الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
دور الطبيب المسلم في تركيز تعاليم الإسلام من خلال عمله بتونس

للأستاذ الدكتور سليم عمار
تونس

إن الأقطار الإسلامية السائرة في معظمها في طريق تتعرض اليوم إلى مشكلات عصبية في الميادين العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالتالي في الميدان الصحي وهي بلا شك أكثر خطورة وأشد حدة مما يتعرض لها الغرب.
وفي كل المجالات وخاصة المجالين الثقافي والديني فإن مقوماتها الحضارية الأصيلة لا تزال تجابه مقومات الغرب من خلال مسيرة طويلة فيها ما فيها من الاقتباسات والتسويات التناقضات والملابسات، وفي حقل الصحة العامة فإن معدل وفيات الأطفال فيها أعظم مما هو عليه في البلدان النامية ومعدل طول الحياة أقصر ونسبة الأطباء أضعف ومشكلات الوقاية والتغذية والوعي الصحي أوسع نطاقا وأشد وطأة بالإضافة إلى خصوصية مسبباتها وعقباتها.
أما الطبيب المسلم الذي يمتهن الطبابة  في البلدان الإسلامية أو خارجها فهو يتلقى تعليمه إما في بلده بالذات مضيفا له فترة تربص أو تخصص بالخارج أما بالكليات الأجنبية من البداية إلى النهاية بيد أن هذا التعليم يمتاز بقلة عنايته بالأخلاقيات وخاصة الإسلامية منها كما هو الشأن في بعض الأقطار الإسلامية اليوم وخاصة بتونس.
وهذا التعليم على اختلاف الأصقاع والمدارس، يرتكز أساسا على تقنيات تزداد كل يوم تعقدا وغلاوة في حين أنه لا يبدي اهتماما بالغا بآداب الطب ولا بمبادىء التضامن بين البشر وبين الأطباء أنفسهم، ولا بقواعد الروابط الإنسانية التي ينبغي أن تسود بين الطبيب والمريض مع أنه يصبح أحيانا لا يفيد تقنيا إلا أقلية من المحظوظين ذلك أن هذه المعلومات الفنية الصرفة التي غالبا ما تعرض لطلبة الطب المسلمين في إطارها الغربي المحض لا بد أن تتأثر بالمناخ الثقافي التي تنبثق منه وهو لا يصفو من الغيوم والملابسات نتيجة الأزمات المذهبية والانحرافات الأخلاقية التي تعكر آفاقه فيصبح الطبيب يتخبط بين الرغبة والرهبة وفي مسابقة مديدة لتحقيق المتعة ومصارعة شديدة خالية من الرحمة قصد النجاح بكل الوسائل على حساب الأخلاق والفضائل فيزداد الصراع تارة بقلة الأطباء وتارة بتكاثرهم وتناطحهم .
وكما هو الأمر اليوم خاصة بتونس فإن الطبيب المسلم يتعرض في بلاده إلى مشكلات عديدة ومن أهمها ما ينجم عن :
أ- جهل وتشويه الأهالي لمباديء الوقاية وقواعد حفظ الصحة العامة .
ب- قصور عند كثير من الناس في درجة التمسك بأصول الدين وبقيمه الصحيحة أو عن تجاهلها أو تحريفها أو انتهاكها .
ج -  تفكك روابط التضامن بين أفراد العائلة والمجتمع الناتج عن ظاهرة النزوج والتصنيع وعن تخلخل أركان العائلة التقليدية .
د- تأثر بعض الأوساط بالقيم الاجتماعية والثقافية المذبذبة المستوردة من الغرب والتي تسبب انخفاضا في الوازع الديني فتتغلب حينذاك الأنانية المفرطة على مبدأ الرحمة والوئام ويسيطر حب الذات على مبدأ التآزر بين البشر .
ومع هذا فيجدر التأكيد بأن القيم الدينية الأصيلة لا تزال مترسخة في أذهان الناس قوية الجذور على أنها تحتاج إلى مزيد من التذكير والتدعيم وأحيانا إلى شيء من التطهير والتقويم .
