الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
واجبات الطبيب المسلم وحقوقه
 
للدكتور محمد الأحمدي أبو النور
الكويت

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
فكم أشكر لسعادة السيد الدكتور عبد الرحمن العوضي رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت وسعادة السيد شاه محمد باشا خورو وزير الصحة الباكستاني دعوتهما الكريمة لي إلى هذا المؤتمر.
وبكل الاعتزاز والامتنان كانت تلبيتي لهذه الدعوة الحميمة التي تهادت تعبرالترابط الوثيق بين-حملة الإسلام ودعاته، بين هيآته ومؤسساته، بين أبنائه وعلمائه.
ثم كنا معا في هذا المؤتمر الرابع الذي يمثل مع سوابقه من المؤتمرات نبض الإسلام العالي، لصون تراثه التالد ، كما يجسد تصميمكم عام مواجهة التحدي المعاصر بإثبات قدرة الإسلام على الإسهام في خير البشرية بتراثه الحضاري الماجد، وميراثه الإنساني العريق .
ثم كان هذا الموضوع :
واجبات الطبيب المسلم وحقوقه:
وجاء مكملا لما أثير من موضوعات علمية وتجريبية واجتماعية ثم جاء محاولا أن ينوه بالقاعدة الإيمانية وبالسياج الأخلاقي وبالتقويم الديني لعمل الطبيب وسلوكه حتى يتبين الخط الفاصل بين ما عليه من واجب، وماله من حق، وليتضح أثر البعد الديني في حياة الطبيب بصفة خاصة، وفي حياة من يتعامل معهم الطبيب بصفة عامة.
واجبات الطبيب المسلم:
واجهه هذا الموضوع كما نرى بشعبتي البحث، فثمة واجبات على الطبيب المسلم من جهة كونه مسلما، وأخرى من حيث كونه طبيبا .
ولنبدأ بالشعبة الأولى .
واجبات الطبيب المسلم من حيث كونه مسلما:
تتلخص هذه الواجبات أو أهمها فيما يلي :
ا- تعميق الوعي بأن الله تعالى هو المؤثر الحقيقي في هذا الوجود: فهو وحده- الخلاق العليم، وهو- وحده- الرزاق ذو القوة المتين، وهو الولي الحميد، وهو الناصر والمعين. ثم هو- وحده- واهب النجاح للطالب والرواج للتاجر، والنتاج للصانع، والحصاد للزارع، والشاء للمريض.
2- التوسل إلى هذا الوعي الإيماني بقراءة كتاب الله المسطور ، القرآن الكريم، وكتابه المنظور: الكون، واستجلاء ما فيهما من آيات تزيد صلة المرء بربه، وتنمي معرفته بنعمه، وتسمو بوجدانه عن جوانب الماديات من حوله، وتخلق منه نمطا إنسانيا فريدا ، قلبه مع الله يقود خطاه في هذه الحياة، ليستشعر أنه يقرض الله حين يعطي السائل، ولقدم لنفسه حين ينفس عن مكروب ، ويعود الله حلت يعي مريضا، ويشكره سبحانه حين يحسن كما أحسن الله إليه،
وحين ينفق كما أنفق الله عليه.
3- تعميق الوعي بقيمة النفس البشرية، ومراعاة ما لها من حرمة تستوجب الحرص على تنميتها وصونها، وإزالة المعوقات من طريقها.
4- تعميق الوعي بضرورة التزام منهج الإحسان أعني التقوى والمراقبة كقاعدة وسياج للفكر والعزم والقول والسلوك .
 من النصوص التي تعمق هذا الاعتقاد:
قال تعالى: ( قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت
أن أكون أول من أسلم ولا تكونن  من المشركين ) . الأ نعام/ 12.
ولعل سائلا يبادر: وما علاقة هذا بما نحن فيه ؟
إننا نبحث عن الآن عن واجبات الطبيب المسلم التي تقوم بها شخصيته، ويتحدد بها سلوكه، ومن هذه المقومات : الفكر والمعتقد، وليس لذلك من نهج أقوم من كتاب الله وسنة رسوله فمن أراد أن يكون إيمانا، وينمي يقينا، ويزكي نفسا، ويقوم شخصية ، فهذا هو السبيل.
