حقا