ولقد تجلى ذلك شيئا فشيئا في أعيننا بكل دقة ووضوح انطلاقا من مقتضيات الواقع الذي تمارسه في تونس خاصة وفي بلدان المغرب العربي عامة الذي ما قاسى من الاستعمال الفرنسي وبقي في عهد الاستقلال يتأثر لا محالة بقيم الغرب وبتغييراته الحضارية المعقدة .
ولقد أدت الحاجة منذ ما يزيد ثلاثين سنة إلى حتمية اتخاذ التدابير الآتية وذلك انطلاقا من تجربتنا الميدانية في مجال الطب النفسي الذي يتداخل ملا محالة مع الاختصاصات الطبية الأخرى ويتعامل حتميا معها ومنها : 
ا- ضرورة الاعتماد على العقائد الدينية الأصيلة:
من حيث أسسها الجوهرية ومعانيها الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان وقد يعرفها البعض الآخر فكثيرا ما تصبح تحتاج إلى التذكير والتحليل والتفسير في شتى الظروف والحالات التي يعالجها الطبيب اثناء عمله ، ولهذه التوعية أهمية بالغة على صعيد الوقاية والعلاج لما فيها من صلوحية لتركيز علاقات صادقة بين الطبيب والمريض وأقاربه من جهة ومن جهة أخرى ، بين الطبيب وأعراف المريض ورؤسائه ومرءوسيه وكل من يجاوره بصفة أعم .
2- تشجيع الطبيب لهذه القيم العالية والسعي بكل قواه إلى الاقتداء بها العمل على نشرها والتبشير بها وإعطاء بدوره مثل الاستقامة والتفاني لأنقاذ الأرواح والبشرية المقدسة التي وضعها الله بين يديه . 
كما علية أن يقتدي في هذا الصدد بسيرة أعلام الأطباء العرب والمسلمين وبماثور كلامهم وبذا يهتدي إلى طريق السداد ن فيهديه الله تعالى إلى الحكمة والرشاد ، حتى يصبح الداعي المسموع ، في كل الأصقاع والربوع ، معززا بسيرته أصول الدين الحنيف ، مطهرا بلسانه كل ما يشوه العقيدة من غموض وتحريف ، وناشرا حوله التوعية المعقولة  الصالحة على أسس مقبولة ناجعة . 
3 - أمهات المشاكل التي تتعرض ضد الطبيب أثناء عمله:
- في مجال الوقاية ومنها بالخصوص :
أ- جهل مباديء حفظ الصحة عند الكثير من الناس.
لذا على الطبيب آن يفسر مفعول الجراثيم وأخطار العدوى ويركز على الأضرار الناتجة عن الأوساخ واختلاط الناس بعضهم بعضا وعن كل أسباب التلوث معتمدا في ذلك على ما أكدته الشريعة والسنة في شتى ميادين حفظ الصحة وخاصة في ميدان التغذية والأطعمة والأشربة والحمية وطهارة العلاقات الجنسية ، إلخ . حيث نجد كثيرا من الأحاديث النبوية المشهورة في هذا الصدد لا يمكن التذكير بها بأكملها وهي تتعلق بنظافة الطعام والشراب والأواني واللبس والساحات والمساكن وغير ذلك وتحث على الاعتدال في كل الأمور وتنهي عن كل ما من شأنه أن يضر بالناس على أنه وبصفة أدق بالنسبة لبعض المواضيع يمكن الاستشهاد بالأحاديث الآتية : " اتقوا الملاعن الثلاث : التبرز في الظل وفي الموارد وفي طريق الناس " وكذلك " إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، كريم يحب الكرم . فنظفوا فنائكم وساحاتكم " ( أخرجه البزار) ، وفي تونس يمكن التذكير بكل جدارة بهذا القول الشائع : " النظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان " . 