هذا النموذج القرآني :
أريد أن ألفت النظر- سريعا- إلى نموذج من القرآن الكريم يعطينا صورة شائقة لسنة القرآن في التأثير القلبي والعقلي معا حين ، نريد أن نكون معتقدا، أو نقوم سلوكا في الفرد المسلم بصفة عامة وفي الطبيب المسلم بصفة خاصة . 
تلك آيات الكتاب العزيز ، أن سورة الأنعام وهي إحدى السور المكية التي نزلت دفعة واحدة على نبينا r في إحدى الليالي التي كان عليه السلام يعاني فيها ما يعاني من صلف المشركين وعنادهم، وعتوهم واستكبارهم سيما في الحوار والمجادلة. تستهدف تعميق عقيدة التوحيد حيث كان المجتمع يحاول بالشرك، ويطاول بالوثنية، في الوقت الذي يطأطيء فيه للمادة، ويخلد فيه إلى أرض الهوى والشهوة .
وتتنزل سورة الأنعام.
تتنزل هذه السورة الكريمة مستهدفة أمرين:
الأول: إيتاء النبي r الحكمة وفصل الخطاب بالأدلة الدامغة، والآيات المفحمة بم تثبيتا لفؤاده، وإعلاء لحقه، ودحضا لباطل عدوه.
والأمر الثاني: تربية العقيدة الإيمانية كأساس للصلة بالخالق من جهة، والتعامل مع الخلق من جهة أخرى. ولنجتزيء - معا- بهذه الآيات:
( قل لمن ما في السماوات والأرض ) ؟
قل يا محمد ويا كل من يتأتى منه الخطاب : لمن ما في السماوات والأرض ولا تنتظر من أحد جوابا.. فلا جواب إلا هذا.. قل لله.. وستتساءل: سلمنا أن كل من ما في السماوات والأرض لله  فهل يتفق مع قضية الألوهية أن يعطي الكافر عطاء ممن كفر به، أو أن يعطي الفاسق رزقا بمن فسق عن أمره؟
لقد كان المتبادر كذب كل ملك وكل رئيس أن العطاء لمن أطاع واستقام فأما أن نرى العطاء كذلك لمن يحادون الله ويشاقون رسوله فهذا ما لا نسيغ له فهما، فهل إلى مقنع من سبيل؟
ويوافي الرد في الآية: كتب ربكم على نفسه الرحمة فما دام الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة، وكتب أنها تسبق غضبه، هي إذا ليست رحمة الجزاء ولكنها رحمة العطاء.
إن رحمة العطاء تسع كل شيء، وقد قال تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ثم إن رحمة العطاء تسبق أو تغلب رحمة الجزاء.
وفي كتاب التوحيد من صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي r قال:
لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش. (إن رحمتي تغلب غضبي) وفي رواية (إن رحمتي سبقت غضبي) ثم إنه سبحانه (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم وهو الممتحنة/22.
والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة التي تسع العطاء لكل من يمشي في مناكبها ليأكل من رزقه بعلمه وعمله وسعيه برا كان أو فاجرا، مؤمنا كان أو كافرا هذا في الدنيا.
وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الدائمة في الآخرة مع الدنيا لمن آمن وعمل صالحا، ولمن نجح في الاختبار الإلهي، فقد خلق الله الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور.
( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) .
والعطاء الخليق بأن نسعى له هو العطاء الموصول ما بين الدنيا والآخرة.
وإذا فمن أراد مقنعا فليعلم أن هذه هي السنة الإلهية، وأن هذه السنة تشير بأنه لا معدي عن يوم تجازي فيه كل نفس بما اختارت في هذه الحياة فهذا التفاوت في المعتقد وفي العمل والكون كله لله قاض بأن يوم القيامة لا ريب فيه وأن الربح الحقيقي يؤمئذ للإيمان والعمل الصالح وأما الكافرون فهم الخاسرون وأن الكفر هو الخسارة الحقيقية فلا تعجب فهذا هو القانون.
ومن هنا تعقب الآية الكريمة بقوله تعالى :
( ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون .
وتمضي الآيات في تكوين شخصية المسلم؟ إذ تمضي في تكوين شخصية أول مسلم.