أما في مجال  صحة العقل والجسد وبصفة آعم يجوز الاستدلال بهذا الحديث-  "إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا "  وكذلك  "إن لجسدك عليك حقا" (أخرجه البخاري ومسلم) وتبعا للحديث " لا ضرر ولا ضرار"  وكذلك  للحديث " اعزل الأذى عن طريق المسلم " فعلى الطبيب أن يحذر المريض وكل من يجاوره ثمن كل ما من شأنه أن يؤذيهم من أوساخ قذرة أو علل خفية أو مرض معد أو خطر لاحق أو حادث طاريء ناتج عن قلة الانتباه لما تقتضيه ، اليوم قواعد الصحة العامة في كل المجالات.
ب- تجاهل أو انتهاك مباديء الصحة النفسية.
ذلك أن الطبيب النفساني المجرب كثيرا ما يستنتج من ممارسته أن عديدا من الاضطرابات النفسية تملأ وتتضاعف بسبب شتى العيوب والرذائل ومنها النرجسية والأنانية وحب الذات ، التي تؤدي تارة إلى وضعية الكبرياء والإغراق في الشهوات ، وتارة بالإحباط والشعور بالحرمان ، فيترتب عن ذلك الشره والحقد والفساد ، ثم التأويل بالخسران والسحر والاضطهاد ، فيشتد البهتان ويكثر العدوان ، كما يزداد الشعور بالنقص والقصور ، واتهام الذات بالإثم والنفور . 
وينتج عن ذلك وضعية الهروب والكذب ، وكبت العيوب وكشف الكرب ، فيظهر التخيل والتخريف ، والتزوير والتحريف ، ويتضاعف الهبوط والخذول ، والاكتئاب والذهول ، ومنها أيضا الانفعال والغضب ، والخوف والشك والشغب ، وردود الفعل القاسية ، ودوافع العدوان الطافية فينجم عن كل ذلك سلوك منحرف يتميز بالشذوذ والتمرد ، وبالعنف والتشرد ، ثم بالاعتداء بالفعال الفاحشة وبالتالي بالقساوة والأخلاق الشرسة .
ومن ذلك يجدر بنا أن نقدر أهمية الفضائل حق قدرها ، المنافية لكل هذه الرذائل ، قصد الاتقاء منها أو محوها إذا وجدت وذلك في شتى الأمراض النفسية المعروفة عصابية كانت أو ذهانية وظيفية كانت أو بيولوجية . 
ومن هنا الفضائل البر والإحسان والاستبصار والعرفان والتفاؤل ، بالخير والرفق بالغير ، والصبر والاحتمال والقناعة والاعتدال ، ومنها حسن العهد والوفاء ، والعفاقة والسخاء ، ونكران الذات والتواضع ، والتحكم في النفس في كل المواضع ، والتحلي بالحزم والإقدام وبالعزم إلى الوئام .
ج - ضرورة الاعتماد في ذلك على تعاليم الإسلام:
هذا وكم من آيات. بينات وسط أحاديث شريفة يمكن الاستدلال أن بها فيما يخص النفس الشريرة وما يحوى في الصدر من رذائل مريرة، فعل هذه الأحكام نعتمد لنتقي شرها لا نبتعد، ومن ذلك سور. الناس (114) " الفلق (113) والهمزة (104) والعصر (103) وكذلك الآيات البينات " واصبر فإن الله لا يضيع أجبر المحسنين" (11/ 115) وكذلك " بل الإنسان على نفسه بصيرة " (75/ 14) ، وكذلك " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين " (10 /57) هذا وإن الله عز وجل غفور رحيم بعباده التائبين .
ولقد قال الرسول المصطفى " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وكذلك " رحم الله عبدا قال فغنم أو سكت فسلم " ، وفى هذا المضمار أيضا " من صمت نجا " (وفي نفس الصدد " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " . وكذلك " اجتنب الغضب " وأما فيما يخص القناعة والاقتناع ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام. " البذاذة من الإيمان يعني التقشف " ، وفي شأن الورع والشك والوسواس. ( دع ما لا يريبك إلى مالا  يريبك " ، بالإضافة إلى الزور وهو من أشنع الرذائل كثيرا ما يؤدي المصاب به إلى هذيان بالغ الخطورة على الذات والمجتمع في آن واحد وفي ذلك قول النبي المصطفى لصحابته. " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ هي الإشراك بالله وعقوق الوالدين " تم صمت مليا وردد مرتين " ألا وقول الزور" ، وقد قال أيضا في البر والإثم : ( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس "  وفي شأن التآمر البغض والحسد قال أيضا : " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " وغيرها من الأحاديث الشريفة التي تعالج مختلف المجالات المذكورة آنفا ، ولا ننسى منافع الصلاة  والصيام التي برهنت الأبحاث القديمة والحديثة على صلاحيتها لرياضة النفس والجسد . 
وتطبيقا لما جاء في القرآن وفي سيرة وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فإن الشريعة والسنة تحث بكل دقة ووضوح على اجتناب العقبات الوخيمة التي تمس بصحة النفس والناجمة عن إدمان الكحول والتفكير في الانتحار ومحاولة قتل النفس والاعتقادات المرضية في السحر والتسحير وانهيار القوى النفسية بعد الكوارث والمصائب وموت الأقارب وكل الشدائد الناتجة عن حالات الضيق والقلق والحصر والكآبة واليأس فيسلم المؤمن بقوة عقيدته وإيمانه . 
د - من استنتاجات تجربتنا الطويلة في الطب النفسي : 
وكم اعتمدنا من مرة في عملنا الطبي الذي نمارسه منذ سنوات على هذه التعاليم والأحكام القدسية وقد وفقنا الله تعالى لما فيه الخير والعافية لعديد من المرضى الذين امتثلوا لها ، ومنها " لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مؤمن بسحر " وكذلك " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ثم " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله بكم رحيما "  (4/29) بالإضافة إلى هذا القول الشائع في تونس " سبق الخير تلقي الخير " وكذلك الحديث الآتي " لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة " ، وذلك زيادة عن كل التعاليم التي تحث على قبول الواقع بصدر رحب والمصير الذي كتبه الله لنا بدون ملل أو شغب ، والتي تحمي المرء من الإغراق في اليأس كي يسلك الطريق المستقيم ، فيمتنع من الانفعال حتى يهتدي إلى الاعتدال ، يقول تعالى : " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " 9/51) وهكذا يتدرج المؤمن بالصبر والسلوان عند المصائب والشدائد . وبعد الكوارث والمكائد ، فعندما يفاجئه مصاب جلل في موت عزيز عليه يتذكر أن الحداد لا يجوز أن يجاوز ثلاثة أيام فينجو أحيانا من أمر العقبات ومن أشد المضاعفات بعكس الذي يحاصره الحداد فيفقده الرشاد ، ويشغل باله ويفسد أفكاره ، الأمر الذي يكاد يعتبره كل علماء التحليل النفسي المعاصر طبيعيا لا مناص منه . 
وهكذا تتجلى أهمية هذه التعاليم السامية التي امتاز بها الدين الإسلامي ودعيت لهـا البشريى على الإطلاق ويتبلور مردودها الطيب على التوازن الجسدي لكل عباد الله .
وقد أدهت بنا تجربتنا الطويلة بتونس في مجال العلاج النفسي وهي تزيد عن ثلاث وثلاثين سنة إلى تلخيصه استنتاجاتنا في مجموعة من خمس وعشرين نصيحة في الصحة النفسية منبثقة من التعاليم الإسلامية العالية داعية لها ولوصول المعرفة ، معتمدة عليها وعلى أحكام التجربة وقد أصبحنا نسلمها لكل مريض ولكل من يرافقه مغتنمين كل الفرص لتوزيعها ونشرها وهي ترمي إلى الاهتداء بالصبر والغفران، وبالرفق والسلوك وبالتحكم في النفس وقبول الأمر الواقع تطبيقا للقضاء والقدر مع العمل لتحسين الوضع في تلاؤم وانسجام بناء مع الغير كما تنهى عن الجدل الأجوف والغضب الأحمق وبالضبط عن مشاهدة أفلام التلفزيون التي تمجد العنف وتنافي الأخلاق وتحث عوض ذلك على الاستماع إلى القرآن الجليل في من الخشوع التبجيل وإلى الذكر والمدائن وإلى الموعظة والنصائح، وعلى اختيار أنغام الموسيقى الهادئة الخالية من الألفاظ المهيجة التي  تثير العواطف والإحساس كما تدعو هذه النصائح إلى الإقدام والشجاعة لكل من يخذل ويسقط، وعلى الرصانة والقناعة ، لكل من يبالغ ويفرط ، وهي تحرض جميع الناس على التضامن والتلاؤم وعلى التآزر والتفاهم بعضهم لبعض.