إن لله ما في السماوات وما في الأرض ، ومن في السماوات ومن في الأرض.. نعم فهذا هو المجال المكاني للكون.. فماذا عن المجال الزماني؟
إنه سبحانه وحده صاحب التدبير والتقدير والإحكام والإتقان في المجال الزماني كذلك، فما من حركة أو سكون وما من متحرك. أو ساكن إلا وهو بيده ولهذا جاء قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ) عقب الآية السابقة؟ ليفيد شمول قدرته سبحانه وإحاطة علمه وتدبيره وحكمته للمجال الزماني بعد إحاطة ملكه وحكمه للمجال المكاني ؟.
وبذلك أخذ التصور الإسلامي صدقه وعمقه ليهىء قلب المرء وعقله للنتائج المستفادة من هذه المرحلة الفكرية والوجدانية كما تشير إليه الآيات التالية عقب ذلك على النحو التالي:
ا- مادام هو سبحانه مالك الملك، ومدبر الكون، وقيوم السماوات والأرض والحركة والسكون والليل والنهار، والزمان والمكان فمن عيره يتولى أمر الإنسان عناية ورعاية، وتربية وتنمية، وتدبيرا وتيسيرا، وأمنا وعونا، وهداية وتوفيقا (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ). الأنعام/ 14
2- إن ولاية الله للمرء لا يريد الله منها مقابلا يعود عليه منها ؛ كيف وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض. 
إنه سبحانه لا تنفعه طاعة طائع  كما لا تضره معصية عاص ( وهو يطعم ولا يطعم ) ويشفي ولا يشفى، ويعين ولا يعان، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكه سبحانه شيئا .
3- إنه سبحانه المالك والمدبر والمعين ثم إنه وحده الذي يتولى أمرنا دون أي عائد نفعي يعود عليه فمن نعبد؟ وإلى من نتجه؟ وبمن نستعين؟ ولمن نسلم ذواتنا وطاقاتنا واختياراتنا؟
إنه لا مجال للتردد أن المجال مجال التسابق وهذا هو مسك ختام هذه الرحلة مع الله ومع الكون ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ) الأنعام/ 14.
وذلك هو طريق النجاة والفوز:
( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ) الأنعام/ 16.
ذاك. نموذج من تربية القرآن للمسلم ذكرناه هنا لأننا بصدد الواجبات الاعتيادية والسلوكية للطبيب المسلم.
إذ من، واجب كل مسلم أن يعرف عن عمق وعن شمول ما استطاع إلى ذلك سبيلا عن الله وتدبيره لخلقه ما يحدد علاقته بالله ، وما يحدد دوره وعلاقته في هذه الحياة .
وفي هذا الإطار فمن واجب الطبيب المسلم من حيث هو مسلم أن يدرك القاعدة العامة، فيما يتعلق بدور كل إنسان بالنسبة لأهدافه وغاياته. أن عليه أن يسعى بمقتضى نحو قوله تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) الملك/22. قوله سبحانه. ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال/ 60.
ثم ماذا ؟ ثم إن الغاية وتحقيق الهدف ليس مما يكلف به المرء، لأنه ليس في مقدوره، ولنقرأ نحو قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ).
و قوله : ( وما النصر إلا من عند الله ) .
وقوله سبحانه : ( أفرأيتم  ما تحرثون أ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ) الواقعة/63، 64 ، 65 .( أفرأيتم الماء الذي تشربون أ أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ) الواقعة/ 68، 69 . ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) الكيف/ 23/ 24.
الإنسان ودوره بين الأسباب والمسببات:
إذا ما الإنسان  وما دوره؟
إن الإنسان هو هبة الله في هدا الكون، وهو أفضل الكائنات، وهو المتميز بالعقل وبالقدرة على الاختيار والإبداع وهو المستأهل للإفادة مما سخر الله في البر والبحر والجو، وهو المستخلف لعمارة الأرض وإدارتها بالحق والعدل.
ومع ذلك، مما هي قدراته وما هو دوره؟
إن قدراته: محدودة ومع أنها هبة من الله الموجد لكل ما في السماوات والأرض ، فهي عندما تندفع لتحقيق غاياتها لا تمضي في سبيل إلا بتيسير الله وإقداره ،  ولا تصل إلا بعونه واختياره.
لقد خلق الله الإنسان فقدره، ثم السبيل يسره.
وإذا فهذه حقيقة ينبغي أن يعيها الإنسان عموما، والطبيب بصفة خاصة.
وعي هذه الحقيقة:
إن وعي هذه الحقيقة سوف يدفع الطبيب إلى ما يلي .