وقد أضفنا لها في قاعة انتظار المرضى وفي بهو الأقسام بالمستشفى تجويد الآيات البينات المركزة على مقامات مريحة وقع اختيارها على أسس فنية وقواعد علمية ثابتة ينشرح بها الصدر وتطمئن بها النفس أكثر من غيرها من المقامات. 
وقد أحدث ذلك بأتم معنى الكلمة جوا خارقا للعادة كله هدوء وتوقير وسكون وتقدير وانشراح وإجلال وانفتاح وامتثال وقد أتت هذه التجربة منذ سنتين تقريبا وفي كثير من الحالات بنتائج فائقة وفوائد رائعة، فأصبحت العائلات تصور هذه المناشير، وتخرج  وتوزع النصوص منها قصد الإرشاد والتبشير ، وقد نشرتها الجرائد اليومية الشائعة 
مثل جريدة الصباح بتونس والرأي العام  بالكويت فكان مردودها طيبا لدى المواطنين كما عايناه بأنفسنا في تونس لا سيما لدى المرضى وأقاربهم وقد تأثر بها البعض منهم بصفة عجيبة وبلغوا بفضلها تمام الصحة والعافية.
هذا فيما يخص الطب النفسي أما في مختلف مجالات الطب فهو معروف إلى حالات وظروف أخرى ومن أهمها:
- أثناء العلاج بذاته قلة عناية الأقارب بمرضاهم
وكثيرا ما يزيد ذلك في تعكر حالة المريض وحتى في تفاقم الأمراض العضوية نفسها حيث لا يساعد أبدا على التخفيف من آلام المرضى ويعرقل علاجهم وبرأهم وكثيرا ما تأسفنا لترك الأولاد أولياءهم والرجال نساءهم، والإخوان أخواتهم وعموما لإهمال بعض العائلات قريبا لهـا يتيما كان أو غريبا إلخ من المآسي المؤلمة اللا إنسانية المنافية للأخلاق والتي يحرمها الدين ويعاقبها القانون، هذا وبمقتضى ذلك :
- في صلب العائلة.
فكثيرا ما نردد عند الحاجة هذا القول الشائع بالمغرب العربي ألا وهو" الله ورضا الوالدين " وكذلك الآية الكريمة:( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) (23/17) بالإضافة إلى (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا) (46/ 15)، وبالأخرى وفيما يخص الأم نردد هذا الحديث " ألزمها فالجنة تحت قدميها"  وفي نفس المضمار " أعظم الناس حقا على الرجل أمه ".
وإذا كان الأب هو المريض فنحن نذكر الناس بالحديث الآتي " الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد " ، وفي الأطفال الصغار أو الشيوخ الكبار " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا " ، وأخيرا وفي شأن واجبات الرجل نحو امرأته " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم " .
- أما خارج العائلة.
أ- واجب التضامن الحق.
من أسمى الواجبات وأصعبها تطبيقا في الواقع فلا ملل إذا في ترديده والتركيز عليه تبعا للآية الكريمة: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (51/ 55) ويقول الله عزل وجل( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) (49/ 10) وكذلك " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (5/ 2) بالإضافة إلى هذا الحديث " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ، وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالجار ،  فالجار قبل الدار كما نحب أن نقول في تونس زيادة عن هذا القول الذي يتجلى من صميم القيم وأفضل الحكم التي أنزلت إلى البشر " أحب لغيرك ما تحب لنفسك "  وكذلك " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا " وأخيرا فلنذكر بواجب من واجبات المسلم الخمسة المتمثل في ضرورة عيادة المرضى (حديث أخرجه البخاري ومسلم).
ب- ضرورة فعل الخير ومواساة المرضى وتفريج كربهم.
وهي من أقدس الواجبات الملقاة على المؤمن فالرسول r يقول " من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة "وكذلك " أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن " كما على الأطباء أن يقتدوا أثناء عملهم بهذه الحكمة النيرة التي لها من أبعاد في كل أطوار التشخيص والعلاج والمتمثلة في هذا الحديث. " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " وبناء على أن الدين الإسلامي أنزل للعالمين وللبشرية جمعاء " فليست الرحمة أن يرحم الرجل قومه إنما يرحم الناس جميعا " وكذلك وفي نفس المضمار " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده "  ومن كلام الله عز وجل، (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) (قرآن 2/ 195) وفي نفس الاتجاه ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (16/ 90).
ج- الفضائل الأخرى:
وكم من فضيلة أخرى يمكن الاستدلال أن بها كمثل السمت الصالح وهو بالإضافة إلى " الهدى الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة"  هذا ومن الأخلاقيات الفاضلة الأخرى التي أوصى بها القرآن والرسول الكلمة الطيبة وهي صدقة، والحياة تبعا للحديث "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء " ، والرحمة " ارحموا من من في الأرض يرحمكم من في السماء "  والرفق " لا يحل لمسلم أن يروع مسلما " ، والتواضع تبعا لقوله تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) ، والأخلاق الحميدة تطبيقا لعديد من التعاليم ومنها هذا الحديث " خياركم أحاسنكم أخلاقا "  وكذلك " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "  وكذلك " وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل " وأخيرا "خير الناس أنفعهم للناس ".
وعن الفضائل الأخرى التي أوصى بها القرآن والرسول، الصبر والاحتمال والبال الواسع وغض البصر وكتم الأسرار ونكران الذات والتعفف وحسن النية والصدر الرحب والبشاشة والصحبة الطيبة (41)، إلخ... من الأخلاق العالية التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في سيرته وسلوكه كما يجب أن يزدان بها الطبيب في امتهانه الطبابة وأدائه رسالته المقدسة على أحسن وجه.
د- ضرورة مساعدة المريض طيلة العلاج.
هذا وفي إطار العلاج بالذات فلا يسعنا إلا أن نذكر بأن الكتاب العزيز هو للذين آمنوا هدى وشفاء (41/ 44). أما القول الشائع في تونس هو" أن الله خلق الداء والدواء " وكذلك " على الطبيب الدواء وعلى ربي الشفاء " كما أراح الله تعالى المريض من كل الضغوط بقوله ( ولا على المريض حرج ) (24/ 61) والله عز وجل جلاله يبشر باليسر والعافية كما يذكر به الرسول r يقول : " يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء "  وكذلك " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله فإن ذلك لا يرد شيئا ولطيب نفسه " (43) بالإضافة إلى تلكم الآية الكريمة الرائعة التي تنشرح بها صدور العباد وتستريح بها الأنفس والأجساد ألا وهي ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) (31/28).
هذا ولا شك آن لكل هذه الأحكام السامية أهمية بالغة فضلا عما هو بالنسبة للمريض بصدد تطبيقه السليم لما يأمره به والطبيب وعما هو بالنسبة لأقارب المرضى لتزداد العناية بهم فهي مهمة لتقوية إيمان الطبيب نفسه وحثه على بث الدعوة والإرشاد " التبشير بكل دراية وسداد.