ا- إدراك دوره هو فيما يتعلق بعلاج المريض وشفائه وكيف أنه دور ضئيل يكاد ينحصر فيما عدا التيسير والتهيئة ومشيئة الشفاء وإنجازه بالفعل .
وما يقوم بعه الطبيب كالذي يقوم به الزارع والمربي !
إن هذا الذي يقوم به الطبيب يتمثل في امتثال أمر الله : أن يؤدي رسالته في هذه الحياة، ويعبده بهذا الأداء .
ولعل أروع  تمثل لهذا المعنى هو قول النبي r. " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
إننا نعمل ونتعلم ليكون عملنا على أساس علمي وإن أعمالنا على تنوعها ما هي إلا مظهر من مظاهر عبادتنا لله إن أعمالنا عبادة لله حيث تنطلق من قاعدة الإيمان والالتزام بأمر الله ثم حيث تتحرك في إطار المراقبة لله. ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة/ 105 ثم حيث تحقق الغاية المثلى من خلق الغاية المثلى من خلق  والإنس والجن ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
ثم حيث يتوقف التطوير والبناء وإثراء حضارة الإنسان على تنوع مجالات العمل ، واختلاف التخصصات العلمية والمهنية، كما يشير إلى ذلك نحو قوله تعالى.
( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) الزخرف/ 32
أي ليكون بعضهم بعلمه وعمله ومهنته وحرفته في خدمة بعض .
وأحسب أن من أهم غايات الصلاة والصيام والحج وباقي العبادات إذكاء روح العبودية والالتزام والمراقبة التي تصل بالمرء إلى مقام الإحسان .
حتى إذا ما خلا المرء إلى مصنعه أو إلى لمزرعته أو إلى مرضاه، كان امتدادا بعبوديته وتقواه، وكان متحركا في عمله بإيمانه وقيمه، لا يساوره شك في أن ما يؤتاه  إنما هو فيض الله وفضله، كل قال تعالى: ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) المزمل/ 20.
والعمل- بهذا- عبادة ، والعبادة عمل.
وحين نصل إلى أن تكون حياتنا كلها بهذا الأفق الرحيب عبودية وعبادة فقد وصلنا إلى لمستوى التوازن بل إلى مستوى التساوق في موقفنا بين يدي الله، وفي مناشطنا في هذه الحياة.
ولهذا آثاره وثمراته التي لا تخفى في الدنيا والآخرة.
وعودا على بدء :
فحين يدرك الطبيب المسلم دوره في هذا الإطار فسوف يدفعه ذلك أو سوف يسلمنا ذلك إلى واجبات المسلم كطبيب وحسبنا أن نشير منها إلى ما يلي .
ا- استشعار أنه وهو يمارس عمله في عبودية لله وطاعة له، وهذا الاستشعار عن قرب يثمر أمورا.
الأول: أن تتم هذه الممارسة على أحسن ما يكون فهي تتم في إطار مقام الإحسان حيث يتعامل المرء مع الله قبل أن يتعامل مع المريض .
2- بذل أقصى الجهد ، واستفراغ الوسع في تشخيص المرض، وعلاجه بكل الأمانة والدقة.
3- أن يعلم أنه مادام في عبادة فعلية مع المراقبة لله أن يبتغي بما يبذله وبما يعمله وجه الله.
4- أن يدرك أنه بذلك مثاب توابا غير منظور آنيا وقد يرى أثر ذلك في الدنيا وقد صد له بالآخرة.
وقد حدث الرسول r إن الساعي عام الأرملة والمسكين وابن السبيل كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر.
5- أن يتواضع لله عز وجل عرفانا بفضله، فهذا دوره وأن لا يكون كمن قال إنما أوتيته على علم عندي .
6- أن يدفعه هذا التواضع إلى عدم المغالاة مع المريض سيما من كان غير قادر  ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) .
7- أن يشكر الله على أن جعله يد العناية الإلهية، ومجرى الرحمة الربانية، الذي يمس بما وظف له أعز ما يملك المرء. العقل والنفس والروح والحياة .
8- أن يدرك أنه المصدف فيما فيه المريض به من تلخيص ، وفيما ينصح به من علاج وهذا يحتم عليه التزام الصدق فأكذب الكذب أن تحدث غيرك بحديث يعتقده صادقا بينما هو غير صادق .