هـ- سيرة الطبيب المثلى :
هذا ولا يمكن للطبيب أن يذكر عن جدارة بهذه التعاليم ويوفقه الله على نشرها وإقناع الناس بها وحث المريض على ما يفيده منها  إلا أذى اقتدى به هو الأول بكل إخلاص وصدق وتشبع بها بكل إدراك وعمق. فهذه التعاليم تهمة بالذات، حيث يجب أن يتحلى بالقيم الأخلاقية التي ترتكز عليها آداب الطب ويسطرها قسم الطبيب منذ القدم، كما ينبغي أن يعمل لتوفيقها مع أصول الدين الحنيف وقواعد الإيمان الصحيح. ولقد يجد أجمل المثل في سيرة ومأثور وكلام أعلام الأطباء العرب والمسلمين الذين أناروا له أحسن السبل وتركوا للبشرية جمعاء تراثا عظيما بفضل مؤلفاتهم الرائعة وابتكاراتهم  الرائدة.
مأثور أعلام الطب العربي الإسلامي
هذا ويمكن للطبيب المسلم المعاصر أن يستدل في هذا المضمار بفيلسوف العرب يعقوب الكندي القرن 3 هـ) حيث قال : " وكما يجب أن يقال إنه كان سبب عافية المريض وبرئه كذلك أن يحذر أن يقال إنه كان سبب علته وموته " ، ولقد نسج على منواله أبو أبو بكر الرازي العظيم (القرن 4 هـ) في رسالته " في أخلاق الطبيب "، فوصف الحكيم بأنه " من عرف شروط البرهان وقوانينه واستدرك وبلغ العلم الرياضي والطبيعي والعلم الآلهي مقدار ما وسع الإنسان بلوغه فعليه أن يتكل في علاجه على الله ويتوقع البرء منه ولا يحسب قوته وعمله ويعتمدها كل أموره عليه ". كما يذكر أبو القاسم الزهراوي الأندلسي (313/251 هـ) كل من يتعاطى الجراحة بأن الله عز وجل يراقبه في أعماله ويحرم عليه أن يستعمل يده طلبا للرزق . أما الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، فهو يوصي بعض أصدقائه " ليكن الله تعالى أول فكر له وآخره وباطن كل اعتبار وظاهره ، فإذا انحط إلى قراره فليرى الله تعالى في آثاره.. وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة وأمثل السكنات الصيام وأرفع البر الصدقة وأزكى السر الاحتمال.. ولن تخلص النفس ما التفتت إلى قيل وقال ، ومناقشة وجدال وانفعلت بحال من الأحوال.. والحكمة أم الفضائل ومعرفة الله أول الأوائل " .
أما على بن رضوان، رئيس أطباء مصر زمان الفاطميين، فهو يعتبر من أبر أطباء العرب وأتقاهم ، كون نفسه بنفسه وخلف لنا أبدع ما يكون من النصح لتركيز تعليم الطبابة على أسس ثابتة تابعة لماذا آداب الطب من شرف وقداسة قصد التطرق إلى التقوى والعبادة لما فيه الخير والسعادة .
وفي القرن الخامس المجري ، يقود رشيد الدين على بن خليفو " إذا تطببت فاتق الله واجتهد أن تحمل بحسب ما تعلمه علما يقينا فإن لم تجد فاجتهد أن تقرب منه ". بينما ينسب إلى أبي الوليد بن رشد (القرن 6 هـ) هذا القول وقد شك البعض في قوة إيمانه قال: " من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله ". أما الحكيم الأديب عبد اللطيف البغدادي (القرن 6 هـ. أيضا)، فهو ينصح الطبيب قائلا. " ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول فاقرا سيرة النبي r وتتبع أفعاله وأحواله واقتف آثاره واعلم أن الناس عيون الله على العبد يريهم خيره وإن أخفاه ، وشره إن وستره. فباطنه مكشوف لله والله يكشفه لعباده ".