9- حين يسلم الناس أنفسهم إليه- بما عاهد الله عليه. فليتذكر إحاطة الله به، وقدرته عليه فلا يأت منكرا، وليذكر ما كتب الله على بني آدم عموما وبني إسرائيل خاصة ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) المائدة/ 32.
العلاقة بين العلاج وبين التوكل على الله :
لقد عرفنا دور الطبيب، وكيف ينبغي أن يستثمره الطبيب سلوكيا مع الله ومع مرضاه .
ونضيف الآن أن هذا الدور يمثل الأخذ بالأسباب.. وهذا قصارى ما على المرء..
وعليه بعد هذا ما يلي .
ا- أن يدرك أن هذا التشخيص وأن هذا العلاج سبب أمر الله  باتخاذه توسلا للشفاء بيد أنه ليس وسيلة للوفاء بذاته، بل بإرادة عليا هي إرادة الله عز وجل.
2- أن على الطبيب حين يتوسل بهذا العلاج إلى الشفاء أن يترجم عن هذا التوسل بالضراعة إلى الله أن يجري الشفاء على يديه فهو وحده الشافي ولا شفاء إلا شفاؤه.
3- إن هذا الدعاء لا يعني أن يتوانى الطبيب في اتخاذ أقصى ما يستطيع من وسائل تشخيصية وعلاجية فهذا تواكل منهي عنه .
4- لقد قال r اعقلها وتوكل...
وتطبيقا لهذا المبدأ فعلى المرء حين يتخذ ما يستطيع من وسائل أن لا يعتمد عليها وحدها فهي وسائل عادية قد توصل وقد لا توصل، وإنما المعتمد على الله الذي يشاء أن توصل، وقد لا يشاء، وقد يشاء أن ينقلب الدواء داء والأمثلة من الواقع كثيرة .
والقادر على جعل النار محرقة هو الذي جعلها بردا وسلاما على إبراهيم .
بين العمل والاستعانة بالله عز وجل:
وحين يدرك الطبيب أنه في عمله في عبادة وأنه مكلف أن يتخذ الأسباب وأن يضرع إلى رب الأرباب لتصل هذه الأسباب إلى غايتها فهو متوكل على الله حتما وهو يعبر بهذا أو بنحو هذا عن معنى قوله تعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) .
حديث جابر في هذا:
وإلى هذا يشير ما رواه مسلم في صحيحه من الحديث المشهور عن جابر: " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " وعلماؤنا القدامى كانوا يقولون تعليقا على هذا الحديث .
حديث جابر يفيد أن الشفاء متوقف على الإصابة- أي للعلاج- بإذن الله فالدواء قد يحدث معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكلية فلا ينجع ، وربما أحدث داء آخر...
تم كانوا  يقولون تعليقا على الأحاديث الواردة في ذلك. وفيها كليا إثبات الأسباب وإن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وتقديره.
وأنها لا تنجع  بذاتها بل بما قدره الله تعالى فيها وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك. فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. تلك واجبات الطبيب نحو ذاته..
أما واجباته نحو مريضه فحسبنا أن نشير منها إلى ما يلي :
1- أن لا يداويه بحرام، والنصوص في هذا مشهورة لا حاجة بنا إلى ذكرها لكن نحب ان ننبه إلى أمرين:
الأول: أن تحريم العلاج بالمحرم يستحث الطبيب على أن لا يكتفي بما تداوله علماء الطب، ولا بما تعارفوه فيما بينهم؟ فهذا التحريم يقتضيه أن يبحث مع غيره من أطباء المسلمين عن الأدوية الخالية من المحرم، وعند إشارته r إلى أن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له شفاء قال. علمه من علمه وجهله من جهله، وليس الجهل حجة على العلم  وإنما الجهل بالشي، مع الاستيقان بوجوده أمر يدفعنا إلى البحث حتى نعلم فتحريم العلاج بالمحرم يستحث الطبيب على البحث عن العلاج المباح ولا يقعد به عنه.
ونحسب أن هذا نوع من التواصي بالحق والتواصي بالصبر...
الثاني. أن الطبيب إذا استفرغ طاقته لا البحث مع غيره حتى أعياهم البحث آنيا وبين أيديهم مريض توقف علاجه على دواء به محرم فلا بأس بوصفه والاكتفاء منه بقدر الضرورة فالضرورة تقدر بقدرها وكلنا يعرف أن الضرورات تبيح  المحظورات .
لكن على ألا يقعد بنا هذا عن استئناف البحث عن الدواء المباح لهذا الداء أو ذاك.
ومن واجب الطبيب نحو مريضه:
تعهده ومتابعته وعيادته على أن ذلك عبادة لا مجرد عمل مهني.
إن عيادة المريض دون علاج عبادة تفضي إلى الجنة فكيف اذا أضيف إليها العلاج ؟
وقد روى مسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل عيادة المريض 4/ 1989أن حديث ثوبان: عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع.
المخرفة: سكة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء أي يجتني وقيل هي الطريق أي أنه على طريق تؤديه إلى طريق الجنة .
خرفة الجنة : الخرفة اسم ما يخترف من النخل حتى يدرك وقيل هي الثمرة إذا نضجت وعند البخاري في الأدب المفرد، قلت لابن قلابة ما خرفة الجنة؟ قال: جناها.
وروى مسلم عن قربان. " من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة قيل يا رسول الله 
وما خرفة الجنة؟ قال: جناها".
عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله r:
أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني .
عن البراء بن عازب
أمرنا رسول الله r " أن نتبع الجنائز، ونعود المريض، ونفشي السلام "
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع، وفك الأسير.
ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة
وجزم الداودي بالأول فقال: هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض
وقال الجمهور هي في الأصل ندب
وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حاله من ترجى بركته وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك .
ابن حجر: ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك في العادة سببا لوجود نشاطه وانتعاش قوته.
ومن واجبات الطبيب نحو مريضه بذل النصيحة له
وهذا أمر يتميز به الطبيب المسلم عن غيره ففي أوربا الحديثة ينهون الطبيب عن أن ينصح مريضه بالإقلاع عن أسباب مرضه كما نبه على الأطباء هناك أن يقتصروا مع مرضى الايدز على العلاج وحده؟ كمهمة محددة طعم لا يتعدونها إلى غيرها من النصيحة أو الوعظ .
الطبيب المسلم حريص على صالح مريضه:
وبدافع هذا الحرص فإن الطبيب حين يأخذ في علاج المدمن ، أو المبتلي بمرض وبائي يضيف إلى علاجه المادي ما يمكن أن يستثمر مع المريض نفسيا وروحيا ، في عدم الإقدام على أسباب المرض مرة أخرى .
ولا بأس أن يبين لمريضه كيف أن طاقته أمانة، وكيف أن فكره وماله أمانة وأنه مسئول عن عمره فيم يفنيه ، وعن شبابه فيم يبليه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن أسرته كيف فرط في حقها، وعن مجتمعه ماذا عمل من أجله؟
ومن نصح الطبيب لمريضه:
أن يحدد له قائمة طعام لا يتعداها
ذلك أن الطبيب أدرى من المريض بما يلائمه من أطعمة وأشربه.
وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيدهم من حديث أم قيس الأنصارية قالت: دخل علي رسول الله r ومعه علي ، وعلى ناقه، ولنا دوالي معلقة، فقام رسول الله r يأكل منها، وقام علي ليأكل؟ فطفق رسول القه r يتول لعلي: مه إنك ناقه؟ حتى كف علي .
قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به، فقال رسول الله r يا علي أصب من هذا فإنه أنفع لك.
ومن نصح الطبيب لمريضه أن يحدثه بآثار البلاء وثمراته:
ا- ومن ذلك أن البلاء يكفر الخطايا:
وفي ذلك يروي مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله r قال: " لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا حط الله بها من خطيئته " ومن حديث عائشة- رضي الله عنها- كذلك؟
" ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها ".
2- ومن ذلك أن البلاء قد تكتب به حسنة، أو تزال به سيئة
وفي ذلك يروي مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال. " ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة ".
3- ومن ذلك رفع الدرجة:
وفي ذاك يروي مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله r قال: " ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة "
4- ومن ذلك أن الأجر في ذلك يكون على قدر البلاء.
فقد روى البخاري في كتاب المرضي: باب شدة المرضى (10/ 110):
من حديث ، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال.
" أتيت النبي r في مرضه وهو يوعك وعكا شديدا، وقلت إنك لتوعك وعكا شديدا، قلت: إن ذاك بأن لك أجرين؟! قال: أجل! ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر "
حات- حاتت=- فتت وأذهب خطاياه.