أسا القلقشندي (القرن 7 هـ) الذي جدد بدوره في بلاد الشام أركان تعليم الطب وأثبتها بمزيد من الدقة والحكمة. فقد. كان يشترط في الطبيب "أن يتحلى بالإيمان وشرعة التقوى.. وفي رئيس الأطباء العلم والمعرفة والدراية بالإضافة إلى الدين والأمانة " وعلى الطبيب أن يعتدل ويتحذر " وليعلم أن الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها والطبيعة مكافئة وبؤس لمن ظلمها وقد سلم الأرواح وهي وديعة الله من هذه الأجسام فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام"  كما تحدث تاج الدين السبكي عمل واجبات الطبيب بشكل عام المتمثلة في استكمال الأهلية المطلوبة وفي بذل النصح والرفق بالمريض قائلا : " وليعلم أن طبه لا يرد قضاء ولا قدرا وأنه إنما يفعل امتثالا في الشرع وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء ".
وبمصر أيضا وفي القرن الثامن الهجري يحدثنا العالم المالكي أبو عبد الله العبدري فينصح: " أن يكون الطبيب خالص النية في عمله لله تعالى حتى يكون عمله من أعظم العبادات "  أما إسماعيل الجرجاني فهو أعظم أطباء فارس (القرن 6 هـ) وهو الذي ألف ألف ذخيرة خوارزم شاه وهي أعظم موسوعة طبية كتبت بالفارسية، فكان تقيا إلى ربه، كريما بذاته مبتعدا عن شهوات دار الدنيا وكان يقول بالعربية لصديق له: " إن الجسد هو أخبث مسكن للنفس صعب المقادة. عسر الإجابة لقوتك العاقلة التي تؤديك جنة المأوى وترقيك الدرجة العلياء " ومن أواخر أطباء العرب العظام داود الأنطاكي (القرن 10 هـ) فكان ينصح بالقناعة والعفة والحذر وترك الملذات مؤكدا أنه يجب على الطبيب " أن يكون متينا في دينه متمسكا بشريعته، دائرا معها حيث دارت واقفا عند حدوث الله تعالى ورسوله نسبته إلى الناس بالسواء ، خلي القلب من الهوى، لا يقبل الارتشاء ولا يفعل حيث يشاء، ليؤمن معه الخطأ وتستر يح إليه النفوس من العناء".
وفي الختام ، فهذا ما يمكن استخلاصه من تلكم النصائح والقيم ومن كل هذه الشرائط والحكم، اعتمادا على بعض الأوامر الإلهية والتعاليم المحمدية، التي رأينا في هذا البحث أن نذكر بها دون سواها بينما يمكن الاستدلال بعديد من الآيات القدسية والأحاديث النبوية الأخرى وكلها تشمل تطبيقا للشريعة والسنة أسمى القيم الطبية، وأثمن المثل الإنسانية، وهي تنير طريق الطبيب إلى الخير والهناء، وسير المريض إلى العافية والشفاء، ولو لخصناها لانحصرت في الحديث الآتي " لو لم يكن لابن آدم إلا إسلامه والصحة لكفاه "  مع أن أسباب الصحة والعافية تتوفر بفضل تعاليم الإسلام ، والإسلام أكبر ضمان لمزيد الشفاء والسلام.
الخاتمة:
يستنتج من هذا البحث أن الطبيب المسلم الذي يمتهن الطب في بلاده أو خارجها لابد أن يعتمد في عمله كما هو الأمر خاصة اليوم بتونس على مقومات الأمة الأساسية من حيث العقيدة والدين وذلك بالإضافة ، إلى ما تلقاه من فنيات طبية وتقنيات علمية رائدة فيجب أن يكون على وعي بالإسلام وبتعاليمه، وعلى التزام به وبفضائله، زيادة عن التحكم في أحدث ما وصل إليه العلم في اختصاصه ، ولا يؤمل أن يفهمه الناس على جدار ، ويعترفون له بالمهارة إلا إذا تحلى بالأخلاقيات السامية وبالأدبيات العالية، وخاطبهم بما يدركون، حسب المفاهيم التي إليها يستندون، وعليه أن يقتدى في سيرته بأمهات الفضائل ويجتنب كل الرذائل فيهتدي إلى القيم المثلى ، حتى يهب للناس الموعظة العظمى ، وينال بدوره السعادة القصوى.