تساؤل لابد من إيراده
هل البلاء كفارة للذنوب سواء اقترن  به الرضا أم لم يقترن؟
وماذا لون يكن للمرء ذنوب، ثم ماذا عن الكفارة حينئذ؟
ولقد أجاب القرافي عن الأول بقوله:
إن المصائب كفارات جزما، سواء اقترن بها الرضا أم لا
لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل..
وروى ابر حجر فقال: كذا قال، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك.
وعن الثاني أجاب ابن حجر:
فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه.
ومن واجب الطبيب نحو مريضه.
أن ينهاه عن الضيق بالألم، والخروج عن الحكمة:
مسلم 19931/4 من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله r دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال ما بك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين ( تتحركين حركة شديدة أي ترعدين) ؟ قالت: الحمى لا بارك الله فيها فقال: لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد ".
وأن ينهاه عن اليأس في الشفاء وتمني الموت
في المرضي: باب تمني المريض الموت 127/10
روى أنس : " لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفي ما كانت الوفاة خيرا لي ".
وروى أر هريرة: " لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا ولا أنا إلا أن يتغمدني  الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ".
يستعتب أي برجع عن موجب العتب عليه.
وأن يرشد إلى العلاج  الروحي والنفسي مع ما يأخذ به من أسباب مادية:
العلاج الروحي 
في كتب الطب. باب رقية النبي r (206/10)
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي r كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس اذهب الباس واشف  أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقها.
عن العزيز بن صهيب قال. دخلت أنا وثابت البناني على أنس بن مالك، فقال ثابت يا أبا حمزة (كنية أنس)
اشتكيت وفي رواية إني اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله r؟ قال. بلى قال. اللهم رب الناس ، مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما.
يمسح بيده اليمنى على الوجع قال الطبري. هو على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع.
عائشة: كان يقول للمريض بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا.
قال التوربشتي: كان المراد بالتربة الإشارة إلى فطرة آدم. والريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحالة. إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته منه من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته.
ومن وجب الطبيب نحو مريضه:
أن يجيب عنه بما يشعر برضى المريض عن الله في بلائه. إن الطبيب أدرى من غيره بحال المريض.
وإنه قبلة أقارب المريض والمحيطين به في السؤال عنه.
فينبغي أن يكون من الدقة بحيث لا يهول المرض ولا يهون منه، ولكن يحدث عن المريض بما يشعر أنه بريء من الضيق بالمرض ، دائم الصلة بربه ، والأمل في رحمته.
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله r في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن! كيف، أصبح رسول الله r؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا "
يقصد أصبح رسول الله مفيقا ، وبارئا من الضيق والضجر، حامدا لله شاكرا لأنعمه يحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه.
قال ابن حجر: ينبغي لكل من يسأل عن المريض أن يجيب بما يشعر برضى المريض بما هو فيه عن الله تعالى، وأنه مستمر على حمده وشكره لم يغيره عن ذلك شدة ولا مشقة، وبما يؤذن بخفة مرضه أو بخفة عافيته.
ومن واجبات الطبيب نحو مريضه:
أن يذكره عن الموت بما يبشره بمكانته عند الله.
وقد روى البخاري في فضائل الصحابة. مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
عن المسور بن مخرمة قال:
لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس- وكأنه يجزعه- يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله r فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر، فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحب  صحابتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون .
قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله r ورضاه فإنما ذلك من من الله تعالى من به علي .
وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك من الله الذي ذكره من به علي .
وأما ما تري من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن: أراه .
يجزعه : ينسب إلى الجزع ويلويه عليه، أو يزيل عنه الجزع ـ  فزع عن قلوبهم: أزيل عن قلوبهم الفزع .
ومنه مرضه : إذا عاق معه إزالة المرض ولئن كان ذاك . وفي رواية ولا كل ذلك أي لا تبالغ في الجزع مما أنت فيه- وفي رواية ولا كان ذلك- أي لا يكون ما تخافه. أو لا يكون الموت بتلك الطعنة.
من= عطاء ومنة
من أجلك ومن أجل أصحابك- أي من جهة فكرته فيمن يستخلف عليهم أو من أجل فكرته في سيرته التي سارها فيهم وكأنه غلب عليه الخوف في تلك الحالة مع هضم نفسه وتواضعه لربه- أو من أجل توقعه لفتن تقع بعده في أصحابه.
 طلاع الأرض ملؤها، وأصل الطلاع ما طلعت عليه الشمس والمراد هنا ما يطلع عليها ويشرف فوقها من المال.
قبل أن أراه : أي العذاب.
وماذا بعد أن يموت المريض ؟
لعل الطبيب في بعض الحالات التي يكون المريض فيها بعيدا عن أهله، ويكون الطبيب هو المشرف عليه، لعل الطبيب يكون أول من يعرف بموته حين يوافيه الأجل بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد، فماذا على الطبيب حينئذ؟ 
إن السنة في هذا يبينها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت.
دخل رسول الله r على أبي سلمة ، وقد شق بصره  فأغمضه، ثم قال. إن الروح إذا قبض تبعه البصر. فضج ناس من أهله ، فقال . لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، تم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهذبين، وأخلفه في عقبه الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين.
حقوق الطبيب، المسلم أو ماذا للطبيب بعد هذا ؟
أ- عند المريض: أن يقدر عطاء الطبيب بما يلائم علمه وعمله وجهده ومكانته، وبما يلائم قدرة المريض وطاقته، ولا يرى الإسلام بأسا أن يعطي المعالج عطاء يتساوق وقدرة المريض أكثرهن تساوقه لقدرة الطبيب، وفي حديث الرقية المشهور بصحيح البخاري أن المريض كافأ الراقي بثلاثين شاة وأن النبي r لم ير بأسا بذلك وقال:
إن حق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.
2- وعند المجتمع: أن يكفل للطبيب الحياة الكريمة التي تتفق مع دوره ورسالته، وأن يعوضه مالا يستطيع المريض بذله ، وأن، يجمع له بين التقدير الأدبي والتقدير المادي بين الحين والحين.
3- وعند الله. الثواب والمحبة وناهيك بهما
إن الطب عمل إنساني يدفع إليه، دافع إيماني، وحين يمضي المرء مع إنسانيته ويخفف عن غير القادرين ما دام ذلك في مكنته، فذلك طريقه إلى محبة الله ورضوانه سيما إذا كان ذلك منه ابتغاء وجه الله ومثوبته، والخلق عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وماذا إذا أحب الله طبيبا ؟
يروي الترمذي في ذلك بإسناد حسن صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) مريم/ 96.
هذا عن المحبة. فماذا عن المثوبة؟
أما عن. عمل الطبيب إذا لم يقدر الفرد ولا المجتمع على جزائه وما هم بقادرين فإن الله وحده يتولى ثواب ما عجزوا عنه سيما إذا مضى في عمله على أنه- كما قلنا- صورة من العبودية لله ، ونوع من العبادة له.
وحسنا أن يعيش الطبيب العابد في عيادته، والمتبتل في عبادته في ضوء نحو قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) الكهف/ 30.
تسامح الطبيب في حقه المادي مع المريض يساوي إنفاقه بقدر ما تسامح فيه عليه
وإلى هذا النوع المتسامح المتسامي نأتي إلى نهاية حديثنا بمسك ختام الحديث بقوله r : إن الله تبارك وتعالى قال لي: أنفق أنفق عليك.
وقال رسول الله r " يمين الله ملأى، لا يغيضها شيء، سخاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه  ".
ثم أما بعد
فهذا هو القطر الذي يمثل أول الغيث في الحديث عن واجبات الطبيب المسلم وحقوقه.
ولعلنا نزيد الحديث عن الواجب العلمي للطبيب سيما ما يتعلق بالمنهج الذي ينبغي أن يشق عباب البحث في الجانب الديني.
وأما فيما يتعلق بما له عند الناس بل بما له عند الله فحسبنا أننا فقط أشرنا إشارة.
أما عن حقه الحقيق به فلا يقدره إلا العليم به، أفترونني مبالغا إن قلت إن الطبيب المسلم في الإطار الإيماني الذي حدثنا به والذي رأينا كيف يمثل عمله عبادة من أجل العبادات أفترونني مبالغا إذا رأيت الطبيب الساهر بكل توجهه، والذي يتجافى جنبه بالليل ليعطي مريضه بلسما أو ليراقب حياة مشرف على الخطر.
أترونني مبالغا إن قلت أنه بهذا الإطار يدخل فيما يشير إليه الحديث الشريف:
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).
لقد روى النبي r هذا عن ربه ثم قرأ هذه الآية ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة/16/17.
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله