الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
اثر العلوم الإسلامية في تطور الطب
دكتور/ خوسيه لويسبارسلو
أسبانيا
الملخص:
أنالهدف من هذا البحث هو جمع سلسلة من الوقائع التي توضح الأثر الحاسم للعلومالإسلامية فيما يتعلق بتطور الطب، والهدف الرئيس هو أن نقرر الأهمية الحقيقيةلتأثير العلوم الإسلامية، فهي من الناحية الموضوعية قد ساعدت على وجود المعاييرالطبية الحالية، وان من الإجحاف تجاهل هذه الحقيقة بل أنها لم تكن معروفة بوجه عام. كذلك يحاول البحث أن يساعد على خلق فكرة صحيحة عن الإسلام الذي أضحت شعوبه وحكوماتهبعد سنوات عديدة من الحروب والمعاناة تشعر بمدى حاجة الدول  إلى ضمان روح التعاونبين الجميع لخير البشرية.
" الحمد لله الذيأنزل على عبد 5 الكتاب ولم يجعل له عؤجا " (18/ 1)
دكتور إبراهيمالصياد.
يناقش الباحث قضيةهامة وهي تماسك الحضارة الإسلامية وثباتها أمام التحديات التي لو واجهتها أي حضارةأخرى لانتهت إلى زوال. وقد فسر هذه القوة بما يسميه الشخصية الجماعيةللإسلام.
ولكي نوضح هذاالمفهوم من وجهة نظرنا نحن المسلمين نقول أن ما يسميه الشخصية الجماعية هو ما وردفي القرآن الكريم: ( أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (21/92) هذه الأمةفيها القوة الجامعة لشتاتها "تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله،وسنتي ". هذا الكتاب الخالد جمع الأمة الإسلامية على مر العصور ومهما ضعفت فان اللهيقيض لها على رأس كل قرن من يجدد لها دينها طالما كان بينهم كتاب الله. ومن هناحرصا أعداء الإسلام على أن يطعنوا الأمة في موقع قوتها وذلك بعزلها عن كتاب اللهففي البلاد التي تتكلم بلغته حاولوا عزلها عن التطبيق لمفاهيمه وتحويله إلى شعائرتتلى في المآتم. أما البلاد التي تتكلم بلغات أخرى وكانتق حروفها عربية فقد حرصواعلى تبديل الحرف العربي الذي يربطها بالقرآن وإدخال حروف أجنبية تمهيداً لعزلها عنمصدر (الشخصية الجماعية لأمة القرآن).
الفصل الأول
أن من المستحيل أنننكر أن الشخصية الآدمية تظهر أفكاراً عديدة وصنوفاً من التفكير في حدود الذاكرة،وهذا  ينطبق على الشخصية الجماعية للمجتمع وفي هذه الحالة فان التقاليد العامة توضحالذاكرة الجماعية التي تحفظ معا جميع صنوف التفكير في المجتمع. وبالتحديد فان الذييميز البلد هو التقاليد العامة التي هي الذاكرة الجماعية. وتسري تلك القاعدة علىالنطاق الجغرافي أو الأجناس أو نطلق السلالة القومية وكذلك أي حدود أخرى، ويمكن،سريانها أيضاً على المدنيات.
ومن الناحيةالسيكولوجية فان المدنية هي مجموعة التقاليد العامة للبلد مستقلة عن ظروفهاالجغرافية والبشرية. ومن الناحية الفنية فان المدنية هي مجموع التطورات في المجتمعبالنسبة للعلوم النظرية والتطبيقية وفروع الصناعة والعلوم الاجتماعية والآدابوالفنون وأي أنشطة فكرية أخرى.
هذه هي المدنيةولكنها ليست الحضارة، فالحضارة لا تقوم على الفكر المكتسب ولكن هي الحالة المعنوية،وهي حالة دائمة لها روح شخصية، أو روح جماعية للمجتمع. فالحضارة مفهوم أخلاقي  بحت،وهي بقايا معنوية كلية غير ملموسة على الرغم من وضوحها حسيا، وهي تتكون في النفس أوفي المجتمع بوساطة الأفكار والأحداث المستمرة وتبعاً للمبادئ الأخلاقية- والمدنيةهي التربة الخصبة للحضارة ولكنها غالباَ تستطيع التواجد بدونها وعلى العكس من ذلكفان الشخص أو المجتمع قد يبدي درجة عالية من الحضارة بلا مدنية وهذا ما نطلق عليهعموماً بلا تعليم وبلا معرفة بالعلوم والآداب.
أن الطائرات وأقلامالحبر والأمصال المضادة للسموم نتاج للمدنية وان استخدام الطائرات في نقل المصلالمضاد للسم، وكذلك استخدام قلم الحبر في التوقيع على شيك لصالح مستشفى هي من وجوهالحضارة.
ومن هذا المنطلق،فقد أرسى الإسلام مدنية متقدمة تعد في الوقت الحاضر من أروع المدنيات في كل العصور،كذلك فانه أيضا قد جمع حضارة متينة متقدمة وذلك إذا ما طرحنا جانباً الاضمحلالالواضح للقوى السياسية، والتفكك الظاهر للدول الإسلامية، فان الشخصية الجماعيةللإسلام قد صمدت أمام كافة أنواع  التغيرات، ذلك لأن معيار الشخصية الجماعية هوالمدنية عامة والتقاليد التي لم تنطفئ أو تخمد. هذه هي روح الإسلام كما يجب أنيفهمها أولئك الذين يحاولون عمد وسوء نية تشويه صورته.
وعلى الرغم من ذلكفإن الاضمحلال الواضح لقوة نفوذ العالم الإسلامي في تطور مختلة أنواع الأحداث فيالعالم قد حدث كنتيجة لبقاء سلسلة كبيرة من الضلالات والأخطاء التي لا يقبلهاالعقل، وهذان قد أديا في مجال الطب إلى الأساس السيئ  للاتجاهات الزائفة ضدالإسلام. وعلى ذلك فإننا نهدف إلى محو تلك الأخطاء التي تؤدي إلى الحكم السيئ علىاتجاهات الإسلام المحتضرة على الدوام.
وعلى سبيل المثال،فإن نظرة للوراء إلى قصة الخليفة الذي أعطى أوامره إلى عمرو بن العاص بأن يجعل منكتب مكتبة الإسكندرية الشهيرة وقوداً لنيران التدفئة في حمام المدينة والتي كان منبينها مؤلفات طبية ثمينة، هذه حكاية تعد واحدة من تلك الافتراءات الكبيرة التيتستغل في خلق قصص وضيعة وكتب تاريخ سيئة. حيث أن المكتبة الشهيرة قد أحرقها يوليوسقيصر عام 48 قبل الميلاد، كذلك فإن مكتبة أخرى شهيرة تسمى " المكتبة الابنة " قدخربت عام 389 م. . تبعاً لأمر من الإمبراطور تيوديسيو... وعلى ذلك فإن من الزيفتماماً والخطأ أيضاً أن نلقى باللوم على العرب لتخريب منبع العلوم الذي كان يتجسدفي مكتبة الإسكندرية الشهيرة، وان من السخف والبشاعة، أنه لا زالت كتب التاريخ تطبعفيها  مثل هذه، الأكاذيب (وبنفس الطريقة سارت الأمور حتى نهاية القرن العشرين  دونفهم أو تدبر فلم يبرهن عكس ذلك إحقاقاً للحق ووضعاً للأمور في نصابها). وتبرز هذهالحقيقة بالنسبة لتاريخ الطب حيث أنه بفضل العلوم الإسلامية والممارسة العملية للطبعند العرب وبفضل مؤلفاتهم وأبحاثهم وترجماتهم استطاعت أوروبا الحصول على قدر كبيرمن المعرفة مكنتهـ م من تطوير العلوم فيما بعد. وانه لولا الدعاية والمعلوماتالزائفة فإن، هذه الحقيقة لم تكن لتخفى على أحد فالمؤلفات والخبرات العملية التيجاد بها العالم الإسلامي على العصور الوسطي، في أوروبا حيث كان الظلام يعم أوروبافيما بعد  وفي هذا الميدان ما يستحق الإسهاب في الفصول التالية كي نبرهن على الدورالحاسم للإسلام في تقدم علوم الطب.
الفصل الثاني
الطبالإسلامي
(قيادة،وابتكار، وحلقة وصل)
لقد كان الإسلام منذنشأته على صلة مباشرة بأربع مدنيات كبيرة هي البيزنطية، والساسانية الفارسية،والهندية، والصينية، كذلك فان الخشب الذين فتحوا مساحات شاسعة شملت ما بين جبل طارقوالصين كانوا يتسلحون بثلاث عوامل هامة هي: الذكاء، والنشاط، والروح العالية،وبالنسبة للعامل الأول وهو الذكاء الحاد الذي يهدف إلى الوسائل البناءة، والعاملالثاني وهو الدافع الروحي القوي الذي بعثه الحماس الديني، وكان العامل الثالث هوتلك الهبة غير العادية لفهم الجمال والخلق والقوة المعبرة والذي كان بلا شك منشأتلك الدرجة العالية من تقدير الفكر والميزات الروحية.
وكنتيجة لكل ذلكوبعد مضى قرن من الزمان أصبح للإسلام واحدة من أعظم وأهم المدنيات والحضارات، ويعدأن امتدت الدولة الإسلامية واستقرت أحوالها فإن الحماس الجماعي القوي للعرب قددفعهم إلى القيام بتجميع الإنجازات الفنية والعلمية والصناعية و الاقتصادية والصحيةوالأدبية والفنون والفلسفة.
وفيما يتعلق بمجالالطب فقد احتل الإسلام مكان الصدارة بين الدول وأرسى قاعد قوية ووضع الاساساتلحضارتنا ومدنيتنا.
ومن المعروف تماماًأن مراكز الاتصال بين العالم الإسلامي وأوروبا الغربية وأمريكا، كانت  تتمثل فيأسبانيا وجزيرة صقلية والشرق الأوسط، وخلال الحملات الصليبية كانت سوريا وفلسطين منبين مراكز الاتصال بالعالم الإسلامي، حيث تم الاتصال السياسي والاقتصادي والحضاريعندما ساد الهدوء بين العالم الإسلامي والدول الصغيرة في تلك المناطق خلال قرنين منالزمان.
وعلى وجه التحديدفإن من بين الأدوار الأساسية التي قام بها الإسلام في مجال العلوم كان المحافظة علىالأفكار والمعرفة وتعضيدها والتنسيق بينها وتطويرها، وبالنسبة للمدنيات القديمة فقدتم تجميع المؤلفات ودراستها وقد أضاف  العرب إليها الكثير من المؤلفات الأصليةوالأفكار البارزة.
وإن من دواعي السرورأنه قد بدأ بالفعل الاعتراف بأن الطب والصيدلة من فروع العلم  التي كان للإسلام أثرحاسم في الأبحاث الموجودة فيهما وفي تطورهما، وان الترجمة المنظمة لآلاف المؤلفاتالعربية كانت، مصدر ثراء للمعرفة وساعدت على نقل الطب العربي إلى أوروبا في العصورالوسطى. وعلى نفس المنوال، فقد أنشأ العرب مستشفى مجهزاً تجهيزاً كافياً قبل أنيقوم مثله في العالم الغربي بألف عام تقريباً.
وبعد مضي قرن منالزمان كان في بغداد ستة آلاف دارس للطب وحوالي ألف ممارس طبي، ثم بعد مضى مائة عامأخرى وجد في دمشق مستشفى مركزي تتبعه كلية كبيرة للطب. وفي ذلك الوقت أيضاً أقيم أالمستشفى الكبير في القاهرة والذي ضم عدة أبنية وأربعة حدائق واسعة وقد زودبالموسيقى لراحة المرضى، كما كان يدفع للمريض الذي يشفى خمس قطع ذهبية لتمكنه منمراعاة صحته خلال فترة النقاهة. ويتضح من هذا أن المستشفيات كانت ابتكاراً إسلامياوبعد أن انتشرت في العالم العربي انتقلت إلى أوروبا مع الحروبالصليبية.
كذلك فقد أنشئت فيالعالم الإسلامي أولى الصيدليات ومعامل الكيمياء وكانت تعد بالمئات في قرطبة وبغدادوالقاهرة وكثير من المدن الأخرى، وكان العرب هم أول من قدموا لأوروبا الأدوية مثلالراوند Ruibarbo والكافور ا camphor وجوز الطيب Vomicanut وعلى سبيل الذكر أوردابن سينا في مؤلفه الطبي أكثر من سبعمائة دواء.
وقد انتقلت كلالعلوم الإسلامية والطب العربي العظيم إلى أوروبا وذلك بفضل الروابط. القوية بينالباحثين الأوائل من المسيحيين ومن بينهم روجر باكون Roger Bacon " الذي يعرف بأنهمبتكر العلوم في أوروبا والذي استقى المعرفة من العرب، كذلك جربوتو Gerberto، الذيأصبح فيما بعد البابا سيلفستر الثاني والذي عاش قبل باكون وكان يعيش في قرطبةالمسلمة حيث درس على يد الأساتذة العرب، أيضاً البرت العظيم Albert the Great  الذييشير في مؤلفاته إلى ما يقرب من اثني عشر عالماً عربياً اطلع جيداً على كتبهم منخلال ترجماتهم اللاتينية، وأخيراً وتفادياً للإطالة نذكر رايمندوليليو Raimundo Lulio  المولود في باليرز والذي كان يتقن اللغة العربية وتحوي مكتبته مئات المؤلفاتالإسلامية، ومنها استقى معرفته العلمية العالية.
وإن الموسوعاتالعظيمة التي ينسب ابتكارها خطأ إلى أوروبا لها أساسها في العمل الشاق والطويللمؤلفي الموسوعات المسلمين، ويفتخر الغرب بظهور الموسوعات في القرن الثامن عشر علىالرغم من أن مؤلفي الموسوعات ظهروا في العالم الإسلامي قبل ذلك بأربع أو خمس أو ستقرون قبل زملائهم في أوروبا.
ولقد ألفت أول موسعةمنظمة بالعربية بواسطة جماعة وجدت في البصرة خلال القرن العاشر، وقد قسموا أنفسهمإلى أربع مجموعات وأطلقوا على أنفسهم اسم " أخوان الصفا "، وقدموا عملاً مشتركاًيضم واحداً وخمسين بحثاً عليماً تغطي فعلاً جميع المعارف في ذلك العصر وتشملالرياضيات والطب والعلوم الطبيعية والتوحيد، وقد استخدم المسيحيون فيما بعد تلكالمؤلفات في أبحاثهم بغية المعرفة وجرياً وراء الحقيقة.
وظهرت فيما بعدموسوعتان أكثر أتساعاً واكتمالاً وقد ألف كلاً منهما مؤلف على انفراد، فالمؤلفالأول هو النويري Nuwayri الذي عاش في القرن الثالث عشر، والمؤلف الآخر هو أبن فضلالله العمري Ibn fadl Allah  وكان معاصراً له، كما ألف القلقشندي موسوعة أخرى طبعتفي القاهرة وكانت تضم 14 مجلداً.
وتعتبر المعاجم منالوجوه الهامة للتأليف التي قام بها علماء المسلمين، وهو شيء لا  قياس عليه، والمثلالبارز على ذلك القاموس العربي العظيم الذي يعادل قاموس أكسفورد، والوبستر، ولاروز،وقد كتبه الصفدي safidi الذي عاش في القرن الرابع عشر، وقبل ذلك بمائة عام ألف ابنالقفطي Ibn Qifti موسوعة ضخمة سميت "طبقات اللغويين والنحاة " كما كون جاكوت  Jakut   قاموساً  سمي " الرجال والأعلام كذلك كتب الكاتب العظيم ابن أبي أصيبعة Life of doctors  طبقات الأطباء "
الفصل الثالث
شخصياتومؤلفات
بحوثجديدة
قد يكون من الإسهـابغير المجدي أن نذكر جميع الشخصيات العظيمة التي كان لها السبق في تكوين الطبالإسلامي والذين كان لحكمتهم ومعرفتهم الفضل في تطور علم الطب، علي أنه قد يكونأيضاً من الإجحاف عدم ذكرهم ولو  باختصار كدليل إعجاب واحترام ولكي يعم ذكرهم أرجاءالعالم لمكانتهم في تطور الطب.
على قمة هذهالمجموعة من الأطباء العرب الحارث بن كلدة الذي ظهر في القرن الأول للإسلام (توفيعام 734 م)، وكان قد درس في فارس وهو أول من تثقف علمياً من العرب في شبه الجزيرةوحصل على لقب الشرف (طبيب) في الطب حسب قواعد العصر، وقد خلفه النضر بن الحارث،وكانت أمه خالة النبي عليه السلام.
ومن الأطباء الذينضمهم ديوان الأمويين كان أبرزهم ابن آثال وتياذوق Tuyadhuq ولا زالت بعض المصطلحاتالتي أطلقها تستخدم حتى، وقتنا الحاضر، كذلك نجد الطيب البارز ماسرجويه Masar Jawayh  وهو من أصل فارسي وقد ترجم من السريانية إلى العربية بحثاً طبياً كتب أصلاًباليونانية يسمى " اهرون " Ahrun والذي يعد أول كتاب علمي كتب باللغة العربية وقدذكر أن الخليفة الوليد قام بعزل المرضى المصابين بالجذام وأعطائهم علاجاًخاصاً.
ومن بين الشخصياتالبارزة في الطب الإسلامي والتي تناستها أوروبا الغربية، مع الأسف، كان علي بنعيسى، أعظم طبيب مشهور  للعيون، في العالم الإسلامي، وابن جزلة الذي كنب أهم بحثعلمي عن العلاجات الطبية.
وفي الحقيقة قد يطولبنا السرد إذا أردنا ذكر جميع أسماء أعلام الطب العربي، ولكننا ننهي هذا البحثبإلقاء الضوء على كثير من المؤلفات غير المعروفة تماماً والتي صنفها العلماءالمسلمون ورغم أهميتها فلم  تحظ بالذكر حتى وقتنا الحاضر.
فبعد البحث الطويلتمكنت من تحقيق مؤلفات هامة كثير منها مستقاة من ترجمات عن المؤلفات اليونانيةالقديمة جداً وأشياء أخرى لا يمكن تعويضها وجميعها أصول. وأقدم هنا نماذج يمكن أنتكون ويجب أن يستفاد بها كأساس للبحث في المستقبل.
أولاً  العمل الهامالذي أنجز في أسبانيا المسلمة على يد الطبيب ابن زهر الذي يعتبر استمرإراً  لاتجاهأبقراط(525- 113م) .
ثانياً: إن إستخدامسلسلة السببية واللاقياس والتجربة هي ما يميز الاتجاه البحت المحكم لعلماء المسلمين (والذي اتبعته مدرسة القواعد العربية بالكوفة) وأهميتها العظمى نجدها في كافة أنواعالمؤلفات العلمية الإسلامية.
ثالثاً: أن نعيالحاجة إلى تكريس جهد خاص لما قد يكون غير معروف من ذخيرة المعلومات بالمؤلفاتالعربية فيما يتعلق بالطب والعلوم الأخرى، والتي نبرز منها المجموعات التالية منالمؤلفات:
1- المجموعة التيأنجزها ابن النديم الوراق والتي تضم 22 مجلداً .
ب- المؤلفات التيتنسب إلى الأمير خالد بن يزيد بن معاوية والتي ترتبط ارتباطاً  وثيقاً بتطبيقكيمياء القرون الوسطى في الطب .
جـ- مجموعة المؤلفاتالخاصة بالعلاقة بين علوم السحر والطب والتي يمكن أن نبرز منها المؤلفات التي أعدهاأحمد ابن محمد المصمودي.
د- الترجمات العربيةمن الفارسية التي تمت في المركز الطبي في جنديسابور، وكذلك ترجمة إلي البحث الهنديالهام في علم خصائص السموم.
هـ- المؤلفات التيأنجزها الطيب الفيلسوف المسلم الأندلسي ابن سابين وهو ليس من الأسماء اللامعة- والتي جمع بعضها ابن طولون وهي لم  تحظ بالاهتمام الكافي للاستفادة منهاوتطويرها.
من كل ما ذكر فإن الأهمية الحقيقية والحاسمة للعلوم الإسلامية في الماضي تكمن في أثرها في تطور الطب في المستقبل، فبفضل الإسلام وجدت القواعد الحالية لعلوم الطب، لقد حان الوقت لنعرف مثل "هذه الحقائق وأن يحتل العالم الإسلامي مكانته الصحيحة في  حقل العلم إحقاقاً للحق، ففي عام 953 م أرسل أوتو العظيم  ملك الألمان سفيراً من لدنه إلى قرطبة إلى راهب يدعى جون الذي عاش ما يقرب من ثلاث سنوات في عاصمة الخلافة الأندلسية. وقد تعلم العربية بإتقان وعند عودته إلى موطنه حمل معه مئات المخطوطات الطبية العلمية القيمة والتي ساعدت على نشر جوهر علوم العرب العظيمة في أوروبا الغربية بصورة سريعة ومدهشة



في أهمية التراث الطبي الإسلامي 
 
نشرة الطب الإسلامي العدد الخامس (98- 109) 1988 م
للدكتور إبراهيم بن مراد
تونس
إن التراث العلمي الإسلامي- وللطب منه المنزلة الأغلب والحيز الأكبر- تتنازعه اليوم ثلاثة مواقف:
أولهما موقف تمجيدي يرى فيه الأساس والدعامة اللذين لولاهما لما كانت الحضارة العلمية والتقنية الغربية الحديثتان؟ وثانيهما موقف تحقيري يرى فيه مجرد مادة قد جمعت تجميعا من المصادر الأعجمية المترجمة إبان حركة الإنشاء العلمية الإسلامية في قرون الإسلام الأولى. وينزع أصحاب هذا الموقف عن المسلمين فضل السبق والإضافة في كثير من مجالات العلم؟ وثالث المواقف موقف لا يعني أصحابه من شأن التراث العلمي الإسلامي تمجيدا أو تحقيرا لأنه لا يعدو في نظرهم أن يكون حديثا من أحاديث الماضي الذي انطوت صفحاته وأن يفيد اليوم إلا ما يفيده درس الخريج القديم.
والحق أن أصحاب المواقف الثلاثة قد ركنوا إلى الشطط ولم ينجوا من آثار الهوى والعصبية ولم يخلصوا للحقيقة الأسامية المحضة. فلا شك أن المغالاة في التمجيد هي من باب المواقف العاطفية التي قد تؤدي في بعض مظاهرها إلى ضرب من "التوفيق العلمي " الذي يضر بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل على السواء. ثم لا شك أيضا في أن القول بخلو التراث العلمي الإسلامي من عناصر الطرافة والابتكار مذهب ظالم متجن قائم على جهل صريح بصلات التأثر والتأثير بين الثقافة العلمية) لعربية الإسلامية والثقافات الأخرى؟ ثم لا شك أخيرا في أن اعتبار التراث العلمي الإسلامي مجرد صفحة من الماضي قد انطوت إنكار منكر لذلك التراث جملة وتفصيلا، وفي ذلك ما فيه من التجني على الحقبة العلمية العربية الإسلامية التي استغرقت من تاريخ البشرية في مدارج تطورها ثمانية قرون (من منتصف القرن الثاني الهجري / التاسع الميلادي إلى منتصف القرن العاشر الهجري / الخامس عشر الميلادى).
ولا نريد أن نقع فيما وقع فيه كثيرون ممن سبقنا من تعصب للتراث العلمي الإسلامي أو تعصب
عليه، فإن التعصب له لا يضيف إلى قيمته الحقيقية شيئا كما أن التعصب عليه لا ينقص من أهميته الحقيقية شيئا. لذلك أردنا أن نقف موقفا وسطا وأن نذهب مذهبا معتدلا فلا نشط ولا نبالغ بل ننطلق فى تبيان أهمية التراث العلمي الإسلامي- قديما وحديثا- من معطيات موضوعية وأدلة علمية. ولكن تعميم النظر في التراث العلمي الإسلامي كله مطلب عسير لأنه يقتضي بحثا استقصائيا موسعا معمقا ما أمكن الاستقصاء والتوسع والتعمق وليس ذلك كله مما يطيقه بحث كهذا البحث مخضع لمقتضيات ليس له أن يتعداها. لذلك رأينا أن نقتصر في إثباتنا أهمية التراث العلمي الإسلامي على علم واحد هو الطب، فإن لنا من المعرفة به وبتاريخه وبمراحل تطوره ما يمكننا من الحديث عن أهميته. وسنجزىء هذا البحث جزئين، نعني في أولهما بأهمية التراث الطبي الإسلامي في القديم، ونخص بالثاني أهميته في العصر الحديث.
أ- أهمية التراث الطبي الإسلامي في القديم:
إن الحديث عن أهمية التراث الطبي الإسلامي في القديم يعني في الحقيقة التاريخ له ولمراحله لأنه منذ نشأته في عصر الترجمة إلى تداعيه في فجر النهضة العلمية الغربية الحديثة لم يخل من مظاهر الطرافة والابتكار. ثم إن الحديث عن تلك الأهمية يقتضي أيضا تعداد الاكتشافات العلمية التي أسهم بها الأطباء المسلمون في بناء الحضارة الإنسانية وتطوير العلوم البشرية. ولكننا لا نخفي خشيتنا من الخوض في التاريخ العام للطب الإسلامي ومن تعداد مآثر الأطباء المسلمين، لأن ذلك يوقعنا في تكرار حقائق أصبحت اليوم معلومة متعارفة. لذلك رأينا أن نقتصر على جانب واحد لم ينل بعد حظه من الدرس ولم يعن به الدارسون عناية خاصة، ونعني صه:
- فصل الطب، عن الفلسفة:
لقد غلبت ط على الطب الإسلامي- وخاصة أثناء القرون الهجرية الخمسة الأولى- النظرية اليونانية التي تخضع الطب للفلسفة وتجعله جزءا منها وعلما من علومها، وقد قوي تلك النظرية جالينوس خاصة، وقد كان طبيبا وفيلسوفا. وقد أخذ المسلمون من بين ما أخذوا عن اليونانيين ذلك المذهب واعتمدوه منذ بدايات إنتاجهم العلمي. فقد اعتمده وانطلق منه الطبيب الفيلسوف إسحاق بن عمران (ت. 279 هـ/ 982 م) الذي قال في كتابه "الماليخوليا"- أثناء حديثه عن المعرضين أكثر من غيرهم للإصابة بمرض الوسواس-: وأما المكبون على قراءة الكتب الفلسفية أعني كتب الطب وكتب المنطق وكتب النظر في جميع الأشياء وكتب الناظرين في أصول الحساب وعلمه المسمى باليونانية الارثماطبقي، والنظر في علم الفلك والكواكب وهو علم التنجيم المسمى باليونانية الاسطرونميا  والنظر في علم الهندسة والمساحة ويسمى علم الخطوط بالعربية ويسمى بالرومية، الجومطيا (…) فإنهم- والله أعلم- قريبون من الوسواس السوداوي (2).
وقريب من هذا أيضا ما ذكره أبو الحسن علي بن رضوان (ت. 453 هـ/ 1061 م) في كتابه "الكتاب النافع في كيفية صناعة الطب ". فقد حدد ابن رضوان للمتعلم مجموعة من العلوم، بعضها يكفي المتعلم من كل واحد منها بعض المختصرات (3) وهي اللغة والنحو وعلم الحساب والعدد والمساحة والهندسة والتأليف (أي تأليف الأدوية المفردة) والتنجيم وبعضها الآخر واجب ويشمل صناعة المنطق والعلم الطبيعي وعلم الأخلاق. ويعلق ابن رضوان على تعلم هذه العلوم كلها بقوله. "وإذا كان الأمر على ما وصفنا، فالأمر على ما قال جالينوس: إن الطبيب الفاضل فيلسوف كامل " .
وقد كان لهذا الجمع بين الطب والفلسفة أثره العميق في نشاط كثيرين من الأطباء الذين كانوا أطباء وفلاسفة في الوقت ذاته، يؤلفون في الطب والفلسفة على السواء. ولنا في أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (ت. 313 هـ/ 925 م) وأبي علي الحسين بن سينا (ت. 428 هـ/ 037 1 م) خير دليل على هذا الاتجاه. فقد كانا طبيبين فيلسوفين امتزج عندهما الطب بالفلسفة وألفا فيهما جميعا. ولقد كان لهذا المذهب التوفيقي بين الطب والفلسفة أثره في تصور الطب وفهمه. فقد كان معظم الأطباء- حتى القرن الخامس- يقسمون الطب إلى علمي وعملي ولكنهم لا يخرجون القسم العملي عن دائرة العلم النظري ونستدل على هذا الاتجاه بموقف ابن سينا الذي نعتبره خلاصة لمواقف سابقيه. فقد قال مقدمة كتاب القانون "إذا قيل إن من الطب ما هو نظري ومنه ما هو عملي فلا يجب أن يظن أن مرادهم فيه هو أن أحد قسمي الطب هو تعلم العلم والقسم الآخر هو المباشرة للعمل كما يذهب إليه وهم كثير من الباحثين عن هذا الموضع، بل يحق عليك أن تعلم أن المراد من ذلك شيء آخر وهو أنه ليس واحد من قسمي الطب إلا علما لكن أحدهما علم أصول الطب ، والآخر علم كيفية مباشرته، ثم يخص الأول منهما باسم العلم أو باسم النظر ويخص الآخر باسم العمل ، فنعني بالنظر منه ما يكون التعليم فيه مفيد الاعتقاد فقط من غير أن يتعرض لبيان كيفية عمل مثل ما يقال في الطب إن أصناف الحميات ثلاثة وإن أصناف الأمزجة تسعة. ونعني بالعمل منه لا العمل بالفعل ولا مزاولة الحركات البدنية بل القسم من علم الطب الذي يفيد التعليم فيه رأيا، ذلك الرأي متعلق ببيان كيفية عمل ، فإذا علمت هذين القسمين فقد حصل لك علم علمي وعلم عملي وإن لم تعمل قط .
وولوع الأطباء بالنظر والرأي قد جعل منهم أطباء قياس، ميالين إلى الاعتماد على علوم الفلسفة في استنباط الحقائق حول الجسم وطبيعته والآفات التي تجتاحه والأدوية التي تبرئه. وهذه الفكرة هي التي سادت عنهم عند معظم الدارسين وخاصة من الغربيين. وقد زكى هذا الرأي في الأطباء المسلمين فصلهم بين "إعمال النظر" و "إعمال اليد" وتفضيلهم في أحيان كثيرة، الأول على الثاني، بل إن منهم من كان يحتقر العمل باليد.. وقد عبر عن ذلك الموقف أبو مروان عبد الملك بن زهر الأشبيلي (ت. 557 هـ/ 1162 م) في كتاب "التفسير في المداواة والتدبير" عند حديثه عن معالجة "فك المفاصل ": وأما محاولة ذلك باليد فهو من أعمال بعض الخدمة للطبيب وكذلك الفصد والكي وقطع الشريان وما هو أشرف من هذه رتبة مثل التشمير ولقط السبل، وأعلى رتبة من هذه للخدمة إجادة القدح، وكلها من أعمال الخدام للطبيب وأما الطبيب فمن شأنه أن يدبر بالأغذية والأدوية أمر المريض) ولا يتناول بيديه شيئا من ذلك، كما ليس من شأنه أن يعقد المعاجن إلا في الضرورة. وإنما ذكرت من أعماله اليد ما ذكرت لأنه إذا اضطر الطبيب في نفسه أو فيمن يحضره ممن يغتنم الأجر فيه لابد له أن يعمل ما يحسن عمله مما خف. وأما ما يكون من الأعمال المستقذرة القبيحة، كالشق على الحصى، فإن الحر لا يرضى لنفسه بعمل ذلك ولا بمشاهدته. وما أظن أن الشريعة تبيحه إذ فيه كشف العورة، وكشفها حرام .
وقد أعتقد نقدة هذا المذهب أنه كان الأعم والأغلب وأن الطب الإسلامي لم يكن قط منفصلا عن نظريتي أبقراط ثم جالينوس في القوى والأخلاط وعن مذهبيهما في الاستدلال بالقياس النظري الفلسفي. ولم يستثن من ذلك إلا أبو القاسم الزهراوي (ت 4040 هـ/ 1013 م) الذي كان طبيبا جراحا وخص الجراحة بالجزء الثلاثين من موسوعته الطبية "التصريف لمن عجز عن التأليف ".
والحق أن غلبة هذه النظرية وانتشارها لم يكونا لتميز حقيقي في الطب الإسلامي أو لغلبة حقيقية عليه بل كان في نظرنا بسبب سيطرة مدرسة طبية يعينها على الطب الإسلامي عامة هي المدرسة التي كان يمثلها أبو بكر الرازي وأبو علي ابن سينا من بعده.، وهي مدرسة طبية فلسفية وليست طبية محضا. وقد ازداد شأن هذه المدرسة قوة بتأثير من المنزلة التي كانت لأهم كتابين يمثلانها- وهما كتاب "الحاوي " للرازي وكتاب "القانون " لابن سينا- في، أوروبا بعد نقلهما إلى اللغة اللاتينية وانتشار ذكرهما وتقدم مؤلفيهما على من عداهما من أطباء الإسلام في الشهرة.
ولم تكن هذه المدرسة في الحقيقة إلا اتجاها. وقد حجبت شهرة ممثليها الرئيسيين- أي الرازي وابن سينا- مدرسة ثانية يحق لنا أن نسميها بالمدرسة الطبية المحضة وإن لم تقص القياس ولم تقض عليه. ولكن هذه المدرسة لم تستقم معالمها بعد ولم تقم أركانها ولم تتبين خصائصها إلا لماما. والسبب في ذلك هو أن معظم ممثليها لا يزالون مغمورين، إما لأن آثارهم لم تنشر بعد أو لأنها لم تدرس بعد ولم يعمق فيها النظر أو لهذين السببين مجتمعين. ونذكر من خصائص هذه المدرسة اثنتين مهمتين:
ا- أولاهما هي إعمال اليد: فإن الطب لم يبق مجرد نظر في الكليات واستقراء للجزئيات بل أصبح يجمع بين النظر والتطبيق أو بين العلم النظري والعمل التطبيقي. وأهم ما أعملت فيه اليد مجالان اثنان:
أولهما هو الجراحة. وقد كان أطباء كثيرون يمارسونها إما جهرا وإما خفية. وأشهر من عرف بها وعرف بها وشهر أمر؟ مما هو أبو القاسم عباس بن خلف الزهراوي في الجزء الثلاثين من كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف ". وقد اشتهر أمر هذا ، هذا الجزء فترجم إلى أكثر من لغة ونثر نصه العربي وحظي بالدراسة والتحليل . وقد طغت شهرة الزهراوي على غيره من الأطباء في مجال الجراحة. ولا شك أن الدراسة المعمقة لهذا المجال في تاريخ الطب الإسلامي- بالاعتماد على النصوص- لا تزال مفقودة.
وثاني المجالين هو تحضير الأدوية. وهذا المجال لا يزال في الدراسات الحديثة غفلا أو كالغفل. فهو اليوم متنازع بين الطب والصيدلة. ويبدو أن مؤرخي الطب الإسلامي مازالوا- مثل كثيرين من الأطباء القدامى- لا يرون ضرورة الجمع بين علم الطب والصناعة الدوائية. ونذكر ممن عني بمباشرة الدواء بيده ثلاثة أطباء:
أولهم هو أبو جعفر أحمد بن الجزار (ت 0 369 هـ/ 985 م). فقد أكثر في كتبه من الإشارة إلى الأدوية التي ألفها بنفسه، منها- مثلا- إشاراته في كتاب "المعدة" إلى شراب ألفه لإنزال المادة الصفراء من المعدة ، واطريفل بارد قابض ألفه لأصحاب المعدة الحارة الضعيفة المسترخية ، ودواء ألفه لصاحب القيء الشديد الخ.
وثانيهم هو أبو مروان عبد الملك بن زهر. فقد صرح بأنه لا يحب ممارسة الجراحة لكنه أظهر شدة ولعه بعمل الأدوية. وقد قال في ذلك: " وأما أنا فإن في نفسي مرضا من أمراض النفوس من حب أعماله الصيدلانيين وتجربة الأدوية والتلطف في سلب بعض قوى الأدوية وتركيبها في غيرها وتمييز الجواهر وتفصيلها ومحاولة ذلك باليد، ومازلت مغرما بذلك مبتلى به .
وثالث الأطباء هو أبو جعفر أحمد الغافقي (ت.560 هـ / 1165م فقد أشار في مقدمة كتابه "الأدوية المفردة" إلى أن معظم أطباء عصره في الأندلس صيادلة يتولون عمل الأدوية بأنفسهم: "أطباؤنا هؤلاء كلها صيادلة يتولون بأنفسهم عمل الأدوية المركبة وجميع أعمال الصيدلة. وما أقبح بأحدهم- لو عقلوا- أن يطلب أدوية مفردة لتركيب دواء فيؤتي بأدوية لا يعلم هل هي التي أراد أم غيرها فيركبها ويسقيها عليله ويقلد فيها الشجارين ولقاطي الحشائش إن أطباءنا هؤلاء كلهم صيادلة، ولا تكسب لهم ولا معاش إلا من الصيدلة وهم لا يعلمون ذلك ".
تلك، إذن هي الخاصية الأولى، وهي تثبت أن الطب لم يكن قي نظر هؤلاء الأطباء الذين ذكرنا كليات نظرية وأصولا علمية محضة بل هو تطبيق عملي أيضا.
2- وثانيا، الخاصيتين هي التجريب: ذلك أن أهم ما ميز هذه المدرسة هو الاعتماد على التجربة والملاحظة والمشاهدة. وهذا أيضا جانب مازال لم ينل حظه من الدراسة المعمقة لأن دلائله مبثوثة هنا وهناك في مظان كثيرة لا يزال معظمها مخطوطا. ويمثل التجريب ثلاثة مجالات:
أولاهما هو الملاحظة العلمية السريرية، وللقياس في هذا المجال دور كبير. ومهما يكن من أمر فإن هذا المجال مشترك بين المدرستين لأن الملاحظات السريرية عند الرازي وابن سينا كثيرة جدا، ولذلك فإننا لا نريد أن نقف عندها.
وثاني المجالات هو تجريب الأدوية. فإن الطبيب كان لا يقنع بما تخبره به الكتب عن خصائص الدواء العلاجية بل هو يتبين نجاحها بنفسه. إلا أننا لا نعرف كيف يتم التجريب والاختبار. ونورد على هذا المنزع إلى التجريب مثالين:
أولهما هو ابن الجزار في كتاب المعدة، فإن ابن الجزار كثيرا ما يذكر دواءً مركبا ما ثم يلاحظ أنه قد جربه فحمده. ومن أمثلة ذلك قوله عن الاطريفل الذي ألفه هو نفسه لأصحاب المعدة الضعيفة المسترخية "وقد جربنا وحمدناه "  وقوله عن شراب ألفه يوحنا ابن ماسويه لقمع الصفراء المتولدة في المعدة: "وقد اختبرناه فحمدناه "  وثاني المثالين هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن البيطار (ت. 646 هـ/ 1248 م). فقد أبرز في مقدمة كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" منحاه التجريبي فقال في الغرض الثاني: "الغرض الثاني صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن المتأخرين. فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لدي بالخبر لا الخبر ادخرته كنزا سريا وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنيا. وما كان مخالفا في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق أو أن ناقله أو قائله عدلا فيه عن سواء الطريق. نبذته ظهريا وهجرته مليا وقلت لناقله أو قائله لقد جئت شيئا فريا، ولم أحاب في ذلك قديما لسبقه ولا محدثا اعتمد غيري على صدقه . وقد انتقد ابن البيطار بالفعل أطباء كثيرين قد أخطأوا في الحديث عن: خصائص الأدوية العلاجية أو في تحديد ماهياتها .
وثالث المجالات هو التشريح: وهذا أيضا باب من أبواب الطب الإسلامي لا يزال مغبونا. فلقد اعتقد الدارسون ولا يزالون على اعتقادهم أن الأطباء المسلمين كانوا لا يشرحون الجسم- بشريا كان أو حيوانيا- لتحريم ذلك شرعا. وممكن أن يستدل على هذا المذهب ببعض من مواقفهم وآرائهم، مثل هذا الرأي الذي نسبته كتب التراجم إلى يوحنا بن ماسويه (ت. 243 هـ/ 857 م) وهو قوله "ولولا كثرة فضول السلطان ودخوله فيما لا يعنيه لشرحت ابني ذا حيا مثلما كان جالينوس يشرح الناس والقرود، فكنت أعرف بتشريحه الأسباب التي كانت لها بلادته وأريح الدنيا من خلقته وأكسب أهلها بما أضع في كتابي من صنعة تركيب بدنه ومجاري عروقا وأوراده وأعصابه علما، ولكن السلطان يمنع من ذلك " ، ثم مثل هذا الرأي الذي ذكرناه آنفا لأبي مروان عبد الملك بن زهر في الشق على الحصى- وهذا من الجراحة، والجراحة والتشريح صنوان- وهو قوله "وأما ما يكون من الأعمال المستقذرة القبيحة كالشق على الحصى، فإن الحر لا يرضى لنفسه بعمل ذلك ولا بمشاهدته، وما أظن أن الشريعة تبيحه إذ فيه كشف العورة، وكشفها حرام " .
لقد كان هذا الموقف الرسمي المعلن. وقد كان له أيضا أثره في بقاء علم التشريح عند كثيرين من الأطباء المسلمين عالة على النظرية اليونانية وخاصة نظرية جالينوس، ويبرز ذلك الأثر جليا في القسم الأول من كتاب الفنون لابن سينا، فلقد أحاط ابن سينا بمختلف أعضاء البدن فبين تركيبها وهيئتها، ولكنه في حديثه كان ناقلا جماعة. ولكن يبدو لنا أن هذا الموقف المعلن لم يكن دائما محترما مطبقا بل كان كثير من الأطباء التجريبيين يتخذونه تقية ويباشرون من أمر التشريح مالا يمرحون يه. ونكتفي للتدليل على ذلك بدليلين اثنين:
أولهما هو مثال أبي الحسن علي بن أبي الحزم ابن النفيس القرشي (ت. 687 هـ/ 1288 م)  فقد كان ابن النفيس من أكبر شراح كتاب القانون لابن سينا ومن أهم المعلقين عليه. وقد عني ابن النفيس بالقسم الأول الخاص بالتشريح من كتاب القانون عناية خاصة فألف فيه كتابا مستقبلا هو "شرح تشريح القانون " ، وقد عارض في هذا الكتاب بعض النظريات التقليدية التي نقلها ابن سينا في التشريح، ومنها معارضته مذهب ابن سيناء في أن للقلب ثلاثة بطون، فقد وصف قوله بأنه "كلام لا يصح، فإن القلب له بطنان فقط: أحدهما مملوء من الدم وهو الأيمن والآخر مملوء من الروح وهو الأيسر ولا منفذ بين هذين البطنين البتة وإلا كان الدم ينفذ إلى موضع الروح فيفسد جوهرها، والتشريح يكذب ما قالوه " ، على أن أهم نظرية كذب فيها جالينوس وابن سينا وأصاب هي نظرية الدورة الدموية الصغرى (الرئوية). فقد فطن ابن النفيس إلى أن اتجاه الدم ثابت وأن حركته ليست حركة مد وجزر كما كان يظن سابقا، وقال بأن الدم يمر في تجويف القلب الأيمن إلى الرئة حيث يخالط الهواء، ثم يعود من الرئة عن طريق الوريد الرئوي إلى التجويف الأسر للقلب .
ولنا أن نتساءل بعد هذا كيف يمكن لابن النفيس أن ينقض نظرية جالينوس وابن سينا من بعده في الدورة الدموية الصغرى بعد استقرار في أذهان العلماء دام حوالي أثني عشر قرنا (من القرن الثاني إلى القرن الثالث عشر الميلاديين) لو لم يعتمد التشريح الحقيقي؟ أما هو نفسه فيكاد ينفي ذلك بقوله "وقد صدنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة وما في أخلاقها من الرحمة، فلذلك ينبغي أن نعتمد في تعرف صور الأعضاء الباطنة على كلام من تقدمنا من المباشرين لهذا الأمر"  وإما الدارسون المحدثون فقد اعتمدوا هذا القول له وقالوا إنه قد انتهى إلى نقض النظرية الجالينوسية بالاستدلال الذهني المحض- أو البرهان المجرد
وليس بطريق التجريب وأما نحن فنذهب إلى أن ما قاله عن مباشرة التشريح مجرد تقية، ومن الأدلة على ذلك قوله- عند التعقيب على مذهب ابن سينا في أن للقلب ثلاثة بطون- "والتشريح بكذب ما قالوها، فإن الذي يستطيع التكذيب ليس النقل أو الاستدلال المجرد بل المشاهدة والتجريب. ثم إن في عناية ابن النفيس بقسم التشريح من كتاب القانون عناية خاصة مخايل دليل على مباشرته له.
وثاني الدليلين هو مثال أبي عبد الله محمد بن عثمان الصقلي التونسي (ت، حوالي 825 هـ/ 1417 م)، فقد ألف الصقلي كتابا جليل القدر هو المختصر الفارسي نسبة إلى السلطان الحفصي الذي ألفه له وهو أبو فارس عبد العزيز المتوكل على الله (796 هـ/ 4 139 م- 837 هـ لم 434 1 م). والكتاب في جملته مختصر لكتاب القانون محكم البناء والتبويب، جيد العرض واضح التحليل. ولم يتقيد الصقلي بآراء ابن سينا بل أضاف إليها إضافات مهمة وخاصة في مبحثين اثنين: أولهما هو مرضى جرب العين والحكة الملازمة له، وأثبت المؤلف للمرة الأولى تطور المرض ومراحله، وكانت أربع وهذه المراحل الأربع لم يقع إثباتها من طرف (كذا) الأطباء إلا في منتصف هذا القرن (العشرين). فيكون الفضل لمحمد الصقلي في الأسبقية في تحقيقها وترتيبها بست مائة سنة  وثاني المبحثين هو السل، فإن القدماء قد تحدثوا عن السل وعرفوه بأنه "قروح في الرئة  ووصفوا أهم علاماته وهي السعال ونفث الدم والحمى ونحافة الجسم. أما الصقلي فقد انتهى إلى تشخيصه بدقة إذ حدده وحدد أسبابه بقوله: "وسبب السل قرحة في الرئة، فإن الإنسان إذا جاوز في النفث أربعين يوما صار مسلولا يعسر برؤه، وقد يكون عن قروح في الصدر والحجاب إذا انخرق ، وإذا لم ينخرق يسهل التحام تلك القروح لعدم حركتها. وقد يمتد هذا المرض بصاحبه سنين لاسيما إذا كان في القرحة جفوف وخشكريشة غير ساعية". وواضح أن تحديد الصقلي على قدر مهم من الدقة فقد حدد نوع العلة وموضعها ووصف القرحة في بعض حالاتها وصفا دالا على المعاهدة الحسية وهي "الجفوف " ثم "الخشكريشة غير الساعية". ويرى الدكتور أحمد بن ميلاد أن الصقلي ما كان له أن يتمكن من تحديد الخشكريشة في القرحة بالذات إلا بوضع أذنه على صدر المريضة فوق القرحة نفسها . ثم إنه ما كان له أن يستطيع تحديد موضع القرحة وموضع الخشكريشة منها لو لم يطلع على رئة أحد المسلولين تشريحات. وقد كان ذلك ميسورا له في المستشفى الحفصي بمدينة تونس حيث كان مباشرا.
وخلاص القول في الفصل بين الطلب والفلسفة في التراث الطبي الإسلامي أن الأطباء المسلمين لم يكونوا مجرد نقلة للنظريات اليونانية في الطب ولم يكونوا أطباء قياس فقط بل إنهم قد أنشأوا أيضا مدرسة طبية محضا. على هذا التقسيم الذي نحوناه يقتضي ملاحظتين: أولاهما هو إن ما سميناه مدرسة طبية فلسفية لم تكن خلوا من التجريب والملاحظة العلمية، كما أن ما سميناه مدرسة طبية محضا لم تكن خالية من أثر الفلسفة والقياس ؛ وثانية الملاحظتين إن معالم المدرسة الثانية لا تزال في معظمها مجهولة أو مدروسة درسا سطحيا، ولا. يمكن أن تدرس دراسة معمقة إلا إذا عني الباحثون بالنصوص الطبية الإسلامية تحقيقا ودراسة وتمحيصا، فإن ما نظر من التراث الطبي الإسلامي لا يزال ضئيلا، أما ما نشر منه محققا تحققا علميا فأقل من الضئيل.
ب- أهمية التراث الطبي الإسلامي في الحديث:
لا شك أن كثيرا من النظريات الطبية الإسلامية قد فقدت أهميتها العلمية. فإن معظم أقوالهم في التشريح ووظائف الأعضاء قد تجاوزها العلم الحديث. ولكن جوانب أخرى لا تزال مهمة ولكنها في حاجة إلى الدراسة المعمقة لتبين مظاهر الجدة والحداثة فيها. ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الجوانب الخاصة مثل طرق حفظ الصحة ومسألة التغذية ومسألة الأدوية النباتية. على أننا نريد أن نترك جانبا هذه المسائل الخاصة لنعني بجانبين نراهما على قدر كبير من الأهمية.
أ- الجانب التاريخي:
لقد كون الطب الإسلامي حلقة أساسية في تاريخ تطور الطب ضمن المسار الحضاري الإنساني، بل يمكن لنا القول، جازمين أنه لولا الإسهام الإسلامي في الدراسة الطبية لكان الناس اليوم على غير ما هم عليه من مستوى!؟ البحث متطور. ولكن الدارس يلاحظ باستغراب كبير غلبة الغفلة والتجاهل على مؤرخي العلوم الأوربيين المحدثين اليوم لأنهم يحذفون في تاريخاتهم المرحلة العلمية الإسلامية فكأنها لم تكن، وإذا هم سخوا عليها بالذكر اعتبروها مجرد مرحلة وسيطة بين المرحلة العلمية الهلينية ثم البيزنطية والمرحلة الأوربية الحديثة، فإن العرب في نظرهم كانوا مجرد نقلة جماعيين قد اكتفوا بالترجمة والتبويب ولم يكن لهم فضل ابتكار أو سبق. ولا شك أن هذا كله يجد الآذان المصغية والمواقف المؤيدة ما لم تخلص الدراسة العربية الإسلامية من المواقف العاطفية وتنصرف إلى النصوص المخطوطة لنشرها محققة ودراستها دراسة موضوعية علمية منهجية دقيقة؟ على أن ذلك لا يكفي. إذ لابد من الانكباب على دراسة التراث الطبي الأوروبي بداية من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي للبحث في ظاهرتي التأثر والتأثير بين الثقافة الطبية العربية الإسلامية والثقافة الطبية الأوربية ذات اللسان اللاتيني.
فإن الدراسة المعمقة للعلاقات بين الثقافة الطبية الإسلامية والثقافات السابقة لهما واللاحقة لها هي الكفيلة بإبراز المنزلة الحقيقية التي تتنزلها الثقافة الطبية الإسلامية في تاريخ العلوم عامة ثم في تاريخ الحضارة الإنسانية. نريد أن نؤكد هذه الحقيقة تأكيدا لسببين رئيسيين: أولهما إظهار حقيقة إسهامنا في الحضارة الإنسانية أمر يعنينا نحن قبل أن يعني غيرنا وخاصة الأوروبيين الذين يعتبرهم الكثيرون من باحثينا طرفا ذا قدر من العداء لنا، والحق أن الأوروبيين اليوم لا يعنون بأمر تاريخ علومهم كثيرا لأن تقدمهم العلمي الحديث في يشغلهم عن ذلك. وثاني السببين هو أن حقيقة الصلات بين التراث الطبي الإسلامي والتراث الطبي الأوروبي اللاتيني مازالت غامضة الجوانب مجهولة المظاهر والأبعاد وذلك لأن النصوص الطبية الإسلامية المترجمة في القرون الوسطى إلى اللاتينية أو إلى العبرية أو إلى اليونانية أو إلى القشتالية الإسبانية قد نشر كثير منها أثناء القرون الخامس عشر والسادس والسابع عشر ثم توقف نشرها وكادت تنمى تماما، أما البعض الذي لم ينشر من قبل فإنه لا يزال حتى اليوم مخطوطا. وليس لنا أن نلوم الأوروبيين على نشر نصوصهم وحال نصوصنا الأصلية كحال نصوصهم لا يزال معظمها دفينا في المكتبات العامة أو الخاصة على فرق ما بين حاجتنا إلى نصوصنا وغناهم عن نصوصهم.
يضاف إلى هذا أن التراجمة الأوروبيين لم تكن لهم دائما الأمانة التي كانت لتراجمة العلوم اليونانية إلى العربية. فلقد نشطت حركة الترجمة الأوروبية في عصر كانت فيه الأهواء الصليبية جياشة والعصبيات الدينية مستفحلة، وذلك يعني أن المترجم كان لا يجد حرجا أحيانا عندما ينتحل نصا فينسبه إليه أو يغير من نص تغييرا منكرا. ولنا على هذا كله مثال جيد للاستدلال هو أبو جعفر أحمد بن الجزار القيرواني في علاقته بمترجمه قسطنطين الأفريقي. فقد ترجم قسطنطين من كتاب ابن الجزار "زاد المسافر وقوت الحاضر" و "الاعتماد في الأدوية المفردة" و "المعدة وأمراضها ومداواتها" و "مقالة في الجذام " وانتحلها جميعا فنسبها إلى نفسه ، ثم السطو على نظرية طبية إسلامية لم يكن في عالم تغلب عليه الشحناء- غريبا مستنكرا ويمكن أن نستدل على ذلك مطمئنين بمآخذ ميخائيل سرفاي  عن شرح "تشريح القانون لأبي الحسن علي بن النفيس  في الدورة الدموية الصغرى. فلقد أخذ سرفاي بنظرية ابن النفيس ونقلها حرفيا في كتابه CHRIST-IANSMO RESTITUTIO) الصادر بفيينا سنة 1553م.
ومهما يكن من أمر فإن التراث الطبي الإسلامي مازال مصدرا أساسيا للدراسة التاريخية الحضارية في نطاق توضيح الرؤية في التاريخ لفترة من الزمن غير قصيرة هي الفترة الحضارية الإسلامية في صلاتها بالحضارات التي أثرت هي فيها.
2- الجانب اللغوي:
وهذا أيضا مظهر أساسي نعتقد أن التراث الطبي مازال يقدم له العون الكبير، وخاصة اللغة العربية التي كانت لغة ذلك التراث الأساسية. فإن العربية اليوم قد رجعت إلى الحالة  التي كانت عليها في القرن الثاني ثم في القرن الثالث الهجريين، أي لغة متلقية متأثرة تحتضن النصوص المترجمة وخاصة من اللغة اليونانية. ولقد أصابتها هذه الحالة منذ بدايات القرن الميلادي الماضي، وهي لما تنقه بعد. فإن العرب- كشأن المسلمين عموما- مازالوا ناقلين- في مجال العلوم عامة- غير مبدعين، ولا يمكن للغة العربية أن تصبح لغة علاجية بحق إلا إذا عبرت عن ابتكار أهلها في علم ما من العلوم أو في العلوم جميعا.
فالعربية اليوم إذن لغة ناقلة، أو هي لغة منقول إليها. ولعل من أغرب الأمور المشاهدة في مجال نقل العلوم عامة- ومصطلحاتها خاصة- انطلاق النقلة والمصطلحين في الغالب من النقطة الصفر وكان العلم الذي تنقل مصطلحاته حديث الظهور وليس للعربية فيه إسهام مصطلحي قديم. وهذا يعني أن ساعات طوالا تقضى في، مناقشات ومحاولات حول هذا المصطلح المقترح أو ذاك في ندوة ما من الندوات المصطلحية وهي في الحقيقة وقت مهدور وجهد ضائع لأن المتخاذلين يجهلون المصطلح العربي الدقيق الذي اتخذ حيزه في الثقافة العلمية العربية وفي الرصيد المعجمي المصطلحي العربي.
وما يقال عن الطب في هذا السياق أجدر بالعناية لأن التراث الطبي في اللغة العربية كان أغلب منزلة وأظهر مكانة، ولذلك فإن الرصيد المصطلحي العربي في مجال الطب والصيدلة والعلوم الطبيعية ذات الصلة بهما على قدر كبير من الاتساع والإتقان. ولا شك أن جمع ذلك الرصيد من مظانه جمعا منهجيا دقيقا ووضعه في معجم علمي مختص وضعا معجميا مصطلحيا محكما يذللان من مشاكل المصطلح الطبي العربي الحديث ما لا يستهان بعدده. ولكن أني لنا ذلك ونحن لم نعن بعد بالمعجم التاريخي الذي يجمع شتات اللغة في مختلف عصورها وأمصارها وعلى الخلاف مجالات استعمالها ومستويات رصيدها؟ ولكن كيف لنا أن نضع ذلك المعجم التاريخي الشامل والمخطوط من التراث العربي الإسلامي أكثر بكثير من المطبوع الذي لم تراع فيه دائما مناهج التحقيق العلمي ؟
واعتقادنا أن أول مرحلة ينبغي أن تنجز في الاستفادة من التراث الطبي العربي الإسلامي هي فهرسة الرصيد المصطلحي الطبي والصيدلي العربي فهرسة منهجية محكمة التنظيم بالاعتماد على جميع المظان المتوفرة، مخطوطة كانت أو مطبوعة. على أن هذا العمل لا يغني عن عمل آخر هو أعم فائدة وأكثر جدوى لعامة التراث الطبي الإسلامي، ونعني به تحقيق نصوص هذا التراث ونشرها على الناس حتى يفيدوا منها ويفيد منها العلم الحديث. فإن الناس يتكلمون عن التراث الطبي الإسلامي ولا يعرفون من نصوصه إلا النذر القليل. وليس ذلك بمنته إلى نتائج علمية يطمئن لها.



الطب الإسلامي(نظرة على وضعه الحالي وعلى مستقبله)
 
الدكتور / عبد الرحيم حجازي
فرنسا
كان الطب الإسلامي يعتبر حتى نهاية  الخامس عاثر، طبا كاملا لا معادل له، وكان للأطباء المسلمين شهرة واسعة، كما كانت المستشفيات  وكليات الطب مثلا يقتدي به كمستشفى العضدي في بغداد، ومستشفى النوري في دمشق والمنصوري في القاهرة (1). وكان الأوربيون ينظمون مستشفياتهم ومدارسهم على ذات النمط. وكانت المؤ لفات الإسلامية تحتل مكانة بارزة في برامجهم الدراسية، وذكر على سبيل المثال مدارس ساليرن ومونبليه وباريس (2). كما كان ابن سينا يدعى (أبو الأطباء) (3)، وكان لكتاب الحاوي للرازي قيمة كبيرة، كما أنه حين وقع ريتشارد قلب الأسد مريضا، طلب طبيبا مسلما لمداواته، فأرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص.
لكنه فيما بعد، أخذ الطب الأ وروبي المكانة الأولى: فاكتشف (باستور) الجراثيم، واكتشف (فليمينغ) البنسلين، ومن اكتشاف إلى اكتشاف، تطور هذا الطب، ونسي العالم ابن سينا والرازي وغيرهما من العرب وأصبح كبار الأطباء حاليا يدعون بالبروفيسور بار ناد، وشار نلي وكاكا... أما كليات الطب الموجودة حاليا  في الدول الإسلامية فهي نسخة عن المدارس الأوروبية، تعلم فيها نفس المواد، حين تمرض شخصية إسلامية، فلا تداوى بالقاهرة أو في دمشق أو بغداد، بل إنها تعالج في باريس أو في لندن ن أو في نيويورك أو بوسطن.
وللحقيقة فإن مسئولية هذه الحالة لا تقع على أحد. إذ إن هناك شروطا تاريخية اجـتماعية، اقتصادية وسياسية لم تتح للمسلمين الاشتراك في النهضة الطبية. وقد حصلت منذ نهاية القرن التاسع عشر محاولات عدة للخروج مت هذا الطريق المسدود، ولكن للأسف أصيبت كلها بالفشل.
إن حل هذه المشكلة ليس بالمستحيل، فالغرب لا يملك العلم وحده، ولا له عليه احتكار. إذ إننا نجد علماء مسلمين يعملون في الغرب إلى جانب العلماء الغربيين، كما أننا  نجد في الدولة الإسلامية مراكز صحية هامة وأطباء ذوى قيمة كبيرة. لكننا نستنتج أيضأ أن أهداف هذه المراكز ليست متكاملة مع بعضها البعض، بل إنها في أكثر الأوقات متضاربة. وإن طرح موضوع مستقبل الطب الإسلامي في حد ذاته خطوة هامة نحو الشعور بقوة هذا الطب وأهميته. وباستطاعة هذه الخطوة أن تتعدى الصعوبات وأن تمحو التناقضات وأن تحسن البناء حتى يصل الطب الإسلامي إلى هدفين:

أولأ: أن يصبح ذا جودة كبيرة لا خدمة الشعوب الإسلامية
ثانيا: أن يحتوي هذا الطب على علماء، أطباء وباحثين، ذوي علم واسع، كي يشكلوا بأعمالم وبحوثهم، مساهمة المسلمين بالتطور العلمي، وكي يصبح، للمسلمين مكانة ومركز في منصة الشعوب التي ساهمت بتقدم وتطوره ا لإنسا نية.
ليس من هدف هذا البحث تقديم برنامج أو مخطط للوصول إلى هذه الأهداف. إذ إن مستقبل الطب الإسلامي يدخل ضمن مخطط واسع: فالطب لا يمكن أن يتطور وحده دون غيره من العلوم لكننا سنحاول طرح بعض الأفكار التي  إن تحققت، قد تساهم في تطور هذا الطب. تتعلق هذه الأفكار بنواح ثلاث:
- تنظيم المراكز الطبي.
- الأطباء العاملون في هذه المراكز.
- مركز الأبحاث والدعاية.
أ- تنظيم المراكز الطبية:
إن نظرتنا  لمستقبل الطب الإسلامي نرى نوعين من المراكز.
- المستشفيات العامة والمستوصفات ودوائر الممرضات حيث تداوي الأمراض العادية طبية كانت أم جراحية.
- مراكز للعلاج والبحوث الصحبة: يحتوي كل مركز من هذه المراكز على أقسام عدة، كل قسم منها له اختصاص معين، مزود بأحدث المعدات، ومجهز بآخر الاختراعات  في مجاله، كي يبقى كل قسم في الطليعة، وفي جميع المجالات أكان ذلك في مجال تطعيم الأعضاء أو في مجال الجراحة القلبية.ويلعب كل قسم من هذه الأقسام دورا هاما في تشكيل جيل جديد من الأطباء والباحثين، ويقوم هؤلاء فيما بعد، ببناء مراكز جديدة وتشكيل أجيال أخرى.
ب- الأطباء العاملون:
يعمل في كل قسم فريق طبي يعين أعضاؤه من قبل مؤسسة خاصة (نشرح دورها في الفترة ج) لكل فريق رئيس يهتم بمتابعة أعمال الأطباء والباحثين وتنسيق جهودهم. أما الأعضاء الآخرون، فهم أطباء شباب، خريجو  أحسن الجامعات وأشهرها، ولهم خبرة طبية كبيرة وصلات وثيقة مع باحثي الجامعات والأقسام التي عملوا بها. ويتجدد هؤلاء الأعضاء مرة كل أربع أو خمس سنوات هذا  التجدد  يعود بالفائدة الكبرى على القسم إذ إنه يحمل في طيه دما جديدا وخبرة جديدة مما يسمح للقسم معرفة آخر ا التطورات، وللعاملين فيه متابعة الجهود بالطريق الصحيح.
وإلى جانب هذا الفريق الطبي على  القسم أن يحوى فريقا من الباحثين. وللحقيقة فإن الفريقين يتكاملان:
فمشاكل كل فريق الأطباء تجد شرحا  لها عند فريق الباحثين، كذلك فإن مكتشفات الباحثين، تلاقي مجالا للتطبيق عند فريق الأطباء. ومثل بسيط على ذلك: إن اكتشافات فريق علم الأنسجة تفيد حتما فرق تطعيم الأعضاء، كذلك فإن علم تحريك الدم له صلة مباشرة بجراحة القلب.
إلى جانب هذين الفريقين من الأطباء، نود أن نشدد على أهمية فرق الممرضات والعاملين حول فريق الأطباء.
    إن قيمة عمل هذا الفريق تتعلق بدراستهم الأولية  وتتعلق أيضأ بإكمال هذه لدراسة، بدراسات أخرى  دائمة وإلا فإن عمل هذا الفريق يصبح ترديد. حركات لا معني، لها.
ولكي يكون عمل الأطباء والباحثين، والممرضات عملا فعالا فمن الواجب أن يكون هناك فريق تقني ذو مستوى عال. فالطب كغيره من العلوم أصبح يستعمل الإلكترنيك والكمبيوتر، لذلك فإنه من اللازم أن يكون هناك فريق تقني يعرف جيدا استعمال الآلات الموجودة، وكذلك تركيبها وتحضيرها مما يتيح له حل المشاكل التي قد تعترض فريق الأطباء أو فريق الباحثين. وباستطاعة هذا الفريق أن يكون صلة الوصل بين الفرقاء المعنيين كالأطباء وعلماء الفيزياء وعلماء الكيمياء وغيرهم.
ج- المركز الطبي للأبحاث والدعاية:
أهداف هذا المركز عديدة:-
ا- البحث عن الطلاب المسلمين البارعين والمتفوقين، في الجامعات المختلفة ومساعدتهم- هذه المساعدة قد تكون مساعدة شخصية، نفسية، وعلمية أو مالية.
2- عرض مراكز على من ينجح منهم، ومن يصل إلى مستوى علمي عال، وإعطاؤهم الاختيار لوجود مراكز عديدة، تحتوي على أقسام مختلفة. ويعترض هذأ الاختيار وجود مراكز عديدة، تحتوي على أقسام مختلفة في أكثر من بلد.
3- خلق أعمال وأبحاث مشتركة بين المركز الإسلامية ومؤسسات علمية أجنبية، إما بشكل اشتراك علماء مسلمين يختارهم المركز، في أعمال المؤسسات الأجنبية، أو طرح مشروع بحث يهم المركز، أو اشتراك علماء وأجاذب في أعمال الباحثين المسلمين، بواسطة منح دراسية من قبل المركز.
4- خلق " جائزة علمية" لها قيمة مالية كبيرة، تعطى مرة كل عام إلى عالم أو باحث. ومن الأفضل إعطاؤها في البداية إلى علماء أجانب مشهورين. وتعطي لهذه الجائزة العلمية يوم توزيعها، دعاية كبيرة في جميع أنحاء العالم، وعلى جميع المستويات. وحين يصير، لهذه الجائزة شهرة عالمية، تعطى تدريجيا إلى علماء مسلمين، مما يعطيهم شهرة ومعرفة، ويفتح لهم أبواب المؤسسات الأجنبية ويشجع الجيل الطالع الفتي كي يتبع خطواتهم.
حين يتحقق هذا المخطط بأوجهه العديدة تكون من نتيجته خلق نواة من الباحثين والعلماء الذين سيخرجون بدورهم عناصر أخرى من العلماء والباحثين. وسيعطي تكاثر هذه العناصر تيارا علميا قويا. وقد أثبت التاريخ أنه في داخل هذا التيار، نجد عناصر أذكى من الأذكياء، وعلماء لا معادل لهم، ممن يعملون ويكتشفون وينشرون اكتشافاتهم، وستشارك هذه الاكتشافات الإسلامية بتقدم الطب وتطوره. هؤلاء العلماء، وهذه اكتشافات سيسمحون للطب الإسلامي باحتلال مراكز هامة في منصة الشعوب التي تساهم في تقدم الإنسانية وحضارتها.
المراجع
ا- دكتور أحمد عيسى بك: تاريخ المستشفيات (البيمارستان) في العصر
الإسلامي. مؤتمر القاهرة الطبي لاحياء ذكرى مستشفى المنصوري. القاهرة 1928 م.
2- دكتور عبد الرحيم حجازي: الطب الإسلامي: عامل أساس في خروج أوربا من عصر الظلام. مؤتمر الطب الإسلامي الأول. الكويت 1981 م-
3- دكتور اندريه سوبيران: ابن سينا: أمير الأطباء أطروحة طبية.- جامعة طب باريس 1935.
4- ج- ك- ساباتية: بحث تاريخي عن جامعة بارير للطب. منشورات باييار. باريس 1837. 




الطب الإسلامي(الوضع الراهن و التوقعات المستقبلية)
 
الدكتور/ غلام محمد كريم
جنوب إفريقيا

مقدمة:
الطب الإسلامي هو من أشهر ما عرفه الغرب عن التراث الإسلامي. فلم يهل القرن التاسع الهجري إلا وكان العرب يفاخرون بما لديهم من مدارس حديثة لتعليم ا (طب ومستشفيات متخصصة لعلاج مختلف الأمراض. والعرب هم الأصل في نشأة علم العقاقير (الأقرباذين) كما يرجع إليهم الفضل في قيام المنهج التجريبي في الطب باستخدام الحيوانات (1).
وكانت الحقائق العميقة التي تضمنها القرآن والحديث هي الدفعة القوية وراء تطور الطب في الإسلام؟ إذ كان الطب يعتبرمن الأشياء المقدسة لنشأته عن الرسول نفسه (2).
  وبما أن التطور الثقافي والفكري لأي مجتمع من المجتمعات يعتمد على استقراره السياسي وتقدمه الاقتصادي والتزامه بعقائده، أي بحميته الدينية، فلقد عانى القلب في البلدان الإسلامية من نفسه المصير الذي غشى مجتمعات هذه البلدان، فمع زوال الهيمنة السياسية كانت هناك فترة انحسار تلتهما فترة ركود دامت طوال السبعة قرون الماضية.
ومع تقدم بلدان العالم الثالث وتطور التصنيع فيها وما يرافق ذلك من تحديث وسائل الإنتاج واستخدام التكنولوجيا الغربية، فمن المحتم أن تظهر في هذه البلدان كثير من المشاكل التي تفرزها نظم الغرب. ويتضح هذا بصفة خاصة من انتشار أنماط من الأمراض ترثها الدول النامية عن الدول المتقدمة.
ولقد اضطرت معظم البلدان  الإسلامية تحت ق وطأة الحكم الأجنبي المستعمر إلى اتباع نظم التعليم المطبقة في   الغرب، واعتماد النظم الأجنبية في إعداد الأطباء وغيرهم  ممن يعملون في مجال الخدمات الطبية.
وفي مجال العلاج أيضا نجد أنه من الطبيعي، في ظل هذه الظروف أن تنقاد هذه الدول النامية لنفس الوسائل العلاجية التي يطبقها الغرب، مع تعارض الكثير منها مع مبادى الطب النبوي التي أوصى بها القرآن وأوصت بها السنة النبوية.
وبما أن معظم من يمارسون الطب أو يعملون في المجال الصحي يتلقون تعليمهم في الدول الغربية، فقد سادت نظرة الطب الغربي إلى العالم من المنطلق الدنيوي، الإنساني البحت، بينما ينظر الطب الإسلامي إلى العالم من منطلق ديني يركز على ما يتفق مع تعاليم القرآن وأحاديث، الرسول.
    أ- الطب :
من المسلم به أن كثير من الأمراض التي تؤدي إلى الأسباب الرئيسية للوفاة في الغرب تنشأ بفعل الإنسان نفسه، ويمكن تصنيف هذه الأسباب كما يأتي:-
أ- الأمراض القلبية:Cardiovascular
النوبات القلبية والسكتات وارتفاع ضغط الدم.
2- أسباب تتعلق بامتصاص الغذاء وتمثيله (الأيض): Metabolic
السكر، والنقرس وحصوات الكلى والمرارة وارتفاع نسبة الدسم في الدم.
3- أسباب تتعلق بالتنفسRespiratory 
انتفاخ الحويصلات الرئوية والالتهاب الشعبي المزمن بسب تلوث البيئة.
4- أسباب تتعلق بتكون الأورام:، Nepotistic
ثبت أن السرطان يتسبب بفعل مؤثرات: خارجية كالإصابة بسرطان القولون بسبب نقص الألياف في الغذاء، وانتشار سرطانات المعدة بين اليابانيين بسبب عوامل غذائية،وكذلك سرطان المريء بين سكان ترانسكانيا في جنوب أفريقيا. أما سرطان الكبد فقد أمكن عزوه إلى مادة مسببة للسرطان توجد في المنتجات الغذائية من القمح والذرة. ويتعرض كثير من الهنود والباكستانيين الذين يمضغون أوراق التانبول (نبات متسلق) للإصابة بسرطان اللسان. ويعزى سرطان الرئة لتدخين السجائر وتلوث الهواء، وقد ثبت مؤخرا أن سرطان البنكرياس يحدث نتيجة للإفراط في شرب القهوة. ووجد أحد الباحثين من جنوب أفريقيا أن هناك؟ علاقة بين سرطان المبايض عند النساء وبين النواحي الغذائية، كما أن المواد التي تضاف للمنتجات الغذائية لحفظها أو تلوينها تتهم هي أيضا بأنها وراء الإصابة بالسرطان. 
5- أسباب تتعلق بالعدو ى: Infective
يتعرض سكان المناطق التي تعاني من نقص في العناصر الغذائية أو عدم توازن هذه العناصر لارتفاع نسبة الإصابة بأمراض تتعلق بالجهاز التنفسي التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى الوفاة بسبب التهاب المعدة والأمعاء وتليف الكبد. وكما نرى فإن الأسباب الرئيسية للمرض والوفاة تتعلق بنواحي غذائية مما دعا الإمام الذهبي (0) إلى القول أن الطب كله قد اشتملت عليه نصف آية قرآنية هي (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) (7: 31).
وقد جاء ذكر الإصابة بالأمراض بسبب من الحقائق المسلم بها منذ أقدم عصور هذا الطب (6).
وكان التعريف الغربي للغذاء المتوازن حتى الثمانينات  من هذا القرن، هو: " نظام الغذاء المتوازن هو ذلك الذي يتكون من الأطعمة وأسباب المحافظة على الصحة الجيدة ".
ولم يعتبر هذا التعريف جامعا مانعا، لأنه لم يشر إلى النسب الواجب توفرها في العناصر الغذائية، مما دعا إلى إعادة صياغة التعريف على النحو التالي:
" نظام الغذاء المتوازن هو ذلك، الذي تتوفر فيه " جميع العناصر الغذائية الضرورية (مما لا يؤذي البدن) بأصلح النسب والكميات لنمو الإنسان، إلى جانب أسباب المحافظة على الصحة الجيدة ".
ومع ذلك فإن هذا التعريف لا يتفق مع السنة؟ حيث يؤكد القرآن على أهمية الاعتدال في تناول الطعام، وذلك ما يؤكده الحديث الشريف في تقسيم) المعدة إلى ثلاث أجزاء متساوية: ثلث للغذاء وثلث للماء وثلث للهواء. ويوضح الحديث أيضا هذا الجانب من الاعتدال في الأكل عندما ما يقول: إن المعدة هي بيت الداء وإن الإفراط في الطعام يؤدي إلى الكسل وتبلد الذهن.
وما زال هناك الكثير مما يجب عمله نحو نشر الوعي بالقواعد الغذائية التي جاءت بها السنة للوقاية من الأمراض، وتشتمل هذه القواعد حتى على الوضع الذي يجب أن يتخذه الإنسان أثناء تناول الطعام، كأن لا يأكل وهو مستند إلى جدار أو مضطجع على أريكة أو فرش. ومن هذا) القواعد أيضا أن يشرب الإنسان الماء على رشفات متأنية، وأن يبعد الأحذية عن مكان تناول الطعام وأن يبسمل قبل الأكل. وليست البسملة مجرد اعتراف بفضل الله وكرمه، بل إنها تحمي الإنسان أيضا من آثار الطعام الضارة بصحته، وـقد علمنا نبينا الكريم آداب المائدة حيث كان العرب أيام الجاهلية يزدردون الطعام ويفرطون قي تناوله.
وقد نصت أوائل السور في القرآن على فربضة الصيام، كما خرفت على الإنسان أنواع معينة من الأطعمة كلحم الخنزير الذي ثبت مؤخرا أنه يحتوي على مواد دهنية عسرة الهضم تؤذي جسم الإنسان بيان هذه السور القرآنية هو: 2: 174-5: 4،5،119، 125،146-16: 116)
والمياه الغازية (الكوكاكولا وغيرها) هي أيضا من المواد المؤذية لاحتوائها على الكافيين. وهي ليست أفضل من الماء النقي النظيف الذي يقول عنه القرآن إنه رحمة من الله لبني البشر 8).
     - طب الأطفال:
في مجال طب الأطفال ثبت مؤخرا أن العوامل الغذائية تلعب دورا رئيسيا حتى في الوقاية من الإصابة بالأمراض القلبية وما يتصل بها من أمراض  أخرى وعاد الغرب إلى الاعتراف بأهمية الرضاعة الطبيعية من ثدي الأم، بعد أن قامت الدلائل على فوائدها في التقليل من التعرض للإصابة بالأمراض وتحصين الطفل ضد أمراض كثيرة، كما ثبت أن النمو الجسماني والعقلي للأطفال الذين يتناولون  رضاعة طبيعية كان أفضل بكثير من أولئك الذين يتناولون رضاعة صناعية. وقد أكد القرآن على أهمية الرضاعة الطبيعية للطفل حيث نقرأ في سورة البقرة (آية 234) أن فطام الطفل يجب ألا يتم قبل عامين. وإذا لم تتمكن الأم من إرضاع طفلها لأي سبب من الأسباب فعليها بالمرضعات لذلك يجب الحد من إغراق الأسواق بالأطعمة الصناعية، وترويج هذه الأطعمة في دول العالم الثالث عن طريق الحملات الإعلانية المتتالية
ب- طب الأسنان:
إن في استخدام المسواك لدلالة كافية على أهمية اتباع العادات الصحية، ويمكن تلخيص الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول لكي عن فوائد المسواك بأنه يعطر الفم ويقوي اللثة والأسنان ويذيب الرواسب والبلغم ويفتح المعدة أي يفتح الشهية للأكل. واستخدام المسواك نوع من العبادة ترضي الله وملائكته، ولم يأت أطباء الأسنان في عصرنا الحديث بما هو أفضل من المسواك (9). ولا يحتاج المرء لشجاعة كبيرة لكي يقول إن معالجة ماء الشرب بالفلورايد  كما هو متبع في الدول المتقدمة مع المخاطرة بإمكانية حدوث آثار جانبية ضارة ما كان ضروريا لو اتبعت القواعد الصحية بالنسبة للأسنان كما أمرت بها السنة. وهذا مثل حي على أن الغرب بدلا من أن يتجه إلى علاج الأسباب، يعالج الأعراض بما يترتب على ذلك من آثار ضارة.
د- المخدرات السامة والإدمان على الخمر والتدخين:
يعاني الغرب من بلاء الخمر والمخدرات حيث أشاع الإدمان عليها الخراب في البناء الاجتماعي، وقضى على أرواح أكثر مما حدث في أي حرب ابتليت بها البشرية. ومع ذلك فإن الغرب لا يلقى بالا لما أمر به القرآن الكريم بأن كل ما يذهب العقل رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه.
وتتضح لنا معجزة القرآن كأداة للتغيير الاجتماعي عندما نستعرض ما حدث عندما نزلت الآيات التي تحرم الخمر فبعد لحظات من صدور هذا الأمر القرآني امتلأت شوارع المدينة المنورة بالخمر المسكوب، وتم هذا الإنجاز الرائع على أساس الإيمان وحده. بينما ينفق الغرب الملايين في محاولة علاج مدمني الخمر والمخدرات، ولا يفعل شيئا حيال تغيير الوضع النفسي والروحي لهؤلاء المدمنين، أو حيال البيئة الاجتماعية غير الإسلامية التي تفرز أمثالهم. وهذا العامل الأخير يعلل حالات النكوص الكثيرة التي تحدث لمن يبرءوا لفترة من آفة الإدمان، حيث ينحصر العلاج فيهم ولا يتعداهم إلى العوامل الاجتماعية التي تدفعهم إلى هذا الإدمان.
ويحق للمسلمين أن يفخروا بهذا الإنجاز الذي ينبغي أن يكون مثالا يحتذي به العالم كله لحل هذه المشكلة التي تعصف بأرواح الشباب. ولكن المأساة أن الأطباء المسلمين ما زالوا يؤيدون الوسائل الغربية في علاج المدمنين. وتكتسب الدعوة لمنع التدخين في الغرب كل يوم زخما جديدا منذ أن أدرك الجميع أن الدخان والملوثات الأخرى تتسبب في الإ صابة بأمراض رئوية خطيرة بما في ذلك سرطان الرئة. وقد صدرت فتوى عن الشيخ السعودي محمد بن إبراهيم تقول بأن تدخين السجائر يتعارض مع ما جاء في السنة (10) وأن المسلمـين قد وقعوا فريسة لوسائل الأعلام الغربية التي تروج بالإعلانات للتدخين. ولذلك ينبغي على الحكومات الإسلامية أن توقف على الفور استيراد السجائر وتصنيعها.
هـ- طب الشيخوخة: Gynaecology
يرجع السبب في كثير من الأمراض التي يصاب بها كبار السن إلى أخطاء في نظام غذائهم. ويمكن في الواقع التخفيف من آثار عملية التقدم في السن باتباع نظام غذائي صحيح.
كما تعزى أسباب كثير من أمراض الطاعنين في السن إلى الإلقاء بهم في بيوت العجائز وافتقارهم إلى المشاعر الأسرية الدافئة. إن أي طاعن في السن في بلادنا الإسلامية لن يجد نفسه أبدا في موقف يعاني فيه من الانعزال والشعور القاتل بالوحدة، إذا أطعنا ما أمرنا به الله في القرآن الكريم من رعاية لكبار السن من ذوي القربى وإحسان للوالدين، وألا نقل لهما أف وأن نرحمهما فالجنة تحت أقدام الأمهات إلى آخر هذه الوصايا الإلهية.
     (تجد كل هذا في الآيات 6: 152- 17: 24، 25- 29: 9- 31: 15)
 و- علم أمراض النساء: Gynaecology
لقد ثبت انخفاض نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم بين النساء المسلمات بسبب ختان الذكور. كما حرم القرآن أي اتصال جنسي بين الأزواج أثناء فترة الحيض.
 
يقول البروفيسور بدري إن القرآن هو أفضل كتاب متوفر حتى الآن عن علم الجنس، وقد حرر المسلمين من عوامل الكبت التي تؤثر بالسلب على تطور المجتمع السليم، كما أنه حد كثيرا من الاندفاع في تيار الفسق والفجور (11) ويقول البروفيسور أنصاري إن الإسلام يعتبر الفسق وبخاصة الفجور الجنسي أخطر من جرائم القتل أو السرقة (12). 
ز- الحقائق المتعلقة بالموت: Thanatology
لا ينال هذا الموضوع من اهتمام كليات الطب في الغرب إلا القدر الضئيل (13) بينما كان الطب النبوي يصف  من قديم الزمان كيفية إعداد السليم للمحتضرين أو المصابين بأمراض لا شفاء منها (14).
ح- علم الأمراض الجلدية: Dermatology
لقد بلغ من أهمية النظافة الشخصية وطهارة الجلد أن نزلت في ذلك أولى الآيات القرآنية (15)، حيث إن بدن الإنسان هو أكبر عضو من أعضاء جسمه. ويقول ابن القيم إن عملية الوضوء يقصد بها إزالة الشوائب والاتساخات الخارجية باعتبار أن وجه الإنسان وبشرته هما المرآة التي يطل بها على الناس، بينما يقصد بالصلاة إزالة الشوائب والإضطرا بات الداخلية (16).
- التمرينات الرياضية والراحة:،Exercise and Rest
ذكرت التمرينات الرياضية والراحة ضمن المبادئ الستة الضرورية في مجال أسباب الأمراض وسبل الوقاية منها. وكان العلماء يعرفون منذ قرون طويلة مضت الفوائد الجسمانية للصلاة، وقد وصفوا الأوضاع المختلفة التي يتخذها المصلون وعلقوا عليها كما يلي:
إن للركوع والسجود تأثيرا على عودة الدم الوريدي للقلب وهما بذلك ينشطان القلب، بينما تعطى عضلات البطن والعمود الفقري التي تستعمل أثناء القيام حيوية وقوة للأوعية الدموية. والسجود يشفي من الصداع ( لأنه يساعد على التصريف) وما زال هذا المبدأ مستخدما في علاج احتقان الجيوب والتهابها.
على أن الفوائد النفسية هي أهم ما يعود على المصلي من صلاته. وسوف يتضح في هذا البحث أن الصلاة تسهم إلى  حد بعيد في المحافظة على الصحة النفسية والعقلية بين المسلمين.
يقول الإمام الذهبي إن الصلاة تذهب بالأفكار السوداء وتطفي نار الغضب والصراع والإحباط وتدعو الفرد لأن يذعن في خشوع لخالقه. والصلاة تكبح جماح غرور الإنسان بكل ما يدفع إليه هذا الغرور من شر، أي أنها تساعد على إزالة المواقف التي يستجيب فيها الإنسان لكل ما يثير أعصابه، تلك المواقف التي إذا تكررت كثيرا أنشأت في الجسم تفاعلا كيميائيا دائما يطلق هرمونا خاصا ثبت أنه يسبب ارتفاع ضغط الدم وزيادة إفراز الأنسولين مما ينتج عنه إجهاد غير طبيعي لجسم الإنسان.
       وهكذا فإن الصلاة لا تقي الإنسان شر الأمراض فحسب، بل إنها بتحقيقها للاستقرار تؤدي إلى أن يتخذ الإنسان مواقف إيجابية، بمعنى أن يعتمد الإنسان على الله في حل مشاكله ويطلب العون منه. وهذه الاتجاهات الإيجابية تساعد على إزالة معظم الاتجاهات السلبية كاليأس والانعزال والشك والاضطراب وحيرة العقل، وهي العوامل الرئيسية المسببة للاضطرابات العصبية التي تؤدي في مرحلة لاحقة إلى الشعور باكتئاب وهو أخف أنواع الأمراض العقلية التي يبتلى بها معظم الناس (17).
وكان محمد صلى الله عليه وسلم  يعرف جيدا ما للانفعال من تأثيرخطيرعلى صحة الإنسان، ويتضح هذا من الحديث الشريف الذي نصح فيه رجلا جاءه التماسا للنصيحة بألا يغضب أبدأ؟ وهذا ما يؤكده القرآن أيضا عندما يعد " الكاظمين الغيظ " (3: 134) بأن لهم الجنة. وفي حديث شريف آخر إن الغضب من الشيطان، وبما أن الشيطان قد خلق من النار فترياق الغضب هو الماء. لذلك يوصف الوضوء كعلاج للغضب، وهو علاج فعال وزهيد الثمن ومتوفر للجميع لوضع حد للتوتر العصبي دون اللجوء إلى العقاقير المهدئة التي تحتوي على  أضرار خطيرة. ومن مبادئ الطب النبوي أن يعالج المرض أولا باتباع نظام سليم للغذاء وباتباع السنة، ثم بالعقاقير وأخيرا بالصلاة دون أن يقتصر العلاج عليها. ويؤدي التوضؤ وإقامة الصلاة إلى جانب الاستعداد الذهني لها واستغراقه فيها إلى نمو شخصية الإنسان، حيث أن الصلاة ة تجعل الإنسان يتحلى بصفات التحمل والتسامح ونبل المشاعر.
إن عادة اللجوء إلى المهدئات التي تختصر في الغرب كوسيلة لحسم الصراعات النفسية والتوترات العصبية والمشاكل الذهنية لا تؤدي في واقع الأمر إلا إلى خلق مشاكل أكثر ولا تحل للإنسان أي مشكلة يعاني منها. وبينما يزدادا عدد المدمنين على هذه المهدئات يشير إصبع الاتهام إلى الأطباء لعدم اتخاذهم موقفا موحدا حيال مواجهة مشكلة هذه الأمراض وقد وصف النبي  أيضا علاجات فريدة لعلاج الحزن والهم والخوف وهى من أهم أسباب الاضطرابات العصبية فأوصى بقراءة آيات القرآن التي تعلم الإنسان كيف يلجأ إلى الله فى الشدائد ويطلب منه أن يحفظه ويرعاه. وهذا هو الأساس الآن في علاج الاضطرابات العصبية التي يسببها الإحساس باليأس وعدم الشعور بالأمن.
يقول القرآن إن ذكر الله يضفي السكينة على القلب "أ آلا بذكر الله تطمئن القلوب، (13: 38).
على أن أهم دور للقرآن هو الوقاية من الاضطراب العقلي وعلاجه، هو أخطر الأمراض العقلية. ولكي نقدرهذه العبارة حق قدرها فيما يتعلق بمجالات علم النفس في الغرب دعنا نرسم صورة موجزة عن تكوين الوعي من وجهه النظر الإسلامية.
 - علم النفس والعلاج النفسي:
كان النبي (صلى الله عليه وسلم ) أول من لاحظ المرض العقلي بشكل موضوعي على شاب يهودي (18) ويذكر للمسلمين ، بالفضل أنهم أول من أقاموا مستشفيات للأمراض العقلية كانت تعزف فيها الموسيقى لتهدئة نزلائها (20) كما أن المسلمين كانوا أول من نبذوا النظريات التي كانت تربط بين الأمراض العقلية وبين الشياطين والعفاريت، وبذلك ارتقوا بعلم النفس والعلاج النفسي إلى المستوى العلمي. ويكفي أن نستعرض بإيجاز النظريات الغربية الخاصة بعلم النفس لكي نفهم وجهة النظر الإسلامية التي تتعارض تماما مع هذه النظريات.
الأصل في كلمة سيكولوجيا (علم النفس) هو الكلمة اليونانية " سايكي psyche وتعني الروح. ولكن التعريف الحديث للسيكولوجيا يقرر بأنها دراسة السلوك الإنساني. وندرك على الفور أن علماء النفس المعاصرين قد انحرفوا بهذا التعريف عن الآراء الأولى التي كانت أقرب إلى المفاهيم الإسلامية ونحوا بها نحوا ماديا.
وقد استقى فرويد معظم آرائه من التلمود. وبطريقة شعورية أو لا شعورية نزل بالمذهب الباطني اليهودي إلى المستوى الدنيوي؟ إذ لا نزاع أن هذا المذهب كان قد احتل مكانا بارزا في تفكيره (22). وحيث إن فرويد قد طبع على أن يكون ماديا في تفكيره، وبما أن تعاليمه قوبلت باعتراض كبير فقد اختار يونج Juny بالذات ليخلفه  لكي يعطي الانطباع بوجود نوع من المصالحة بين علم النفس والدين.
           وقد استأصل علم النفس الحديث يونج من جذوره وأصبح علماء النفس المعاصرين من أمثال   موري وسكينر و روجرز يناصرون المعتقدات الدنيوية، وابتعدوا بذلك عن الحقائق التي بسطها القرآن والسنة فيما يتعلق بالعقل و- الروح والسلوك الإنساني.
يقول الأنصاري (23) إن شخصية الإنسان ذات أبعاد ثلاثة 
أ- بعد جسماني.
2- بعد نفسي.
3- بعد علوي يقع خارج نطاق الخبرة (ولكن ليس خارج نطاق المعرفة). Transcendental
وباستخدام القرآن كمصدر نفسر به تركيب الوعي (وهو مصطلح أنسب في رأينا من مصطلح الشخصية) يمكن أن نفترض الآتي:-
- ينقسم الوعي الإنساني إلى مستويات ثلاثة: هي في الواقع ثلاثة جوانب للروح ليست منفصلة أو متمايزة، بل بالأحرى متلاقية ومتفاعلة يتداخل كل منها في الآخر ويتعايش معه.
كما أن الروح ليست جامدة أو محدودة أو مادية في تكوينها، بل تتكون من ثلاثة مراكز حيوية ثلاثة هي:
ا- النفس الأمارة.
يقول القرآن الكريم:! إن النفس لأمارة بالسوء، (12: 53). وهي أدنى مراتب الوعي الإنساني حيث نجد سائر الغرائز الحيوانية والانفعالات والعواطف المختلفة كاشتهاء الأكل والجنس والعنف والجشع وكذلك انفعالات الحب والغضب والكراهية... الخ.
2- والمرتبة الوسطى: هي ما يمكن أن نطلق عليها " القلب أو كما سماها القرآن بالنفس اللوامة، وهي الضمير الإنساني أو المستوى العقلي المنطقي من الوعي الإنساني: ولا أقسم بالنفس اللوامة، (75: 2).
3- والمرتبة العليا هي الروح وهي أقرب المراتب إلى البارئ عز وجل فالإنسان قد صنع من طين ثم نفخ فيه الله من روحه( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا  من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من ر وحي فقعوا له ساجدين، (15: 28: 29).
ويعتقد البعض خطأ أن الروح والنفس مترادفتان. وسوف يتضح من الجدول المنشور أدناه أن هذا ليس صحيحا وإنهما متعارضتان تماما. فالروح نورانية سما وية وأقرب إلى الربانية، بينما النفس أقرب للبدائية أي الحيوانية، ويمكن تشبيهها بالصابورة أو الثقل وتظل تجرجر القلب وراءها إلى العالم السفلي.
وقد بنيت هذه الدراسة على مؤلفات المحاسبي (24) الذي يشبه النفس الأمارة بكتلة ثقيلة من طاقة مشتعلة تكاد  تكون نارا تؤجج الانفعالات من غضب وحب وعنف. وإذا لم يكبح القلب جماح ما تأمر به هذه النفسي فإنها تدمر نفسها والعالم أجمع. وظيفة الضمير أو القلب إذن هو توجيه هذه المرتبة الدنيا من الوعي الإنساني إلى سلوك أقوم، أي أن النفس اللوامة أو الضمير مسئولة عن تنظيم النفس الأمارة وتوجيهها، وبهذا التوجيه تساعدها على الارتقاء والتسامي إلى مرتبة النفس اللوامة. أما النفس المطمئنة فهي أعلى مرحلة يصل إليها المسلم في حياته الدنيوية المؤقتة حيث يعيش بحواسه كلها.
ووظيفة الروح هي الجذب إلى أعلى وهي ما يسميها الأنصاري (25). بعملية التزكية، أي تحويل الإنسان إلىالمستوى الملائكي أو الرباني، وهي تعمل على مستوى علوي خارج نطاق الزمان والمكان ، ويقسم نصر المعرفة الإنسانية إلى ثلاثة أنواع تعمل على هذه المستويات الثلاثة من الوعي:
ا- معرفة مكتسبة: وهى مبنية على نظام الاستجابة لمثير. ويتوفر هذا النوع من المعرفة لسائر الحيوانات ومعظم الكائنات الحية بما في ذلك النباتات والمعرفة المكتسبة تتساوى مع ما يسمى بالمعرفة النقلية، أي المعرفة التي يتناقلها جيل عن جيل .
2- المعرفة العقلية: وهي المعرفة التي تنشأ عن عمليات يقوم بها العقل لتكوين المفاهيم وغيرها.
3- المعرفة اللدنية:  Intuitional (وتقوم بها الروح وتتخذ شكل الإطعام والأحلام... الخ. وهذه المعرفة من النوع أبوي ولا يمكن وصفها بش!كل محدد، وتسمى بالذوق أو الحكمة (26" Sapiential Knowledge
تركيب الوعي ، من الأهمية بمكان أن نلاحظ أ ن الشخصية أو الوعي لا تتتهي بانتهاء الإنسان عند الموت، بل تواصل الحياة على مستوى زماني ومكاني مختلف.-
 
ولقلب يمثل مركز الوعي، أما النفس فتمثل المستوى الدنيوي أو الأرضي Mundane وهي مكان العواطف، أما الروح فهي توجد فيما وراء الزمان والمكان ولا تموت أبدأ، وتتحول بعملية التزكية إلى مكانة أعلى (انظر سورة الشمس: 9- 11) ووسائل الروح في هذه التزكية هي الصلاة والذكر والتسبيح.
وهذه الفرضية التي تقوم على أساس النظرية السيكولوجية عند المحاسبي (27) تتفق مع دعوى فضل الرحمن عن التأثير الشامل للتكنولوجيا المعاصرة على تنظيم ملكات الإنسان الداخلية، وينتهي إلى القول بأن هناك قوى نفسية ثقافية تعمل من خلال مواد كيميائية كالهرمونات على مستوى الأفراد والشعوب. وقد نجد هنا تفسيرا لتلك الروح الوثابة التي تميز بها المسلمون الأوائل، واستطاعوا بها أن يقطعوا شوطا بعيدا في طريق التوسع والتقدم، وأن يقهروا بها أراضى شاسعة تبعد آلاف الأميال عن الجزيرة العربية، كما تتفق هذه النظرية مع وجهة نظرنا عن السلوك الإنساني وكيف يمكن تنظيمه عن طريق التزكية (تطوير الفكر عن طريق العبادة).
وهناك تفاعل دائم بين مستويات الوعي الثلاثة، إذ يحاول كل منها السيطرة والتحكم في المستويين الآخرين، ولكن القلب أو الضمير يقف دائما من هذا الصراع موقف الحكم العدل.
وتحاول النفس الأمارة دائما منع القلب من الارتفاع إلى المستوى العلوي الذي تحتله الروح وتجر الإنسان إلىأشكال السلوك الدنيا كالعدوان والصراع من أجل البقاء... الخ. ويحاول القلب دائما تعديل هذا السلوك والارتقاء به إلى مستوى إنساني ينم عن الرحمة والتعاطف.
والانفصال بين القلب والنفس الأمارة قد يحدث نتيجة لمرض أو إصابة أوتناول عقاقير مخدرة أو الحياة في الظلام،أي الحياة في ظلام الكفر بالمعنى القرآني. ويؤدي هذا الانفصال إلى سلوك الجاهلية بكل ممارساتها البربرية المجردة من الإنسانية، أي أن الإنسان في هذه الحالة يعيش حياة حيوانية. ويطلق على هذا السلوك أيضا تعبير (السلوك العصابي " :) Neurotic وهو مجال علماء النفس المعاصرين، كما يقع أيضا في مجالهم رد الفعل الناشئ عن التفاعل بين القلب والنفس الأمارة، وهذا التفاعل يؤثر على النفس فيما تفعله إما بالسلب أو الإيجاب فتسلك سلوكا حسنا أو سيئا.
أما إذا حدث انفصال بين القلب والروح فإن هذا يؤذن ببدء مرض نفسي خطير يطلق عليه علماء النفس مصطلح " الذهان " أو التشوش النفسي، وما زالت هناك أبحاث مكثفة في الغرب لتحديد أسباب هذا المرض على المستويين النفسي والكيميائي الحيوي.
وأكثر حالات التشوش النفسي انتشارا وأخطرها كذلك هي حالة الشيزوفرانيا أو انفصام الشخصية، وقد كانت هذه الحالة تبحث من قبل من منطلق العوامل الوراثية إلا أن مشكلة التوصل إلى تعريف واضح للمرض تجعل البحث في هذا المجال من الصعوبة بمكان، حيث تتنوع أعراض المرض من ثقافة إلى أخرى كما أن هناك تباينا في معايير التشخيص (29). وكان من أنجح الطرق الكيميائية الحيوية لدراسة الشيزوفرانيا استخدام عقاقير مؤثرة عقليا لبحث تفاعلات جهاز الإرسال العصبي في المخ، وقد وجدت عقاقير معينة بإمكانها إحداث تغييرات مشابهة لأعراض المرض ومنها الأمفيتامين Amphetamine بينما توجد مركبات مهدئة أخرى ومنها مركبات الفينوثيازين Phenothiazines تحمل على الاعتقاد بأن تفاعلات الدوبامين Dopamine في المخ هي المسئولة عن هذا المرض (30) ومن الأمور المعروفة بين المتصوفين في الإسلام أن هناك حالات معينة سن التسبيح والذكر تؤدي إلى الانفصام العقلي. وكان أول من وصف هذه الحالة وصفا علميا في المجلات العلمية الغربية هو الدكتور سو بود Subud وهو من إندونيسيا. لذلك سميت هذه الحالة عند المتصوفين باسم الذهان السوبودي ويعني هذا ضمنيا أن التسبيح يعمل على محور الروح والقلب، وهو نفس المحور الذي يعمل عليه الوحي أو الإلهام وكذلك الأحلام.
وقد اتضح مؤخرا أن الأحلام تلعب دورا حيويا في الاستقرار العقلي عند الإنسان. وقد عرف النبي (صلى الله عليه وسلم ) هذه الحقيقة من خلال القرآن، حيث يوضح القرآن أن الليل قد جعل لراحة الناس، وبالرغم من أن دراسة تفسير الأحلام ما زالت تحبو إلا أن علماء المسلمين كتبوا في هذا الموضوع رسائل كثيرة منذ قرون عديدة مضت.
والأحلام هي إحدى وسائل الاتصال بين الله وبين خليفته على الأرض، فلقد خلق الإنسان ليكون خليفة الله في أرضه، وهو بذلك لا يتحمل مسئولياته تجاه خالقه فحسب ولكن تجاه بقية المخلوقات أيضا بما في ذلك بني جنسه من البشر، لذلك يستحق موضوع الأحلام هذا اهتمام الباحثين من المسلمين، وقد جاء ذكر الأحلام في مواضع كفرة من القرآن، نجدها على سبيل المثال في سورة يوسف (في الآيات 5، 45)، كما يتحدث القرآن عن رؤيا سيدنا إبراهيم (سورة 37: آية 105) وتبين آخر دراسة أجراها روسي (33) أن عملية الحلم عبارة عن حالة متغيرة من حالات الوعي.
 
ومن العوامل الأخرى التي تعمل على محور القلب والروح عامل الصلاة التي يصفها الحديث الشريف بأنها معراج المؤمن، أي المستوى الأعلى الذي يرتفع إليه المسلم عندما تصبح الروح هي الجانب المسيطر على وعيه، وكلمات الله قي قرأنه الكريم لها مفعول أكيد على التفاعل بين الروح والقلب، وقد برهن على ذلك أن الخليفة عمر (رضي الله عنه) اعتنق الإسلام عندما سمع أخته ترتل آيات من سورة طه. وهذا هو المعنى الذي تنطوي عليه الآية الكريمة( الله يهدي من يشاء)
- أما الآية التي حيرت المستشرقين والتي تقول ( ويضل من يشاء)
فهي تعني أن تفاعلا محددا لا بد وأن يحدث بين المستوى العلوي والمستوى السفلي من وعي الإنسان، قبل أن يصبح مسلما بالكلمة والعمل.
التوقعات المستقبلية:
إن للبحث في مجال الدراسات النفسية والعلاج النفسي أهمية بالغة، حيث لم ينجح علاج الأمراض العقلية وفق المفاهيم الغربية، إذ يقتصر العلاج على إخفاء أعراض المرض تحت قناع المهدئات والصدمات الكهربائيةECT ولقد تم التخلي عن هذه الوسائل حيث وجد أنها لا تؤدي إلى نتائج قاطعة. وحسب ما جاء في السنة، ففي الإسلام وسائل بكثير لعلاج الأمراض العقلية، ولا تؤدي هذه الوسائل إلى إراحة المريض من أعراض مرضه فحسب، بل إنها تعيد توجيه مراكز الطاقة لا النفس نحو المستويات العلوية للروح.
إن الدائرة التي تجمع القلب والروح تتطلب أن يتصف الإنسان بصفات النبل والأخلاق الحميدة وذلك بتنفيذ نص الحديث الشريف. " تخلقوا بأخلاق الله، أي أنه يجب على الإنسان أن يقتدي بأنبل قدوة خلاقها الله، كما جاء في آية الكريمة(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)9! 33: 21).
ومعنى ذلك أن الإنسان ينبغي أن ينسجم في أفعاله مع غيره من المخلوقات وأن يشع بالسلام والمودة وأن يقوم على خدمة الآخرين بدلا من الأنانية وخدمة الذات فقط.
المؤمن الذي يعمل على محور القلب والروح لن يفرط في طعامه وبذلك يحافظ على صحته حتى يتمكن من إزالة الظلم والعوز والجوع عن أبناء عقيدته.
ونقرأ في سورة بني إسرائيل (آية 83):( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ). والمؤمنون هم طبقة أعلى من المسلمين. وتثبت هذه الآية أن القرآن هو كتاب الشفاء.
ثم نقرأ في سورة المائدة:( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (آية 33). وتأمر الآية المسلمين بأن عليهم إنقاذ حياة من يتعرض للخطر. ومن ينقذ حياة إنسان فكأنه أنقذ حياة الناس جميعا.
ونقرأ الحديث النبوي الشريف: " ما خلق الله من داء إلا وخلق له دواء وفي هذا الحديث ما يحفز الأطباء على مضاعفة جهودهم في علاج مرضاهم وإنقاذ حياتهم.
ويقول الدكتور معطي الأمين كلاج إن الفضل كان يرجع إلى هذا الحديث الشريف في انطلاق العلماء المسلمين نحو البحث والتجريب لاكتشاف الجديد في دنيا العقاقير، وبذلك وضعوا الأساس لعلم الأقرباذين. وينبغي أن يظل هذا الحديث حافزا للأجيال الحاضرة والمستقبلة لبذل المزيد من الجهد في هذا المجال ("3).
ختاما أقول أن كل الدلائل تشير إلى ازدياد نسبة الإصابة بالأمراض العقلية في بلاد العالم الثالث تحت وطأة موجة التحديث واستخدام التكنولوجيا الغربية واتباع أساليب الحياة الغربية. وهذا الموقف يمثل تحديا أمام سائر المسلمين عليهم مجابهته لمحاولة التخفيف من آلام البشر جميعا وليكن للقرآن والسنة دور كبير في هذا المجال إن شاء الله. ويأمرنا القرآن في مواضع كثيرة بإطعام الجائع، مطلقا بذلك أعظم ثورة اجتماعية في تاريخ البشرية، كما يأمر الناس بالتآزر لدعوة الآخرين إلى الحق وإزهاق الباطل، وأن يخفضوا جناح الرحمة لأولئك الذين لم يهتدوا إلى النور والإيمان بعد. وتوشك ثورة مماثلة في مجال الرعاية الطبية على الانطلاق قريبا بإذن الله.
* المراجع موجودة في البحث المنشور بالإنجليزية.




مشروع تدريس مادة الطب في كليات الطب
 
الدكتور أحمد شوقي الفنجري
الكويت
مقدمة:
الحاجة إلى ربط الطب بالدين
عندما بدأت أوربا عصر النهضة العلمية الحديثة بعد ظلمات القرون الوسطى حدث أول صدام بين العلم والدين. وبين العلماء ورجال الكنيسة. وقد استمر هذا الصراع حقبة طويلة من الزمن وبلغ من الشدة بحيث كانت الكنيسة تأمر بإحراق العلماء أحياء أو وضعهم على الخوازيق بتهمة السحر والهرطقة. ولم ينته هذا الصراع إلا بإقرار مبدأ فصل الدين عن العلم.
وإذا كانت هذه الخطوة في أوربا قد أفادت العلم بإطلاق حرية البحث والتفكير فقد كان عواقبها بعد العلم والعلماء عن الدين... وعن القيم والمثل العليا التي جاءت بها الأديان.
وللأسف الشديد عندما بدأ العالم الإسلامي عصر النهضة العلمية الحديثة فقد نقل عن الغرب كل نظمه العلمية وأسلوبه بغير تمييز.. بما في ذلك مبدأ فصل الدين عن العلم... وهذا خطأ كبير لا مبرر له.. فالإسلام يحث على العلم ويحترم العلماء ولا يقف عائقاً أمام حرية البحث والتفكير العلمي.
ومن هنا كان لا بد من الدعوة من جديد إلى ربط العلم بالدين.. لا في المجال الطبي وحده... ولكن في شتى العلوم والمعارف المادية والإنسانية... مثل الهندسة والعلوم والتجارة والعلوم الاجتماعية والفلسفية وعلم النفس...
والهدف من هذا الارتباط:
ا- إنشاء جيل من أهل المسلمين ملتزم بالقيم والمثل العليا والأخلاقيات التي جاءت بها الأديان.
2- القضاء على ظاهرة الإلحاد والبعد عن الله التي تفشت بين أهل العلم والأطباء المسلمين.
3- رفع المستوى العلمي بين العلماء المسلمين بفضل العودة إلى الدافع العقائدي الذي كان يحث العالم المسلم على إتقان العمل والتفاني والتبحر في العلم لكي يخدم به دينه وعقيدته.
4- خدمة الإسلام كدين وعقيدة... بفضل البحوث العلمية التي تزيد الإيمان بما تقدمه من براهين علمية.
نوعية الدراسة الدينية في الكليات العلمية:
لقد جرت أول محاولة معاصرة لتدريس الدين مع الطب بالجامع الأزهر.. ولكن هذه المحاولة لم تحقق أهدافها ولم تجد الحماس الكافي بين طلبة العلم. وذلك بسبب نوعية الدراسة واختيار المنهج.. فهي دراسة دينية تقليدية مما يدرس في كليات الفقه والشريعة.. مثل قواعد الصلاة والزكاة والحج والصوم.. أو قضايا الزواج والطلاق والمحلل وغير ذلك من الأمور التي لا ترتبط بموضوع دراستهم أو باتجاههم العلمي...
إن الدراسة الدينية في أي معهد علمي يجب أن تنتقى انتقاء بحيث تكون ذات علاقة وثيقة بالمنهج العلمي نفسه.
- ففي كلية التجارة  يدرسون الاقتصاد الإسلامي.
- وفي كلية العلوم يدرس الإعجاز العلمي في القرآن.
- ولا كلية الخدمة الاجتماعية يدرس علم الاجتماع الإسلامي.
- وفي كلية الحقوق يدرس نظام الحكم والعقوبات في الإسلام.
- وفي كلية الطب يدرس الطب الإسلامي.
حقيقة أن هذه الأبحاث في هذه المجالات قليلة... وأن إنشاء مادة علمية جديدة كالاقتصاد الإسلامي والطب الإسلامي أمر يحتاج إلى جهد كبير ولجان علمية ولكن لا بد من البداية بوضع النواة من الآن...
وهذه نبذة مختصرة عن مشروع وبرنامج تدريس مادة الطب الإسلامي.
منهج دراسة الطب الإسلامي 
يشتمل المنهج على الأقسام التالية:
أ- الإسلام والطب.
ب- التراث الطبي الإسلامي.
ب- العلاج في الطب الإ سلامي.
د- التكنولوجيا العصرية في خدمة الطب الإسلامي.
(أ) الإسلام والطب:
ويتناول هذا الباب ما جاء به الإسلام كدين وتعاليم وله علاقة بمهنة الطب ومن ذلك.
ا- خلق الطبيب المسلم:
وتجمع مادة هذا الباب من القرآن وتعاليم الرسول (r) بحيث تشمل على جانبين:-
أ- المعاملات الانسانية والسلوك الاجتماعي الإسلامي بصفة عامة.
ب- ما يتعلق بممارسة مهنة الطب بصفة خاصة..- مثل كمان سر المريض " البعد عن الطمع المادي " حرمة البيوت والعائلات تجنب نظرة الشهوة إلى المريضة.. عدم غش المريض. إتقان الفحص والعلاج.
2- قسم الطبيب المسلم:
فحتى اليوم ما زال الأطباء في العالم الإسلامي يقسمون قسم أبقراط.. والذي ينص على أمور  بدائية وبديهية في حين أن لدينا من تعاليم الإسلام ما هو أكثر إيجابية وأعلى مستوى من ذلك... ومن هنا فلا بد من قسم طبي إسلامي خاص بنا.
3- تعاليم الإسلام وأحكام الشريعة في القضايا الطبية:
مثل رأى الإسلام في الإجهاض.. وزرع الأعضاء.. وطفل الأنابيب وحكم الطبيب الذي تأتيه حالة حمل سفاح.. هل يلتزم بالإبلاغ عنها أم يحفظ سر المريضة وهكذا...
4- الطب الوقائي في الإسلام:
والمقصود به دراسة كل ما جاء به الإسلام من تعاليم وأوامر.
أ- لإقامة المجتمع الصحي المثالي: عن طريق النظافة: نظافة الأيدي والملابس والطعام والطريق ونظافة البيوت ونظافة مصادر المياه وشواطيء الأنهار والآبار..
ب- لوقاية المجتمع من الأوبئة: تعاليم الإسلام عن ظهور الوباء وتجنب العدوى.
5- حكمة التحريم:
يجب أن يدرس الطبيب المسلم الحكمة الطبية والعلمية للمحرمات مثل: الزنى واللواط. والميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والمخدرات بحيث يكون مؤهلاً لشرح الحقائق العلمية للمسلمين.
6- الإسلام والصحة والنفسية:
تعاليم الإسلام للقضاء على مظاهر التوتر والعنف في البيئة الإسلامية وذلك بمنع بؤ ر الفساد والتوتر كالحانات
ودار القمار واللهو غير البريء والدعارة بهدف إنشاء مجتمع السلام والطمأنينة.
وكذلك حكمة الإسلام في الحث على الصبر والقناعة وعدم الغيرة والحسد لإبعاد المسلم عن العقد النفسية وا اعلق العصبي...
7- الإسلام والصحة الجنسية:
دراسة تعاليم الإسلام حول الجنس.. وآداب المباشرة وحكمة الغسل بعدها وحكمة الختان للذكور  دون الإناث، وأضرار ختان البنات والحكمة الطبية وراء إباحة الطلاق وتعدد الزوجات.
8- الصوم:
وفوائده الصحية 9هـ الأسباب الطبية التي تمنع الصوم سواء منها ما كان مؤقتاً أم دائما..
9- الإعجاز الطبي والعلمي في القرآن:
دراسة كل ما جاء في آيات القرآن من حقائق علمية أثبت العلم الحديث صدقها وخاصة ما يتعلق بالأجنة. وتخلق الانسان وتكوين النطفة وتطوير الجنين في الرحم..
(ب) التراث الطبي الإسلامي:
أ- تاريخ الطب الإسلامي:
ابتداء من عصر الجاهلية.. ثم فضغط الإسلام في فصل الطب عن السحر ثم عصر الترجمات ثم عصر الإنتاج الذاتي والنهضة.
2- فروع الطب الإسلامي:
مثل الجراحة والباطنية والعيون (الكحالة) والصيدلة ومقارنة الطب الإسلامي في مرحلة ازدهاره بطب الشعوب الأخرى وخاصة في القرون الوسطى.
3- المستشفيات: الاسلامية والمريض في الإسلام ومستوى الخدمة الطبية.
4- علماء المسلمين في شتى فروع الطب:
مثل الرازي شيخ الأطباء ومثل الرئيس ابن سينا ومثل ابن النفيس طبيب القلب والدورة الدموية وابن الهيثم شيخ الكحالين وابن البيطار شيخ العطارين مع شرح دور كل منهم في فرع تخصصه وكتبه التي ألفها..
5- الأمراض والأدوية والأجهزة والحقائق الطبية التي اكتشفها أو اختراعها علماء المسلمين و طوروا بها مهنة الطب. %=6- عمل مقدمة تاريخية لكل مرض معروف في عصرنا تبين فضل علماء المسلمين في اكتشافه أو تطور المعلومات عنه مثل اكتشاف الرازي للحصبة وأنواع اليرقان وأمراض الحساسية واكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية وتجريح القلب واكتشاف ابن سينا لخيوط الجراحةو الحقنة تحت الجلد...
(ج) العلاج في الطب الإسلامي:
ا- نظرية الأخلاط في الطب الإسلامي القديم ونقدها علميا.
2- الأعشاب المستعملة في الطب الإسلامي وما استخلص منها في عصرنا الحاضر وطريقة تصنيعها وتقديمها للمرضى.. 
3- أعشاب استعملت وثبتت فعاليتها حتى عصرنا وكيفية تطويرها.
(د) التكنولوجيا العصرية في خدمة الطب الإسلامي:
عمل أبحاث علمية متطورة بالأسلوب العلمي العصري وبالاستعانة بالأجهزة الحديثة في مجالات تخدم الطب الإسلامي وتطوره مثل:-
ا- دراسات على عسل النحل وخصائصه الطبية ودراسة ماء الكمأة في أمراض العيون والتمر وخصائصه... الخ.
 2- أبحاث متطورة على الأعشاب والوصفات الطبية القديمة التي جاءت في كتب التراث الإسلامي..
3- أبحاث علمية على العطارة والطب الشعبي الموجود في العالم العربي والإسلامي المعاصر وإمكانية تطوبر ها.
4- دراسة جبر العظام في الطب العربي والاستفادة منه في عصرنا الحاضر بعد تطويره بعد أن. لوحظ أنه ما يزال متفوقاً على علم جراحة العظام الأوربي المعاصر ونتائجه أفضل.
كانت هذه بعض الأبواب الرئيسية في دراسة الطب الإسلامي في كليات الطب. وهذا المقرر يجب أن يكون إجبارياً ومدة الدراسة ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر ويستحسن أن يتم بعد السنة الثالثة طب أي بعد أن يكون الطالب قد درس التشريح والفسيولوجيا وعلم الأمراض حتى يمكنه استيعاب حقائق الطب الإسلامي... 




أفضال الطب الإسلامي: حاضره ومستقبله 
 
الدكتور: يوسف أحمد
باكستان
نبذة:
يعرض البحث في إيجاز التسلسل، التاريخي لإسهامات العلماء والباحثين المسلمين في علوم الطب، مع بيان أثر هذه الإسهامات خلال ما يقرب من عشرة قرون في إحداث ذلك التطور الهائل الذي تشهده العلوم الطبية الحديثة.
ثم يحلل البحث الأسباب التي أدت إلى الركود الحالي في التفكير العلمي وعدم تطبيق الطرق العلمية المتقدمة في مجال الطب الإسلامي.
وفي النهاية يطرح البحث عدة مقترحات عما يجب عمله لإحياء الطب الإسلامي بما يتمشى مع الاتجاهات العلمية الحديثة حتى يلعب دوره الفعال في البرامج العالمية لرعاية الصحة، وبخاصة بلدان العالم الثالث حيث أصبح الطب الحديث بعيدا عن متناول عامة الناس.
الطب هو المحصلة النهائية للجهود الإنسانية المتصلة منذ العصور القديمة لتفسير الظواهر المختلفة كما يبدو عند الملاحظة، مثله في ذلك كمثل بقية فروع العلم الأخرى كما. ثم تصنف هذه الظواهر من خلال نظريات يتم توضيحها عند التوصل إليها والإعلان عنها، وتؤدى التجارب التي  تجرى للتحقق من صدق هذه النظريات إلى عدد من القوانين العلمية، يستهدف تطبيقهما العام دفع المعرفة الإنسانية بضع خطوات على طريق التقدم لصالح البشرية جمعاء، وتظل هذه القوانين صامدة إلى أن تستبدل بأفضل منها عند اكتشاف دلائل أكثر دقة وأقرب إلى التصديق. ولهذا لم يكن العلم في يوم من الأيام حكرا على أي دولة أو قارة أو أمة أو سلالة. إن شأن العلماء دائما وفي كل زمان أن لا يتوقفوا عند حد استيعاب ما يسهم به السابقون منهم، بل يضيفون إليه من تجاربهم وآرائهم ونظراتهم الجديدة للأمور القديمة.
وعظمة ما يسهم به العلماء في فترة معينة من فترات التاريخ إنما يقاس بما وصلت إليه المعرفة في تلك الفترة بالذات، حتى نعرف إلى أي قمم جديدة حملت هذا العقول الفذة شعلة العلم والمعرفة في مجال من المجالات.
وفي هذا المطار ينبغي أن ننظر إلى ما أضافه الطب الإسلامي (أو إلى مدى تقدم العلوم الطبية في العهد الإسلامي).
ويشتمل الطب على معرفة جسم الإنسان (أو الحيوان) في حالات الصحة والمرض، وعلى معرفة أسباب المرض، وكيف يمكن إعادة المريض إلى حالته العادية. وبهذا الأسلوب العملي يصبح الطب قديما قدم الجنس البشري ويعتبر بحق أم العلوم كلها، ويعد ما أضافه العلماء المسلمون في هذا المجال من الإنجازات العظيمة بأي مقياس من المقاييس.
ولقد نشأ الطب الإسلامي مع قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم  في الربع الأول من القرن السابع الميلادي، ولقد شدد النبي كثيرا على النظافة والوقاية والاعتدال والتقشف والتغذي على الأطعمة الطبيعية والأعشاب.
ويمكن استخلاص الطب النبوي وما جاء به من مبادئ الحفاظ على الصحة من مجموعات الأحاديث النبوية الشريفة (6).
وتبدو لنا من دراسة " أطلس التاريخ الإسلامي " ظاهرة فريدة في نوعها، لقد بلغ من نفوذ الإسلام أنه في خلال القرن الأول من تاريخه كان قد أتم سيطرته على  شبه الجزيرة العربية كلها وعلى الإمبراطورية الساسنية( إيران حتى حدود البلقان) ثم على الإمبراطورية البيزنطية (/ سوريا ومصر وشمال إفريقيا).
وبداية من عام 661 ميلادية حكم الأمويون هذه المنطقة الشاسعة من عاصمتهم التي نقلوها إلى دمشق، ثم فتح المسلمون منطقة شمال إفريقيا بأكملها، وكذلك  السند وتركستان، وتم بعد ذلك فتح أسبانيا ووضع المسلمون قدمهم في جزيرة صقلية.
وفي عام 700 م (القرن الثاني الهجري) حل العباسيون محل الأمويين، وكان أول خليفة لهم هو أبو العباس، وانتقلت عاصمة ملكهم من دمشق إلى بغداد.
وكان اهتمام العباسيين بالعلم والمعرفة يضارع اهتمام الأمويين بالأمور العسكرية. لقد تميز الخلفاء العباسيون بأفق واسع تعدى الحدود الضيقة للقوميات والعقائد، وعقدوا أواصر الصداقة والأخوة مع مختلف الأمم، وشملوا برعايتهم كل من أحب العلم واجتهد فيه، حتى ولو كان من غير المسلمين ، وقد رفع ذلك من شأنهم إلى أعلى وأسمى الدرجات ونالوا شهرة واسعة الآفاق كحماة للعلم ونصراء للحكمة والفلسفة.
وبدأ سيل من الكتب يتدفق على بغداد  من كل مكان... من الهند وسوريا واليونان، وكانوا يحصلون عليها بكل السبل والوسائل. فكان بعضها جزءا من غنائم فتوحاتهـم، والبعض الأخر تم الحصول عليه عن طريق معاهدات خاصة أو صفقات متعددة. وأمر الخلفاء العباسيون بترجمة العديد من هذه الكتب إلى العربية. وقد شارك في هذه الحركة طبقة النبلاء والأغنياء في الإمبراطورية العباسية، وأصبحت اللغة العربية من أرقى لغات العصر بحسبانها لغة العلم والمعرفة.
ويميل المستشرقون إلى اعتبار القرن الذي امتد من عام 750 م إلى عام 850 م من فترات التاريخ التي سادها التسامح الديني نحو كل فروع المعرفة. ونظرا لما  تميزت به هذه  الفترة من رعاية للعلم وحماس شديد في طلبه، واهتمام بالغ بالبحث العلمي فإن هذه الفترة تضارع العصر الذهبي لليونان.
وكان عصرا ازدهرت فيه الترجمة وتم منها كم هائل اخذ عن حضارات أخرى وكان التعويض مجزيا. فالرعاية التي امتدت لتشمل علماء من أجناس أخرى  لم تعادلها أي رعاية أخرى جاء ذكرها في حوليات التاريخ.
وانتهى القرن والعباسيون تحت حكم ا خليفتهم الشهير هارون الرشيد يسيطرون سيطرة تامة على إمبراطورية عريضة مزدهرة. وقدم المترجمون عن اللغات اليونانية والفارسية والسانسكريتية القاعدة التي بنى عليها المسلمون فيما بعد إنجازاتهم العلمية التي كانت قد ظهرت بوادرها في مؤلفات قيمة في مجالات علم الأنساب، والأحاديث النبوية والفقه الإسلامي والنحو والفلك والطب والكيمياء.
   وعكست هذه المؤلفات العربية الدولية التي في اللغة العربية وإن لم يكن كل مؤلفيها من العرب مدى المساهمة المتعاظمة من العلماء الفرس وغيرهم في بناء الحضارة العباسية ومشاركتهم في أمور الدولة والمجتمع.
وفي القرن الثالث الهجري ازدهرت الثقافة الإسلامية ازدهارا مذهلا، وتفوقت تماما على كل منافسيها، واتسعت آفاق الترجمات من اللغة اليونانية وزاد معدلها، وشملت، هذه الترجمات مؤلفات أرسطو وبوقراط وجالينوس وبطليموس وأوكليدس وكثير غيرهم.
وكان معظم المترجمين وبعض المفكرين المبدعين ابن المسيحيين النسطوريين واليهود والوثنيين الذين نشطوا وأنتجو في ظل التسامح الديني الذي كان يسود البلاط الحاكم في بغداد.
ولكن كان للمسلمين أيضا، خاصة مسلمي بلاد فارس، إسهاماتهم البارزة.
وظهرت في تلك الفترة مؤلفات، عربية عامة في علم الهندسة وعلم الجبر (الخوارزمي) وحساب المثلثات، والفلك (البطاني) والجغرافيا وعلم التعدين والكهرباء والبصريات، وعلم النبات والطب (الرازي) من بين مجالات العلوم. وفي العلوم الإنسانية ظهرت أيضأ مؤلفات ا في التاريخ (اليعقوبي) والمسير الذاتية وفقه اللغة والفلسفة
(ا لكندي) والموسيقى.
وكان العرب دائما يعترفون بفضل سابقيهم من الرومان واليونان الذين تعلموا منهم، حتى أن الطب العربي أو الطب اليوناني- العربي، أو الطب الإسلامي ما زال يعرف في مناطق كثيرة من العالم بالطب اليوناني.
ويقول كنجستون (5). وهو علامة مشهور في التاريخ والفلسفة:
" ظل الإعتقاد سائدا فترة طويلة من الزمان بأن العرب كانوا مجرد أتباع للثقافة اليونانية وبعيدين كل البعد عن القدرة على إضافة الجديد في عالم الطب مما أدى إلى تجمده، إلا أن هذا الافتراض خاطئ من أساسه، فالواقع أنه عندما ظهر العرب في الأفق كان الطب اليوناني قد اختفى بالفعل وتربعت الطلاسم والتعاويذ على عرش فن الشفاء.
وفي ذلك الوقت العصيب لم يقم العرب: بمهمة إنقاذ الثقافة اليونانية من وهدة النسيان فحسب، بل إنهم أضفوا عليها ما جعلها تروق في أعين المتعلمين وتستجب  لإفهامهم. إن علماء العرب بما أضافوه إلى هذه المؤلفات من شرح وتعليق ونقد أيضأ كلما استدعت الضرورة قد خلقوا جوا يشجع على دراسة العلم في الشرق والغرب، وأدوا للعالم أجمع خدمة جليلة بتبنيهم قضية العلم والمعرفة.
وكان يكفيهم فخرا لو اقتصروا على مهمة إنقاذ كنوز المعرفة اليونانية، ولكنهم أضافوا الكثير من أبحاثهم وتجاربهم مما يستحقون عليه كل ثناء وشكر ".
وكان أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (865- 925 م) بلا شك واحد من أعظم أطباء التاريخ، وقد كتب العديد من المؤلفات الطبية التي تميزت بالأصالة والبراعة،، أضاف إلى المكتبة العربية مائتي كتاب أكثر من نصفها في مجال الطب، وزاول مهنة الطب لأكثر من- خمسة وثلاثين عاما، ومع ذلك فقد وجد في وقته متسعا لتأليف مجلدات ضخمة، نذكر منها على سبيل المثال " كتاب  المنصوري " الذي يتألف من عشرة مجلدات عن الطب اليوناني. واستغرق تجمع المادة العلمية لكتاب " الحاوي " ما يربو على الخمسة عشر عاما. ولا غرو، فهو موسوعة علمية شاملة عن الطب يتألف من عشرين مجلدا.
وكان واحدا من تسعة مؤلفات أخرى هي كل حصيلة مكتبة كلية الطب بجامعة باريس في القرن الثامن عشر، ولقد أضاف الكثير من علمه وفنه إلى طب العيون والولادة والنساء. بينما تناولت مؤلفاته الأخرى يعض الأمراض الشائعة في الشرق كحصيات الكلي والمرارة، كما كتب دراسة عن أمراض الأطفال، وكانت أول دراسة من نوعها في مجال طب الأطفال، وله كتاب بارز عن الجدري والحصبة يعتبر من أقدم المؤلفات الأصلية التي ميزت بين هذين المرضين.
ولقد جاء وصف الرازي لهذين المرضين جامعا مانعا حتى لا يكاد المحدثون يجدون ما يضيفونه إليه.
وكان الرازي أول من اكتشف فائدة الكحول للأغراض الطبية، فقد استعمل المسلمون العقاقير المخدرة في عملياتهم الجراحية، كما كان أول من يصف  عملية إزالة  المياه الزرقاء والفعل المنعكس لحدقة العين عند سقوط الضوء عليها.
والرازي هو أيضا أول من بدأ في استخدام الحيوانات (القردة) في تجاربه الطبية. والمفهوم الحديث للجهاز الهضمي يقوم على أساس ملاحظات ذكرها الرازي في مؤلفاته عندما وصف وجود مواد حمضية في المعدة.
ومن أبرز المفكرين المسلمين في هذا القرن الجغرافي والمؤرخ الشهير " المسعودى " وكاتب الحوليات والمفسر المعروف " الطبري " والشاعر " المتنبي "، والعالم الموسيقي الموسوعة " الفارابي " وجامع الأغاني والقصائد الشهير الأصفهاني " وصاحب الفهرس المعروف (النديم ". والفلكي وعالم الرياضيات " أبو الوفا " والجراح العلامة " أبو القاسم الزهراوي " والطبيب علي بن العباس.
وكان هذا الإنتاج الثقافي الإسلامي الغزير الذي كتب أغلبه باللغة العربية يتقدم على أي إنتاج آخر معاصر له، فقد تفوقت المدن العربية على كل منافسيها طوال القرن العاشر الميلادي.
وكان الإسلام يتربع على قمة إنجازاته العلمية والثقافية التي وقفت حكرا عليه خلال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). وصدرت في تلك الفترة مؤلفات على أعلى مستوى تحمل أسماء أعلام في كل مجال من مجالات المعرفة. منهم البيروني العالم والجغرافي. وابن سينا الطبيب والعالم وأبن الهيثم الفيزيائي الذي تخصص في البصريات. والغزالي الفيلسوف والعالم الديني المعروف، وأبن يونس الفلكي الذي برز في حساب المثلثات والكرخي في الرياضيات، وابن حزم من علماء الدين، والبكري من علماء الجغرافيا، وغيرهم.
وكان أبو علي حسين بن عبد الله بن حسن بن علي بدأ سينا (985-1037 م) المؤلف المعروف لكتاب " القانون في الطب " المؤسس الحقيقي للمذهب اليوناني الحربي في الطب وأضاف إلى العلوم الطبية الشيء الكثير. وقد كتب في الطب ثمانية رسائل طويلة، تناولت إحداث حالات المغص التي كان أخصائيا في علاجها. وأصبح " القانون " بمحتواه الموسوعي الكتاب المدرسي المقرر على طلبة الطب في أوربا، وظل كذلك حتى القرن السابع عشر، وقال عنه الدكتور أوسلر " لقد كان إنجيل الطب، وكان أضخم من أي مؤلف طبي آخر ". ويشهد على انتشاره العريض أن طبعه قد أعيد خمسين مرة في النصف الأخير من القرنين الخامس والسادس عشر. وقد عرف ابن سينا الطب بأنه " علم تعرف منه أحوال بدن الإنسان، من جهة ما يصح ويزول عنها، لتحفظ صحة حاصلة، وتسترد زائلة ".
ويعتبر هذا التعريف حتى يومنا هذا تعريفا جامعا مانعا لم يطرح أحد تعريفا أفضل منه.
ولا شك أن الفضل يرجع لابن ـ سينا والرازي في) ارتقاء الطب إلى ذروته. وما زالت صور هذين الطبيبين العظيمين تزين جدار البهو الكبير لكلية الطب بجامعة باريس حتى الآن.
وقد تجلت عظمة ابن سينا  كلمات السير وليام هارفي عندما قال: " اذهبوا إلى المنابع الرئيسية للمعرفة، واقرؤوا أرسطو جالينوس وابن سينا ". واكتشفوا العرب أيضأ عدة طرق معينة في إجراء العمليات الجراحية، أصبحت فيما بعد الأساس الذي قام عليه فن الجراحة الحديث.
وكان أبو القاسم الزهراوي (936 م) الطبيب الخاص للخليفة عبد الرحمن القرطبي- وقد ألف الزهراوي كتابا في الجراحة أسماه " كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف " وصف فيه العديد من الآلات الجراحية التي ابتكرها واستعملها في إجراء عملياته. ويقع كتاب التصريف في ثلاثين مجلدا ويعتبر من أعظم إنجازات ذلك العصر.
وظل النشاط الفكري الإسلامي  طوال القرنين السادس والسابع الهجري (الثاني عشر والثالث عشر الميلادي) على قوته وأهميته.
وكانت أوربا طوال القرنين السابقين على تلك الفترة تعتمد اعتماد كليأ على إنتاج العالم الإسلامي في مجال الفكر والثقافة، واحتل المسلمون لذلك مكانة مرموقة في العالم المسيحي.
وفي إسبانيا جاء عصر ازدهرت، فيه الثقافة ازدهارا عظيما، وإن جاء متأخرا بعض الشيء، فاق حدود الإنتاج الروتيني لمسلمي الشرق.
وكان على رأس هذه النهضة الثقافية ابن رشد وابن طفيل وابن زهر وكلهم فلاسفة وأطباء. ويرمز عالم الجغرافيا الإدريس إلى أهمية أسبانيا وصقلية في نقل الثقافة الإسلامية إلى أوربا.
إن اكتشاف الدورة الدموية كما نعرفها اليوم ينسب إلى هارفي، إلا أن حقيقة الأمر هي أن هذا الاكتشاف قد تم قبل هارفي بثلاثة قرون على يد ابن النفيس (1200- 1288 م) أكبر عالم فسيولوجي في العصور الوسطى.
  وبحلول القرن السابع الهجري (الثالثءشر الميلادي) كانت النزاعات الداخلية قد بدأت وشرعت معها عوامل الضعف والوهن تصيب هذا الصرح الثقافي الإسلامي الشامخ، ومع ذلك فلم يكن يندر وجود العقول الفذة.
ففي مجال العلوم الطبيعية برز ابن البيطار في علم النباتات والأعشاب، ونصر الدين الطوسي في الرياضيات والفلسفة، وقطب الدين الشيرازي في الفيزياء والفلك. وفي مجال العلوم الاجتماعية برز ياقوت وابن الأثير والجويني في التاريخ والجغرافيا، والقزويني في الجغرافيا وعلوم الكون، وابن خلكان في السير الذاتية، وفي مجال العلوم الإنسانية كان هناك سعدي الشاعر وجلال الدين الرومي الفيلسوف، تشرف هذه النخبة من الأعلام أي عصر ينتسبون إليه أو أي ثقافة يشاركون في بنائها.
وفي خلال الفترة من القرن الثامن إلى  قرن الثاني عشر للهجرة (من القرن الرابع عشر إلى الثامن عشر الميلادي) ضاعت أسبانيا في الغرب، وإن بقيت أوربا الشرقية وجزء كبير من شمال أفريقيا وكل الهند تقريبا تحت الحكم الإسلامي. ومن أبرز عهوده في تلك الفترة  الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم من عاصمتها في القسطنطينية(استنبول). على أن الأوربيين بدءوا شيئا فشيئا يتفوقون في كل مجال حتى صاروا قوى استعمارية، وبدأت تنشأ في أوربا مراكز هامة للثقافة والعلوم. وكان أثر الطب العربي عميقا في كل أنحاء القارة الأوربية وبخاصة في فرنسا، وكانت المؤلفات العربية هي العمود الفقري للدراسات الطبية في ذلك الحين.
فقد ظلت المؤلفات الطبية الإسلامية تمثل حجر الزاوية في، دراسة الطب حتى القرن السابع عشر، وقد تأثر رو جر بيكون كثيرا بابن الهيثم والزهراوي، وعلى ذلك يكون الإسلام قد ظل شامخا كقوة عالمية قرابة الألف عام وهو ما لم يحدث لأي حضارة أخرى.
حال الطب الإسلامي في الحاضر وأسباب ركوده.
 
يرجع السبب في اضمحلال النفوذ السياسي للإسلام إلى النزاعات الداخلية التي مزقت العالم الإسلامي، كما يرجع إلى مؤامرات القوى الأوربية وهجمتهـا الاستعمارية.
وقد أثر هذا الاضمحلال تأثيرا خطيرا على تفكير علماء العرب والمسلمين وعلى تقدمهم في العلوم والطب، وأصبح العلماء والأطباء المسلمون منغلقين على أنفسهم  واعتراهم الجمود واعتمدوا التجربة العملية وحدها من غير اعتبار للعلم أو النظريات، وأعاقت المصالح الاقتصادية للقوى الاستعمارية تقدمهم بدرجة كبيرة وأشاعت فيهم إحساسا بالدونية ما زال راسخا حتى الآن.
إن العلم والمعرفة بما في ذلك الطب ليس حكرا على أمة واحدة. فأي أمة تتبع الأحكام الثابتة للقرآن والتي تصلح لكل زمان ومكان لا بد وأن تحرز تقدما سواء كانت هذه الأمة من بين المسلمين أومن غيرهم. إن ما جعل الطب الحديث يتبوأ مكانة أعلى هو أنه أصبح يقوم على الملاحظة العميقة الدقيقة التي تؤدي إلى طرح نظريات يقبلها العقل وتؤيدها التجارب المستمرة مع الاستعانة بالفروع المختلفة للعلوم والهندسة.
وهناك دائما فرصة للإضافة وإدخال تحسينات  أدق. فقد أدخل اينشتاين كثيرا من التعديلات على قوانين نيوتن. وحديثا اكتشف العلماء أن القوى التي تحكم الكون هي ثلاثة فقط وليست أربعة كما كنا نعتقد دائما. وبالنظر إلى التقدم
الهائل الذي أحرزه الطب الحديث منذ  مطلع هذا القران تلح علينا تساؤلات كثيرة: كل ما زال هناك مكان للطب الإسلامي؟
ألن يبدو الأمر وكأنه خطوة إلى الوراء إذا استخدمنا نوعا من الطب يقال إنه جامد ومتخلف؟.
ألن يؤدي استخدامه إلى تعريض صحة الإنسان للخطر في البلاد التي تسمح بتطبيقه؟
هل ينبغي في عصر الفضاء هذا أن نتنقل على عربات تجرها عجول؟.
لا مراء في أن الطب الحديث قد. نهض على أكتاف ذلك الصرح المهيب الذي وضع أساسه أعلام فن الشفاء في العصور الوسطى. ومع مغيب شمس الإمبراطورية الإسلامية تاركة الساحة لمارد القوى الاستعمارية الأوروبية وما أدى إليه ذلك من افتقار النشاط العلمي في الشرق الأوسط.- مهد العلوم الطبية- وغيره من البلاد التي أخضعها الاستعمار إلى الرعاية والحماية، فقد سكنت ريح هذ ا النشاط وخمدت حركته وبدأ يتنقل تدريجيا نحو الغرب. وما زال الطب القديم الذي يسود البلاد الإسلامية (ومعظم بلدان العالم الثالث) يستخدم الأعشاب والنباتات الطبية والمنتجات المستخلصة من أصل حيواني في صنع العقاقير لعلاج مختلف الأمراض.
وقد كانت أوربا تفعل الشيء نفسه في مطلع هذا القرن، إلا أنها تحولت منذ بضع عشرات من السنين إلى العقاقـير المصطنعة من مواد كيميائية، لبساطة تركيب جزئيات هذه المواد والتيقن التام من نسب هذه التركيبات، وما يتبع ذلك من قابلية هذه العقاقير لاختبارها على حيوانات التجارب، للتأكد من خلوها من أي آثار جانبية، كما يسهل إحكام الرقابة على نوعية هذه العقاقير. وهناك قبل كل شيء دافع أهم، وهو الأرباح الطائلة التي تأتي من إنتاج هذه العقاقير والمنتجات الدوائية في مصانع ضخمة على نطاق واسع. لذلك فعلى الرغم من الشوط البعيد الذي قطعه علم الشفاء العظيم على طريق التقدم العلمي والتكنولوجي إلا أنه قد تحول بهذه الاتجاهات الصناعية من عمل جليل يقصد به خدمة البشرية إلى عمل اقتصادي مادة صرف يقصد به- جنى الأرباح.
     التوقعات المستقبلية للطب الإسلامي:
إن الوظيفة الأساسية للطب هي تهيئة الفرصة للشفاء من الأمراض والتخفيف من آلام البشر. وينبغي على أي حكومة أن تضع نصب عينيها كواجب وطني توفير العلاج لمواطنيها، إما بتكاليف يطيقها الفرد إذا تكفل بها عن نفسه أو عن أسرته، وإما على نفقة الدولة في حدود إمكانياتها. وما من شك في أن الطب الحديث مشتملأ كلى الجراحة قد أحرز تقدما ضخما" يستحق كل الإعجاب إلا أنه بالرغم من كل هذا التقدم، فقد غابت عن هذا الطب تلك اللمسة الإنسانية الرقيقة التي كانت صفة مشتركة بينه وبين الطب الإسلامي الذي قام على أكتافه.
ونجد اليوم أن هذا الطب الحديث بكل ما له من مستشفيات كاملة التجهيز، ومعاهد أبحاث متقدمة، ومراكز علاجية بديعة، وشركات أدوية متعددة الجنسيات ذات رؤوس أموال تعدى بالملايين، قد صار بعيدا عن متناول الرجل العادي الفقير الذي هو أمس الحاجة إليه، 
بينما يهتم بالقطاعات المترفة من المجتمع حتى في البلاد المتقدمة، فما بالك بما آل إليه حال بلدان العالم الثالث الفقيرة.
دعني أضرب لك مثالا من الوطن الذي أنتمي إليه وهو الباكستان. إننا نستهلك سنويا أدوية- تبلغ قيمتها ما يقارب من ملياري روبية (2000 مليون روبية) وربما يصل الإنفاق على الخدمات العلاجية وتعليم الأطباء إلى أضعاف هذا المبلغ، كما ننفق حوالي ثلاثمائة مليون روبية لاستيراد المواد الأولية اللازمة لصناعة العقاقير، وربما نتكلف مثل هذا المبلغ في استيراد أشياء أخرى تتصل بهذه الصناعة بطريق غير مباشر ومع ذلك، لا يكفي كل هذا الإنفاق الضخم إلا للوفاء بحاجات ما لا يزيد عن 20% من مجموع السكان يعيش كل معظمهم في المدن الكبيرة.
ما ينبغي عمله:
في الماضي كان أساتذة الطب الكبار يستخدمون الأعشاب، والنباتات الطبية والمعادن والمنتجات المستخلصة من أصل حيواني للتخفيف من آلام المرضى، وهذه المنتجات كلها تتوفر محليا أو يمكن زراعتها في القرى حيث الناس في أشد الحاجة إليها، ولا يتطلب الحصول عليها الإنفاق من الأرصدة المحدودة للعملة الصعبة، والذي يحدث بالفعل حتى يومنا هذا أن أعدادا لا بأس بها من الناس ما زالت تلجأ إلى الطبيب الذي يمارس الطب القديم، بدلا من الذهاب إلى  الدكتور الذي يمارس الطب الحديث، ويتم الشفاء  للكثيرين منهم بالفعل.
ويكمن تفوق الطب الحديث في طريقة تشخيصه للمرض وتحديد درجة حدته، حيث يستعين بفروع العلم الأخرى ويستخدم أجهزة في غاية الدقة إلى جانب، إجراء التحليلات المختبرية.
بينما لا يزال الطب العربي يعتمد على الطريقة التجريبية التي تقتصر على الفحص بالعين المجردة. وأصبح لزاما على الطبيب أن يطبق الطرق الحديثة التي يتبعها دكتور الطب الحديث إذا كان يريد أن يضارعه في مستواه، ويجب عليه أن يدرس الكيمياء والكيمياء الحيوية، وعلم الميكروبات الحيوية وعلم الأمراض إلى غير ذلك من العلوم الضرورية لمهنته.
كما ينبغي عليه أن يسعى لطلب العون من المتخصصين في العلوم الأخرى كما يفعل الدكتور. وأضعف الإيمان أن يدرس كل ما درسه من يزاول الطب الحديث ، حتى يكون في وضع يسمح له بشرح وتفسير نظريات الطب العربي الذي يمارسه أو يقوم بإجراء البحوث اللازمة لشرح هذه النظريات. وعلينا أن نتذكر أن الرازي وابن سينا قد درسا كل فروع العلم التي كانت معروفة آنذاك وكانا يطبقان ما درساه  فيما يزاولانه. والواقع أنهما لم يكتفيا بإتقان ما درساه بل أضافا إليه الكثير من ابتكاراتهما وتجاربهما.
وأود أن أطرح سؤالا على أولئك الأطباء الذين يعملون في البلاد الإسلامية وغيرها من دول العالم الثالث بعد أن تلقوا تعليمهم في الغرب: من منهم ابتكر أو توصل إلى اكتشاف أي عقار من تلك العقاقير التي تباع الآن في الأسواق؟ هل كتب علينا أن نظل عالة على غيرنا فيما نختاره من أدوية أو مواد أولية لصنعها أو أجهزة أو معدات أو وسائل مختبريه؟ هل يراودهم أدنى أمل أن يوفروا لشعوب بلادهم خدمات صحية كاملة تشملهم جميعا وذلك تحت الظروف الحاضرة؟ وهل الحل في أن نكتفي باتهام أطباء الطب العربي بالدجل والشعوذة؟
لماذا لا يجتمعون بهم ويشركون في هذه الاجتماعات أيضا المتخصصين في فروع العلم الأخرى بهدف التخطيط لتحسين الخدمات العلاجية، وإجراء تقويم إكلينيكي للعقاقير المستخدمة في الطب العربي الإسلامي ففي هذه العقاقير كنز ينتظر أن نمد أيدينا وننهل منه. وإذا ما أثارت هذه الجهود المشتركة بالتوصل إلى أنواع من عقاقير الطب الإسلامي تثبت فعاليتها بعد إجراء الفحوص والاختبارات العلمية اللازمة، سوف نتمكن من توفير هذه العقاقير للأعداد الهائلة من سكان المناطق الريفية في بلادنا بإنتاجها أوحتى زرعها في آلاف القرى التي تتعطش لمثل هذه العقاقير والأدوية.
وقد يترتب على هذه الجهود أيضأ أن نقدم للعالم أدوية جديدة، وفي مرحلة لاحقة يمكن إحكام الرقابة على جودة هذه الأدوية ويتم تقنين إنتاجها على 
نطاق تجاري وأسس كلما دعت الضرورة، ويمكن إخضاع المزيد من العقاقير التي تبشر بالخير (كالأعشاب المفردة أو العقاقير المركبة من عدة أعشاب) إلى فحوص أكثر دقة بهدف عزل المواد الفعالة فيها وتحديد مكوناتها؟ وما من شك في أن فائدة هذه الجهود ستعم الجميع؟ إذ سيكتسب أطباء الطب الإسلامي كل أنواع المعارف الحديثة، كما سيتوصل دكاترة الطب الحديث من أبنائنا إلى اكتشاف عقاقير جديدة فعالة تتوفر محليا في بلادهم، وستجد دولنا نفسها في وضع يمكنها من توفير العلاج الشامل لكافة شعوبنا في المستقبل المنظور.
وأورد فيما يلي بعض الجهود الناجحة التي قمنا بها مع بعض الآخرين في هذا المضمار:
ا- في تقرير (8) بعنوان " أدوية الصين الأعشابية عن زيارة قام بها للصين عام 1974 وفد يمثل المعاهد القومية للشئون الصحية في ا الولايات المتحدة جاء ما يلي:
" في الفترة من أكتوبر عام 1975 إلى أوائل عام 1972 قام مستشفى تشانج شان بعلاج مائة وثلاثة مرضى من المصابين بأمراض قلبية تتعلق بالشريان التاجي، وذلك بإعطائهم ماتونج- شينج   (وهو العشب الصيني) وكان العلاج يستمر في كل فترة منه لمدة شهر واحد أو أكثر، وكانت النتائج كما يلي:
كان المريض يعطى جرعة عزل طريق الفم يوميا تبلغ 4 أوقيات من هذا العشب، وفي معظم الحالات كان المريض أيضأ يحقن في العضل مرتين يوميا، تحتوي كل حقنة على 20 ملليجرام من مستخلص من العشب يساوي ما مقداره 8 جرامات من العشب نفسه.
ووجد أن من بين الحالات التي بلغ مجموعها 103 حالة ظهر على 101 حالة منهم تحسن ملحوظ بفعالية كاملة تصل نسبتها إلى 1. 98% وقبل تقديم العلاج كان هناك 98 حالة يعاني أصحابها من ألم شديد في الجزء الأمامي من القلب، وبعد العلاج اختفى الألم تماما أو قل بد رجة كبيرة في 95 حالة منهم بفعالية للدواء تصل نسبتها إلى 9. 96% وقد ظهر التحسن في أداء القلب لوظائفه على جميع الحالات بدرجات متفاوتة بعد استكمال العلاج. ومن بين 38 حالة من حالات ارتفاع ضغط الدم عاد الضغط إلى معدله المعتاد، أو إنخفض بدرجة ملحوظة في 22 حالة بنسبة فعالية تبلغ 9. 57%. وفي حوالي 75% من الحالات اختفى تنميل الأطراف والصداع والدوار بعد العلاج.
وفي بداية العلاج كانت هناك 60 حالة يشكو أصحابها من ارتفاع نسبة الكولسترول في الدم، وبعد إتمام العلاج عادت النسبة إلى معدلها المعتاد في 30حالة من هذه الحالات أو انخفضت بدرجة ملحوظة، بنسبة فعالية تصل إلى 55%. ومن بين 89 حالة كان ر سم القلب بالنسبة لأصحابها غير سوي عاد الرسم إلى وضعه الطبيعي بعد العلاج في 32حالة (36%) بينما لم يطرأ أي تغيير على 53 حالة منهم (بنسبة 50ر59%).
2- ومن غانا يقول الدكتور أدكو أمبوفو (2)  وهو من الأطباء الذين تلقوا تعليمهم في الغرب:
" غالبا ما يعطى الفحص الجماعي للنباتات نتائج ضعيفة لعدم إشراك رجال الطب القديم في هذه العملية ولكن عند استشارتهم تصل نسبة النجاح إلى 50% ".
وقد عرض نتائج أبحاثه التي دلت على إمكانية القضاء التام على مرض الجنيويرم  بدواء مستخلص من غلى جذور نبات الـCombretummucronatum   كما يعالج مرض القوباء المنطقية 
Herpes Zoster بالنباتات الآتية:
1. Hoslundia opposita .
2. Piper guincese.
3. Roots of Picralima nitida.
4. Root barks of Balamitesaegyptiaceae.
5. Hilleria
6. Securidaca longropedunculata
ويعد هذان المرضان من بين الأمراض التي لم يجد لها الطب الحديث علاجا ناجحا حتى الآن. وقد أثبت لحاء نبات Myrianthusarboreus 
  فعالية في التحكم في حالة السكر Diabetes mellitus
3- وجدنا الباكستان أن الجذر الكامل لنبات  Serpajmaline أو Rauwolfia serpentian وهو مركب مستخرج منه أكثر فعالية في ارتفاع   ضغط الدم وأقل بكثير في آثاره الجانبية من الذي يؤدي تناوله فترة طويلة إلى ظهور اتجاهات انتحارية عند المريض،. وللمنقوع المغلي من أوراق نبات مع Moringa oleifera  له تأثير عميق في علاج حالات الربو القلبي. كما أن استخدام نبات Trigonella foenum -graecum   يؤدي إلى خفض نسبة الكولسترول، والمواد الشحمية في الدم.
ونجري حاليا في الباكستان أبحاثا عن نباتات: 
1. Rhazya Stricta,
2. Fagonia Cretica
وهي تبشر بالخير في علاج سرطان الدم وأنواع أخرى من السرطان.
وفي عام 1978 قمت بزيارة لجمهورية الصين الشعبية استغرقت واحدا  وعشرين يوما كعضو في وفد حكومة الباكستان، وخلال الزيارة أتيحت لي الفرصة للقيام بجولة المستشفيات ومعاهد الأبحاث وكليات الطب ومصانع الأدوية والكميونات (المجمعات)، وقد خرجت من هذه الجولة بانطباع عام عن نجاح الصينيين في بسط مظلة الرعاية الصحية، لكي تشمل كافة أفراد المجتمع الصيني، وهم في ذلك يعتمدون على أنفسهم تماما، وهم قد ارتقوا وما زالوا يواصلون الارتقاء بمستوى الطب القديم عندهم إلى أعلى المستويات  العلمية باتباع هذا الأسلوب.
الخلاصة
لنجاح هذا الأسلوب من الضروري عمل ما يأتي :-
ا- إعداد مسرد بأسماء النباتات الطبية في كل إقليم، مع ذكر الوصفات التي تجريها، بهدف جمع أحدث ما كتب في هذا الموضوع، بما في ذلك التعريف بكل نبات وما تم إنجازه فيما يتعلق بإجراء الأبحاث الكيميائية والإكلينيكية وغيرها على هذا النبات، ليكون بمثابة ملخص واف، تعتمد عليه الأبحاث المستقبلية.
2- إنشاء شركات أو مؤسسات لعقاقير الطب القديم، تتولى مسئولية جمع الأعشاب الأصلية والنباتات الطبية (إما من الغابات أو عن طريق زراعتها) وتوفيرها بشكل مقنن لمن يزاولون هذا الطب حيثما كانوا. وتتولى هذه المؤسسات أيضأ إنشاء معاشب سواء على المستوى الفيدرالي أو الإقليمي أوفي كل منطقة تحتوي على نماذج الأعشاب المجففة مرتبة ترتيبا منظما حتى يسهل التعرف على كل صنف منها.
3- تكوين فرق للبحث العلمي، يتألف كل، منها من طبيب ممن يزاولون الطب القديم ودكتور من دكاترة الطب الحديث أو صيدلي من المتخصصين في صناعة العقاقير وأحد العلماء، ثم يتم اختيار مجموعة من المرضى (يستحسن أن يكونوا في عيادة الطبيب) يمثلون مرضا معينا.
ويتم بعد ذلك فحص هؤلاء المرضى وإجراء التحاليل اللازمة لهم بهدف تحديد حدة مرضهم وتسجيل كل ذلك، ثم يتناول المرضى عقاقير الطب القد يم الأصلية كمواء مفردة أو مركبة حسب الوصفات) والتي تعتبر ذات فعالية للعلاج من هذا المرض بالذات. ويجب هنا اتباع نفس الطريقة التي يتبعها الطبيب في العلاج مع مرضاه.
ويبدأ فريق البحث كشكل مع متابعة فترة العلاج ومراقبة النتائج وتسجيلها بدون أي تحيز. وأفضل مكان لإجراء مثل هذه التجارب هو مستشفى- خاص للعلاج بالطب التقليدي القديم، لو أمكن بناؤه فى مرحلة لاحقة أو عدد من السرائر تخصص لهذا الغرض في المستشفيات المختلفة
ومن الأهمية بمكان إشراك الطبيب الذي يزاول الطب التقليدي يا هذه الملاحظات العلمية. فقد كانت هذه
الأبحاث تجرى في الماضي على يد العلماء بمفردهـم أو أطباء الطب الحديث بمفردهم وانتهى معظمها إلى الفشل.
ومن جهة أخرى كانت طريقة أطباء الطب التقليدي تقوم على الأساس التجريبي بدون استخدام الأجهزة والمعدات الحديثة والتحاليل المختبرية، من أجل التوصل إلى تشخيص دقيق وتسجيل نتائج تجاربه بطريقة مقبولة علمية. وتؤيد منظمة الصحة العالمية الآن هذأ الاتجاه.
4- واتباع هذا الأسلوب في البحث العلمي من شأنه أن يحدد من الأعشاب أو العقاقير المركبة منها ما تثبت فعاليته في العلاج. ويمكن بعد ذلك تقنين هذه العقاقير وإنتاجها، كلما أمكن على شكل أقراص أو مستحضرات سائلة أو على شكل شراب أو أمبولات للحقن، كما يمكن- تطوير إجراءات الرقابة على إنتاج هذه العقاقير.
5- يمكن استخلاص "هذه الأعشاب المجازة علميا لعزل مكوناتها الفعالة وتحديد كيفية تركيب هذه المكونات بالطرق الكيميائية والتحليل باستخدام الأجهزة وأخيرا تصنيعها إذا لزم الأمر.
وقد كنا نقوم بمثل هذه الأبحاث بدون التحقق علميا من، فعالية الأعشاب، ولذلك لم نحقق نجاحا يذكر في اكتشاف أدوية جديدة ولكن بهذه الطريقة يمكننا إضافة الجديد إلى عالم الطب بدلا من البقاء عالة عليه نأخذ ولا نعطي. 
6- ينبغي أيضا تطوير مناهج الدراسات في كليات الطب التقليدي، ويجب أن تتضمن هذه المناهج معظم مقررات الطب الحديث بلغتهم، بالإضافة إلى موضوعات الطب التقليدي التي يدرسونها. وننتظر من الأطباء الغربيين أن يتعاونوا معنا في هذا المجال وهو ما نفتقر إليه حاليا وقد ترغب بعض كليات الطب الغربية في أن تشمل مناهجها بعض مقررات الطب التقليدي. كما يجب تزويد كليات الطب التقليدي ومستشفياته بكل المعدات والأجهزة الضرورية ويتدرب عليها الطلبة لاستخدامها في التشخيص والعلاج.
ويجب بذل كل الجهود الممكنة لتبادل الآراء والخبرات بين رجال الطب القديم والحديث حتى يمكن الوصول تدريجيا إلى دمج هذين النوعين من الطب في كل متكامل.
7- يجب أن يقبل بكليات الطب القديم الطلبة الذين يأتون من مناطق ريفية حتى تستفيد بهم قراهم بعد تخرجهم. ولن يجد هؤلاء الخريجون صعوبة في العمل بهذه المناطق الريفية، حيث إن تعليمهم يتم بلغتهم ولا يتعرضون بذلك إلى غسيل المخ الذي يتعرض له من يتعلم الطب الحديث باللغات الأجنبية.
8- لتحقيق هدف توفير الرعاية الصحية على المستوى القومي يجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوعية الناس سبل الوقاية من الأمراض والعناية بنظافتهم الشخصية، وينبغي فى ذلك تدريب أطباء الطب القديم على جميع الإجراءات الصحية واختبار صلاحية المياه للشرب وتوعية الجماهير بالأصول الصحية في مأكلهم ومشربهم، كذلك يجب تدريبهم على تحصين المواطنين ضد الأوبئة والأمراض السائرة. وينبغي استخدام هؤلاء الأطباء بعد ذلك في توفير الرعاية الصحية والخدمات العلاجية بالمناطق الريفية، ويعطي لكل واحد منهـم حقيبة موحدة الشكل والمواصفات تحتوي على العقاقير والأدوية الحديثة والقديمة على حد سواء، حتى يتمكنوا من علاج سكان هذه المناطق من الأمراض الشائعة. وبذلك يمكننا تغطية حوالي 80% من الحالات على مستوى الدولة. أما العشرون في المائة الباقية فيمكن إحالتهم إلى الأخصائيين في المستشفيات القريبة.
وكذلك يمكن تدريب أطباء الطب القديم العاملين في المناطق الريفية على التعرف على الأنواع المختلفة من النباتات الطبية وزراعتها، حيث يعملون لاستعمالها لها في توفير العلاج لمرضاهم. 



التعليم الطبي الإسلامي 
 
الدكتور علي موسى
جنوب أفريقيا
إن الغرض من التعليم الطبي هو تخريج الكوادر البشرية اللازمة للعناية بصحة الأفراد، والمجتمعات، وتحسين هذه الصحة، ولقد كان الهدف من التعليم الطبي عبر القرون، هو تخريج أطباء درسوا مناهج معينة، واستوفوا بذلك  عدة متطلبات أساسية محددة، يتسلم بعدها الطبيب أو الطبيبة شهادة تفيد صلاحيته أو صلاحيتها لممارسة مهنة الطب. 
ويمتد البرنامج الدراسي لإعداد الأطباء من خمس سنوات إلى ست سنوات، ويتكون من العلوم الأساسية بدءاً بالكيمياء، والفيزياء، وعلم الأحياء، ثم يتواصل ليشمل علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء في السنة الثانية،. ويتبع ذلك دراسة لعلم الباثولوجيا (علم الأمراض) والأقرباذين (علم العقاقير). وعادة تبدأ الدراسة العلمية الإيكلينكية في السنة الرابعة، وتستمر حتى السنة النهائية.
ولقد بدأت مؤخراً إعادة النظر في مدى علاقة الموضوعات التي تدرس خاصة في السنة الأولى بمستلزمات الدراسة الطبية، وذلك في محاولة لتطوير المناهج، وجعلها ألصق بهذه المستلزمات. و استحدثت في مناهج السنة الأولى بعض الموضوعات، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم السلوكية الخ... كما أعيد النظر في طريقة التدريس وفي السنوات الأخيرة أدخل في عدد من الجامعات بأوربا وأمريكا واستراليا نظام الدراسة المتكاملة الذي يقضى بأن تكون الدراسة العملية إكلينيكية جزءاً لا يتجزأ من العلوم الأساسية، وفي عهد الاستعمار. كانت مناهج كليات الطب، في دول العالم الثالث تساير تماماً مثيلاتها في الدول التي كانت تستعمرها، وما زال هذا هو الوضع القائم في كثير من هذه الدول حتى يومنا هذا إلا أن عدداً متزايداً من هذه الدول يتجه الآن إلى  إعادة النظر في مدى علاقة المناهج الطبية التي تدرس في جامعاتها لشعوبها بالاحتياجات الفعلية لشعوبها ولا شك أن الطبيب الذي يتخرج من هذه الجامعات يتميز فعلاً بمهارات عالية، ودراية واسعة بكل فروع الطب العلاجي، وقدرة تامة على توفير خدمات علاجية ممتازة للأفراد الذين يلتمسون منه هذه الخدمات. إلا أن المشاكل الصحية التي تعاني منها معظم بلدان العالم الثالث لا يمكن أن تجد لها حلاً على أيدي مثل هؤلاء الخريجين لذلك ظهر إلى حيز الوجود مفهوم جديد يدعو إلى الاستعانة بطبقة من المعاونين الطبيين، يطلق عليهم اسم " الأطباء الحفاة bare foot doctor"  أو الممرضين الممارسين  nurse practitioners كما استحدث علم " صحة المجتمع " في المناهج الطبية، حتى فيما يسمى بالدول المتقدمة في العالم. فإلى أي مدى تفي المناهج الدراسية الطبية، وبرامج إعداد الأطباء في جامعاتنا اليوم بالمتطلبات الدراسية لكلية طب إسلامية؟ ولكى نجيب على هذا السؤال لا بد أولاً من تحديد الهدف من التعليم الطبي الإسلامي:

والهدف كما أراه، هو" تخريج الكوادر البشرية اللازمة لتحسين صحة الشعوب والمحافظة عليها "، ولكن لي فارق هام هو أن يكون هؤلاء الخريجون مفعمين بروح الإسلام، وأن يتوخوا فيما يفعلونه تعاليم هذا الدين الحنيف. لذلك يمكن أن نقول: إن الهدف من التعليم الطبي الم سلامي هو تخريج أطباء يتميزون بما يأتي:
ا- يخدمون البشرية كما أمر بذلك القرآن الكريم.
2- يقومون بإجراء أبحاث عن الأمراض التي تصيب الإنسان عملاً بقول النبي r: " ما أنزل الله داء إلا أنزل له الدواء " أخرجه ابن ماجه. فمسئوليتنا إذن أن نجد هذا الدواء. ويعنى ذلك أن ندرب أطباءنا على الأساليب الحديثة للبحث العلمي، حتى يتمكنوا من إجراء الأبحاث في مختلف النواحي الطبية.
3- يتفوق كل منهم في مجال تخصصه، حتى يستحق عن جدارة ما وصف به المسلمون من أنهم (خير أمة أخرجت للناس، (3/ 110) وعلى الرغم من أن الكثير من كليات الطب الحالية تخرج أطباء وطبيبات يقومون على خدمة الإنسانية، ويردون العديد من الأبحاث، ويتفوقون في مجالات تخصصاتهم، إلا أن أي كلية من هذه الكليات لا تستطيع الادعاء بأنها تخرج أطباء من الجنسين، يتميزون بكل هذه الأشياء، وفي نفس الوقت تتملكهم روح ا لإسلام.
فما هو السبيل إذن. لأن نبدأ في بناء مناهجنا بغرض تحقيق هذا الهدف؟
وبما أن الغرض من التعليم الطبي الإسلامي هو كما قلنا تخريج أطباء قد شربوا روح الإسلام. فمن الواضح أن الإسلام التعاليم الإسلامية يجب أن تتخلل مناهج الدراسة الطبية، لذلك يجب أن تراعى الأمور التالية:
ا- أن تكون البيئة التي تتم فيها عملية التدريس مهيأة لممارسة الحياة الإسلامية. فمثلاً: يجب أن تضم الكلية مصلى لإقامة الصلوات، وأماكن لعقد الندوات، والمناقشات الدينية. كما يجب مراعاة أوقات الصلوات الخمس عند إعداد جدول الدراسة. ونلاحظ هنا بهذه المناسبة أن المستشفيات التعليمية الإسلامية في الماضي كانت مرتبطة دائما بإنشاء مدرسة تلحق بها.
2- أن يحتوي منهج الدراسة في كلية الطب الإسلامية على التاريخ الإسلامي (وخاصة تاريخ الطب في الإسلام). وعلوم الفقه، والأخلاق، والقرآن، والحديث، والفلسفة الإسلامية، والطب النبوي و يجب أن تكون هذه المواد إجبارية بالنسبة لكل دارس في مثل هذه الكلية. وتجدر الملاحظة في هذا الصدد بأنه كان من متطلبات القبول في مدارس الطب أيام العصور الإسلامية الأولى أن تتوفر في الطالب صفة الورع إلى جانب الجد والذكاء.
3- أن يكون اختيار أعضاء هيئة التدريس بهذه الكلية مبنياً على أساس مستواهم العلمي، وخبرتهم بالبحث العلمي كل في مجاله. ولكن قبل كل شىء يجب أن يكون أيضأ مبنياً على مدى درايتهم بأمور دينهم والتزامهم بالتعاليم ا لإسلامية.
4- أن تتوفر حرية الفكر والتعبير في نطاق حدود الدين الإسلامي، ويجب أن يسور المناقشات الصريحة المخلصة جو صحي بغية التبصر بأمور الدين، كما يجب تشجيع طرق التدريس القائمة على الاستدلال المنطقي، وحث الطلاب على تحليل المعلومات تحليلاً نقدياً. وأفضل السبل لتحقيق ذلك هو تقسيم الطلاب إلى مجموعات دراسية صغيرة، بدلاً من المحاضرات التعليمية العامة، وجعلهم يكتبون أبحاثاً عن موضوعات يحددها لهم أساتذتهم (وهو ابتكار تميزت به الأساليب التربوية الإسلامية).
5- أن تبذل محاولات في سائر أجزاء المنهج الدراسي لحث الطلاب على الملاحظة والتفسير، فضلاً عن التفكر والتمعن فيما يتلقونه من معرفة، فدراسة الطالب لجسم الانسان وما به من تعقيدات مذهلة ينبغي أن تتربه إلى خالقه، كما يجب أن يجعله أساتذته " يرى الآيات لمن يريد أن يراها " وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تتضمنها النصوص الطبية المقررة ، ولكن لا توجد للأسف نصوص طبية تبرز آيات الخلق بهذا الأسلوب ، وأعتقد أن المنظمة الدولية للطب الإسلامي ، يجب أن تلعب دوراً هاماً في تشجيع العلماء المسلمين البارزين على إعادة كتابة النصوص الطبية . بهدف إبراز هذه النواحي . 
وأخيرا : يجب ان نترك باب المناقشة مفتوحاً لاتخاذ قرار فيما يتعلق باتباع نظام المنهج المتدرج ، أو المنهج التكاملي وأغلب طني أن النظام التكاملي أنسب للدراسة في كلية طب إسلامية ، والواقع أن المستشفيات الجامعية الحديثة قد تطورت عن " البيمارستان " في فجر الإسلام ، حيث كانت تقدم الخدمات العلاجية إلى جانب تعليم طلاب الطب عملياً ، وهو النظام الذي أخذت به الدول الأوروبية في وقت القرن الثامن عشر ، وكان الفضل في هذا الجمع بين النواحي النظرية ، والعملية في دراسة الطب يرجع إلى أن طبيباً إسلامياً شهيراً مثل الرازي تمكن من إضافة الكثير للعلوم الطبية . 
على أي حال ، أعتقد أن موضوع التعليم الطبي الإسلامي على درجة من التشعيب والتعقيد بحيث يتطلب الأمر إفراد ندوة خاصة ، أو مجموعة عمل خاصة لمناقشة ، تتولى إقامتها المنظمة الدولية للطب الإسلامي.  




مستقبل الطب الإسلامي 
 
الأستاذ الدكتور /إحسان دوغر وماجي
الجمهورية التركية
تضح من دراستنا لتاريخ الطب الإسلامي أنه كان يسبق عصره بألف سنة على الأقل، فأيام كانت لندن وباريس ما تزالان تغطان في سبات القرون الوسطى، كان هناك العديد من المستشفيات في بغداد والقاهرة وقرطبة، يعمل بها الكثير من الرجال والنساء في علاج المرضى من الجنسين وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بأقل من قرن أثبت المسلمون أصالتهم، وغزارة إنتاجهم من الابتكارات العلمية، ومنذ زمان بعيد في القرن التاسع الميلادي، نبذ الطب الإسلامي الطلاسم والتعاويذ والأساليب اللاهوتية، وبدأ يمارس من خلال مستشفيات متعددة الأجنحة، وتدل الأساليب الجديدة التي كان المستشفى العام ببغداد يطبقها في ذلك الحين على  أن العرب كانوا روادا في هذا المجالس. ومما يثير الدهشة أنهم أنشئوا نافورات بالقرب من أجنحة المرضى المصابين  بالحمى حتى يلطفوا من حرارة الهواء، وكان المخبولون، يعاملون بلطف ورقة، وهو ما لا يحدث الآن في معظم بلاد العالم إلا في القليل النادر، وكانت تعزف الموسيقى، وتحكي القصص للتخفيف من آلام أولئك المرضى الذين يعانون من القلق والتوتر، 
   وكانت العناية تبذل للأغنياء والفقراء على حد سواء دون أي تفرقة، وكان المعدم يمنح خسرا قطع ذهبية عند مغادرته المستشفى لمساعدته أثناء فترة النقاهة، وكانت هناك مكتبات وصيدليات ملحقة بتلك المراكز الطبية التي حشد للعمل بها العديد من الأطباء المقيمين والخارجين والممرضين، وكانت هناك أيضأ عيادات متنقلة لخدمة المعوقين والفقراء الذي يعيشون في مناطق نائية، وتلفت هذه العيادات المتنقلة نظرنا بصفة خاصة في ضوء الاهتمام العالمي الحالي بتوفير الخدمات الصحية الأولية .
ويظن معظم الناس أن إخضاع الأدوية للرقابة لتوخى جودتها هو ابتكار حديث، ولكن في الواقع كانت للطب الإسلامي لوائح لتنظيم صناعة الدواء وضمان جودتها، وكان الصيادلة من المتخصصين الذين يمارسون مهنتهم بموجب ترخيص خاص وكان عليهم تحضير العقاقير وفق ما يصفه الطبيب، وكان يحظر على الأطباء قانونيا امتلاك الصيدليات  أو المساهمة فيها، إذ لم يكن يسمح على الإطلاق في بتضارب المصالح.
وبدأ نور الشرق يشع على أوروبا التي كان يلفها ظلام القرون الوسطى، فقد اشتهر العرب والفرس بعلمهم الواسع في مجالات الطب والتخدير وعلم البكتريا وإدارة المستشفيات والجراحة وصناعة العقاقير وأمراض العيون والأمراض العقلية الجسمانية والعلاج النفسي والتعليم الطبي.
وكان الإسلام منذ بدايته على صلة بالحضارة البيزنطية، وقد تميز العرب بثلاث خصال هامة وهي: الذكاء، والحيوية، والشجاعة، فلقد كانوا أولأ  يتمتعون بذكاء نادر حاد استغلوه في تحقيق المنافع الحميدة. ثانيا: أكسبتهم حميتهم الدينية روح إقدام وشجاعة. وأخيرا، كان لديهم حس طبيعي بالجمال اجتمع إلى قوة الخيال والتعبير فأدى: ثم إلى تذوق كل ما هو فكري وروحي.
وبعد هذا الاستعراض للماضي المجيد، نتجه الآن بفكرنا إلى المستقبل فنقول: إنه يجب أن يكون هناك مركزا أو مركزان من المراكز الثقافية الرفيعة في المنطقة الإسلامية. وليكن أحدهما في بلد عربي كالكويت، والآخر في بلد غير . عربي في الباكستان أو تركيا على سبيل المثال: ولا بد أن تجري في هذين المركزين أبحاث في العلوم البحتة ذات المستوى الرفيع من الإتقان، ثم تجرى بعد ذلك أبحاث تستهدف خدمة المجتمع بتطبيق نتائج الأبحاث الأساسية في أقصر وقت ممكن. ومن الجوهري أن نكون مضرب الأمثال أمام دول نامية كثيرة في الارتقاء بالمستوى الصحي لسكان بلادنا في أسرع وقت ممكن. وأعتقد أنه بالتخطيط السليم والتطبيق الملتزم يمكننا أن نحقق المعجزات. وينبغى نشر الجهود المبذولة في هذين المجالين بعدة لغات عالمية، وتوزيعها على أوسع نطاق دولي، كما ينبغي أن يكون هذان المركزان أل إسلاميان على صلة وثيقة بالمراكز الأخرى في العالم الإسلامي ويجب أن يشتمل نشاطهما تبادل البرامج عن كافة النواحي الصحية والطبية المختلفة على مستوى الطلاب والأساتذة والباحثين، و.سوف ترفع هذه البرامج من المستوى الصحي والطبي لا أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، وبالإضافة إلى ذلك ينبغي أن يهتم هذان المركزان وغيرهما من المراكز الإسلامية بعقد الحلقات الدراسية والندوات وورش العمل لتبادل وجهات النظر، والاستفادة من التقدم التكنولوجي في الدول التي سبقتنا في هذا المضمار، كما يجب تشجيع المنظمات الدولية على إنشاء مراكز إقليمية لها في البلدان الإسلامية، وذلك بتقديم كافة التسهيلات والمزايا التي من شأنها أن تجعل من بلادنا أماكن جذب لمثل هذه المراكز، وسوف تساعد مثل هذه المراكز الإقليمية على خلق جو يدفع إلى تنشيط البحث العلمي في المنطقة الإسلامية.
وعلاوة على ذلك، يجب العمل على تشجيع التعاون الوثيق مع الجمعيات المهنية الدولية المراكز الطبية العالمية، كما يجب إقامة روابط قوية مع وكالات الأمم المتحدة، وبصفة  خاصة مع منظمة الصحة العالمية، ولقد أصبحت اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية المستعملة في هذه المنظمة، و"كما يجب استغلاله إلى أقصى حد مع تشجيع الأجانب على تعلم اللغة العربية.
ولقد حان الوقت لوضع تصور بعمل دليل طبي يضم  أسماء الدوريات الطبية التي تنشر في الدول الإسلامية، وخاصة تلك التي تنشر باللغات العربية والإندونيسية والفارسية والتركية والأردية.
إن الطب الإسلامي بماضيه العريق ليستحق مكانة مرموقة في الحاضر لا تقل في عظمتها عن ذلك الماضي المجيد، ومع توفر الإمكانات والموارد وخاصة تلك البادرة التي تقدم بها مركز الطب الإسلامي في الكويت فإن تنفيذ البرنامج الطموح الذي نقترحه هنا للوصول إلى هذه الغاية يصبح في حيز الإمكان.



نظرة الإسلام للطب 
 
الدكتور/ إبراهيم الصياد
الكويت
أولا: الإسلام وعلم الطب
- علاقة الإسلام بالطب هي عنصر جزئي ينطلق من حقيقة كبرى تحكم نظرة الاسلام للانسان، فالانسان في القرآن الكريم هو خليفة الله في الأرض، وهو مخلوق الله المكرم الذي أمر الملائكة فسجدت له وسخر له الأرض ليبني فيها ويعمر.
هذه القيمة العظمى للإنسان هي التي فرضت إحاطة مخلوق الله المكرم بسياج من الضمانات التي قررتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لدرجة ان العدوان على الإنسان هو اعتداء على المجتمع بأسره يقول القرآن الكريم:
(من قتل نفسا بغير نفس إفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) (32/5).
ويقرر الرسول: " المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه "
وإزاء هذه القيمة العظمي والمسؤولية الكبرى للإنسان فإن الله تعالى قد سلح الإنسان بالمعرفة: (الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان) (55/ 1- 4)
وهكذا تتضح الصورة: إنسان كرمه الله ، ثم حمله مسؤولية كبرى وهي حمل أمانة الله في الأرض ثم أعطاه الأساسي وهو " العلم والمعرفة ".
- وعلم الطب هو أبرز وسائل المعرفة لحماية ذلك المخلوق الذي كرمه الله لكي يؤدي رسالته على الأرض فالطب ترجمة لحق البدن على صاحبه كما يقول الرسول:
إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا )
- والعلم الحق هو الذي يهدي الى الإيمان، والإيمان الحق هو الذي يعطي مجالا للعلم وهذا هو العلم الذي يريده الإسلام، يريده علما في ظل الإيمان وفي خدمة مثله العليا وفي ذلك أشار القرآن: (أقرا باسم ربك) (96/ 1) وهكذا طلب القرآن قراءة مقيدة بقيد خاص وهو ان تكون باسم الله. وبهذا تكون موجهة إلى الخير.

- الإسلام يفضل طلب العلم على العبادة غير المفروضة. فعن رسول الله قوله " فضل العالم على العابد كفضل على أدناكم "
وذلك أن معظم العبادات قاصرة النفع لا تتجاوز صاحبها فالذاكر وتعالي القرآن يتعبدون بما يزكى أنفسهم ويزيد في حسناتهم ولكن المجتمع لا ينال من عبادتهم فائدة مباشرة تحقق له النفع، أما العلم فنفعه متعد لا يقتصر علي صاحبه بل يفيد منه الناس.
- لذلك كان للعلوم التطبيقية مثل الطب مكانة رفيعة في الإسلام. ففي الآية الكريمة: (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء) (27/35- 28) وكانت خشية الله عائدة على العلماء المشتغلين بالعلوم التطيقية التي وردت في الآية الكريمة مثل الجيولوجيا والطب والأحياء.
- قيل أن العلم النافع للبشرية يتميز علي العبادات بأن ثوابه لا ينقطع بانتهاء الحياة قال رسول الله " اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "
- وعلى ذلك نقول اذا كانت العبادات وسيلة الى رضا الله فإن العلم ايضا وسيلة الى رضا الله والي نفع العباد، وهذا يستلزم من العلماء ان يوجهوا علمهم إلى ما يرضي الله "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" "من طلب العلم ليجاري به العلماء او ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس عليه أدخله الله جهنم " ولما كان العلم سلاحا ذا حدين دعا الرسول الى تقوى الله في استخدامه حيث يقول " العلم: الخشية وتقوى الله".
- وبالرغم من اهتمام الاسلام بالطب فإن هناك توضيحا للعلاقة بين القرآن والعلوم الطبية. ان القرآن ليس كتابا في الطب أو الفلك كما يحاول بعض اعدائه أن يجدوا فيه تبيانا مع هذه العلوم. ان مادة القرآن أكبر من تلك المعلومات الجزئية فمجال القرآن هو الانسان ذاته: اعتقاده ومشاعره وسلوكه وأعماله وعلاقاته بخالقه وبما حوله، وبذلك يصحح له مفاهيمه وتصوراته عن الحياة، ويضعه على الطريق السليم ليستخدم طاقاته ومنها طاقته العقلية لتعمل بالبحث العلمي في الحدود المتاحة للانسان، كما يعالج بناء المجتمع الانساني الذي يسمح لهذا الانسان بأن يحسن استخدام طاقاته في الخير بما يرضي الله.
إن القرآن الكريم كناب هداية يهدف الى تكوين المجتمع المسلم الذي يقيم رسالة الله في الأرض. والسنة النبوية التي تعتبر شرحا وتطبيقا لكتاب الله، تناولت من الجوانب الطبية ما يهم صالح المجتمع المسلم كما سنوضح فيما بعد. فرسول الله ليس طبيبا، ولم يدع لنفسه القدرة على الشفاء بل كان يقول لأهل المريض "ارسلوا الى طبيب " وبعبارة أوضح فالكتاب والسنة وضعا الخطوط العريضة للتشريع في مختلف مجالات الحياة دون الدخول في التفاصيل ووضعا القواعد الاساسية التي في حدودها يمكن الاجتهاد لتتناسب الشريعة الاسلامية مع كل زمان ومكان في حدود جلب المصالح وتجنب الضرر والضرار.
- ان وجود بعض المصطلحات مثل " الطب الاسلامي " أو " الطب النبوي " لا يعني ان الطب الذي يمارس اليوم في العالم طب غير اسلامي. هذه المصطلحات تحمل معنى تخليد التراث الحضاري للأمة الاسلامية في عهد ازدهار الدولة الاسلامية، ذلك الازدهار الذي انعكس على محتلف العلوم ومنها الطب فكانت نهضة حقيقية تستفيد بما قبلها وتناقشه وتنقحه وتضيف له خلاصة تجاربها وإنتاجها ثم تصدره للعالم في أفضل صورة متاحة للبشرية في ذلك الحين. وفي كل هذه المراحل كان الفضل للإسلام: في مرحلة الترجمة كان الدافع هو ان " الحكمة ضالة المؤمن ينشدها أنى وجدها " وفي مرحلة الانتاج الذاتي كان الدافع هودعوة القرآن والرسول للعلم في مواضعها الكثيرة.
وفي مرحلة التصدير كان الدافع هو أن الاسلام يرفض الاحتكار لأي شيىء ولذا لا بد من نشر المعرفة. والآن وبعد التخلف الحضاري والتفتت الاقليمي للامة الاسلامية فانها مطالبة بالاستفادة من الطب الذي يتقنه الآخرون بل اللحاق بهم. إن تذكر أمجاد الماضى يجب أن يكون دافعا لانجازات المستقبل لا للتوقف عند الحد الذي وصلوا اليه. وكل ما ينجزه العقل البشري من علم نافع يقبله الإسلام بل يباركه الرسول مشجعا للمتخصصين في علوم الحياة رافضا ان يفرض عليهم أي وصاية حين يقول: " أنتم أعلم بأمور دنياكم "
ثانيا: الاسلام ومهنة الطب
ا- الاسلام يحترم العمل المهني من أجل الكسب الحلال. فالرسول يقول: "أن أطيب ما أكل الرجل من كسب يده "والطب مهنة للكسب الحلال امتدحها رسول الله: "نعم العبد الحجام " وورد انه احتجم وأعطى الحجام أجره.
2- والمسلم في عمله الحلال له ثواب العبادة. فرسول الله أعاد شابا عن الجهاد لكي يعمل لتوفير الرزق لوالديه المسنين وقال له: "ففيهما جاهد" ولكي يكون العمل في منزلة العبادة لا بد أن تتوفر في ممارسته نية صادقة بأنه موجه الى رضا الله فالرسول يقول: "من ابتغى وجه الله فإن نومه ونبهه أجركله "
3- لذلك فان الاسلام يدعو الطيب المسلم لأن ينطلق في ممارسة مهنة الطب من قواعد ثلاثة:.
أ- دفع الضرر عن المجتمع المسلم بتوفير مقومات الصحة للمجتمع. والرسول يقول:: " ان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" والطبيب في مجال تخصصه مطالب بأن يقدم علمه وخبرته لصالح المجتمع المسلم. يقول الرسول: " اعزل الأذى عن طريق المسلمين "" والله يكره أذى المؤمن "
ب- اداء واجب الأخوة في الله نحو أخيه المسلم المريض ففي الحديث الجامع عن رسول الله " المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة " وبذلك يكون هدف الطبيب في تخفيف آلام المريض أسمى من الرغبة في الاجر والجزاء الدنيوي وأرفع من اشباع النفس بلذة الشعور بالمهارة في المهنة.
ج - الرحمة الانسانية التي تتسع لكل البشر مسلمين وغير مسلمين بل تتسع لكل كائن كما يقول الرسول "لكم في كل ذات كبد حرى أجر". " لن تؤمنوا حتى تراحموا ". قالوا كلنا رحيم يا رسول الله. فقال الرسول " ليست الرحمة أن يرحم الرجل قومه انما يرحم الناس جميعا "
وموقف الطبيب في العملية العلاجية هو انه اداة الرحمة الإلهية والوسيلة التي يخفف الله بها آلام الناس، فعندماقال أبو رمثة لرسول الله: دعني أعالج ما بظهرك فإني طبيب، فقال له الرسول: " انت رفيق والله الطبيب " أن ذلك يجعل الطيب دائم الصلة بالله يسأله التوفيق في عمله. كما أنه يقيه من الغرور المهني عند نجاحه في عمله لأن ذلك يحبط العمل ويزيل الأجر.

ثالثا: نظرة ا لاسلام للمرض
 - يعترف الاسلام بالمرض كحالة غيرطبيعية تصيب اعضاء معينة من الجسم ، فرسول الذ يقول لسعد بن ابي وقاص حيث أصيب بمرض القلب: "انك رجل مفؤود فأت الحارث بن كلدة اخا ثقيف فإنه رجل يتطبب ". اذن ليس المرض ناتجا عن الشياطين والنجوم والأرواح الشريرة، لذلك منع الاسلام كل الممارسات المبنية على هذه المعتقدات الخاطئة مثل التطير والتمائم والعرافة وغيرها. يقول الرسول في احاديثه: " من علق تميمة فقد أشرك "، "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد"، " لا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة "، " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ".
- صحيح أن الاسلام لم يوضح العوامل والاسباب المرضية بالصورة التي نفهمها الآن، لأن الحضارة الانسانية في هذا العصر لم تكن لتستوعب هذه المعلومات. ومع ذلك فقد أعطى ارشادات محددة تهدف لسلامة المجتمع المسلم، مثل ما ذكره الرسول في العدوى وصحة البيئة والتغذية والنظافة الشخصية. وهذه لا تختلف عما يقوله عالم في العصر الحديث يعرف مسببات الامراض ووسائل مكافحتها. وحديث الرسول عن الطاعون ما هو الا أسلوب الحجر الصحي الحديث للأمراض الانتقالية ولكن دون أن يذكر العامل المرضي (الميكروب) وطريقة انتقاله بصراحة. عن اسامة بن زيد قال رسول الله: " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".
- المسلم مطالب بحفظ صحته والمجتمع مطالب بوقاية نفسه من الامراض بل توفير الصحة الايجابية بمفهومها الحديث، يقول الله تعالى: (ان خير من استأجرت القوى الامين) (26/28) ويقول الرسول: " لو لم يكن لابن آدم الا اسلامه والصحة لكفاه ".
وليس ذلك بغريب فالمؤمن القوي الصحيح أقدر على اداء الرسالة التي خلق الله الانسان من أجلها ليعيش على الأرض ويؤدي الامانة التي تقبل ان يحملها. ان القرآن يعيب على أولئك الكافرين الذين يريدون الحياة- أي حياة- لمجرد الحياة (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر) (96/2) 0 ان الاسلام لا يقبل أن تكون أمة المسلمين غثاء كغثاء السيل تعيش هامش الحياة في عجز جسماني وفكري. فعندئذ يكون بطن الأرض خيرا لها من ظاهرها.
- بل أن كره المرض أمر طبيعي يقبله الاسلام فعندما ما قال ابو الدرداء لرسول الله " لأن اعافى فأشكر احب إلى من ابتلى فأصبر " فقال الرسول: " الله يحب معك العافية " " اسألوا الله العافية فإنه ما أوتي احد بعد يقين خيرا من معافاة ".
- ولكن اذا ما حدث المرض فإن المسلم أقدر على تقبل هذا الواقع المؤلم بصبر ينبعث من إيمانه بنظرية الابتلاء. فالمرض ليس غضبا من الله أو عقابا من السماء لكنه ابتلاء يكفر الذنوب ويرفع الدرجات اذا تلقاه المسلم بصبر واحتساب. يقول الرسول " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ".
- بل أن هناك جانبا يتميز به الاسلام في موقفه من المرض وهو وان بدا أمرا يتعلق بالسلوك الا انه في نهاية الأمر نوع من العلاج النفسي لنا أن نصنفه في جانب العلم بأكثر مما يصنف في جانب الآداب والاخلاقيات. فللمريض حق على الصحيح وهو حق العيادة، كما أن له حقا على الطبيب هو حق الطبابة. وهذه الحقوق تستمد من التأكيد الشديد الذي ركزت عليه احاديث الرسول في عيادة المريض إلى ما يشبه الوجوب وانها من حقوق المسلم على المسلم انها ليست مجرد تخفيف عنه وصلة له ولكنها قربى إلى الله. يقول الرسول في الحديث القدسى: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب: كيف اعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت انك لو غدته لوجدتني عنده؟ " وهكذا فالمريض قريب من الله كما يقول الرسول الكريم: " عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم فإن دعوة المريض مستجابة وذنبه مغفور "، " اذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة ".
- بهذه الفلسفة يكون المريض قادرا على التماسك والتحمل ولا يكون المرض البدني سببا في تولد المرض النفسى أو الاضطرابات العضوية النفسية. بل ان صلابة النفس كثيرا ما تساعد في شفاء المرض الأصلي.
- ويتفرع من تلك الفلسفة ايضا ان الازمات الصحية مهما اشتدت لا تقود المسلم الى التفكير في التخلص من حياته. بل لا يجوز له أن يتمنى الموت. عن انس بن مالك عن رسول الله: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي ".
 - أعطى الاسلام المريض رخصة تعفيه من الالتزامات الشرعية حسب ما تمليه الضرورة. ففي القرآن الكريم: (ولا على المريض حرج) (61/24 لم ولذا يباح الذهب في العلاج التعويضى كما أمر رسول الله عرفجة بذلك، كما يباح استعمال الحرير في المرض الجلدي فرسول الله رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهمامع أن كليهما محرم على الرجال.
رابعا: نظرة الإسلام للوقاية والعلاج:
ا- دعا الاسلام الى تطبيق أسس الرعاية الصحية الثلاثة وهي الوقاية والعلاج والتأهيل.
2- وحيث أن الطب الوقائي يهدف إلى تدعيم الصحة الايجابية، لذلك أولاه الاسلام أهمية خاصة. فالمجتمع المسلم الصحيح أقدر على حمل الامانة وأداء رسالة الله في الأرض. وعلى ذلك نجد أن احاديث الرسول في الصحة الوقائية تتميز بالتفصيل وتنتهج أسلوبا أقرب الى الإلزام. أما الطب العلاجي فقد تناولته بالمنهج العادي في التشريع وهو وضع القواعد الاساسية التي تضمن السير في الطريق الصحيح دون الدخول في التفاصيل.
3- ففي مجال البيئة ذجد الاسلام قد وضع أنموذجا رائعا لارتباط كل فرد مسلم بأمة الاسلام ويتمثل ذلك في مسؤولية كل فرد عن سلامة المجتمع والتزام كل مؤمن بسلامه أخيه تماما كالتزامه لنفسه فالقرآن الكريم وضع القواعد الاساسية: (انما المؤمنون إخوة فأصلحوا ينن أخويكم) (49/ 10) والرسول يقول: " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " و "المسلم للمسلم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمي ".
وانطلاقا من ذلك فان المحافظة على الصحة الشخصية لا تكفي بل لا بد من الحرص على صحة البيئة ويتمثل ذلك في الاحاديث: " ان الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم فنظفوا افناءكم وساحاتكم "، "أنظر مايؤذي الناس فاعزله " "لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ".
4-  وفي مجال الوقاية من الا امراض المعدية وضع الرسول قيودا على حركة المريض: " لا يحل المرض على المصح وليحل المصح حيث شاء ". بل ان المسلم مطالب بالالتزام بقواعد الحجر الصحي في حالة الوباء ولو أدى ذلك إلي التضحية بنفسه فالرسول يقول: " الطعون شهادة لكل مسلم ".
5- وفي مجال الصحة الشخصية فإن طهارة البدن شرط لدخول الاسلام والنظافة شرط لأداء أهم أركانه وهي الصلاة. ونقرأ لأهمية صحة/ الانسان وانعكاساتها على أجهزة الجسم المختلفة جعل العناية بها تكاد تكون ملزمة كما في قول الرسول: " لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة".
وكثيرمن أحاديث الرسول تناولت صحة الغذاء والأواني والطعام.
6- وفي مجال السلامة والوقاية من الحوادث: وضع الاسلام القاعدة الاساسية لهذا العلم الذي لم يتبلور الا في اواخر القرن العشرين: فلكل حادثة سبب، ولتجنب الحوادث يجب على المسلم ازالة اسبابها وقاية لنفسه. في القران الكريم: (ولا تلقوا بأيديكم الي التهلكة) (2/ 195)، (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) (4/ 29)
وحديث الرسول: " لاتتركوا النار في بيوتكم حين تنامون "، "ارشادك الرجل في ارض الضلال صدقة، واماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ".
7- وفي الطب العلاجي أمر الاسلام بالتداوي امرا صريحا وحازما، فالمسلم ليس قدريا يهمل العلاج ويترك نفسه للقئدار بل لا بد من العلاج الذي جعله الله سببا للشفاء.. وعندما سئل الرسول عن دواء يتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا فقال الرسول: " هي من قدر الله "، وحديث الرسول المعروف عن العلاج " يا عباد الله تداووا، ان الله عز وجل لم ينزل داء الا انزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله "، " فاذا أصيب دواء الداء برأ باذن الله "
هذ التعليمات الواضحة غيرت مفاهيم البشرية نحو المرض والعلاج ووضعت حدا للخرافات الشائعة عن اسباب الامراض ووسائل علاجها. ووضعت الناس على الطريق الصحيح ليبحثوا في الداء والدواء ليعلم من لم يكن يعلم.
8- واستكمالا للدقة في  تحديد المسار الصحيح للطب العلاجي دعا رسول الله الى احترام التخصص في فروع الطب فينادي الحارث بن كلدة للمريض المفؤود. وعندما يواجه طبيبين متقدمين لعلاج مريض يسألهما: " أيكما أطب بهذا؟ " حتى يتلقى المريض أفضل رعاية متخصصة.
9- هناك ادوية معينة كانت شائعة في عهد الرسول وبطبيعة الحال فانه استعملها في مرضه مثل سائر الناس ومن هنا بدأ بعض الكتاب والمؤرخين في استعمال تعبير (الطب النبوي) وبمرور الزمن ظهر اتجاه الى تقديس كل ما مارسه رسول الله من طعام وشراب وعلاج والالتزام به مع ان حديث رسول الله صريح في انه أمر بالالتزام بما جاء به الوحي من أمور الاسلام. أما الممارسات الدنيوية التي لا تتعلق بالعقيدة فالاجتهاد فيها مفتوح في اطار الالتزإم بحدود الاسلام.: " انتم أعلم بأمور دنياكم " فالأسلام لا يقبل ان يمتنع المسلم عن استعمال دواء حديث لمجرد ان رسول لم يستعمله لأنه لم يكن موجودا في ذلك العصر. واعتقد أن أحاديث الرسول فيما يتعلق بالعلاج تلتزم ايضا بالمنهج العام للتشريع وهو اعطاء الاطار الواسع للعموميات. فعندما علم رسول الله ان سيدة تستعمل مادة مهيجة للامعاء كوسيلة مسهلة نصحها بأن شستعمل السنا. وأرى أنه يقصد بذلك أن يضح قاعدة التداوى بما لا يضر او بما هو أقل ضررا اكثرمما يقصد ان يلزم الناس باستعمال السنا.
وهكذا نرى أن التشريع يقترب من الألزام في جانب الوقاية ودفع الضرر عن المسلمين ويتجه الى وضع القوعد العامة التي تتمشى مع روح الاسلام فيما يتعلق بالعلاج. 
01- أما التأهيل فيهدف الى منع العجز بسبب المرض. والاسلام يعود المسلم الا يستسلم للعجز بل يصلي  ولو للايماء. الكل مطالب بالعمل حسب طاقته فالحديث. " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " والاسلام لا يرضى للمسلم ان يعيش عالة على غيره والحديث يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى" حتى في مجال التأهيل بالجراحة التعويضية اباح الأسلام استخدام الذهب في العلاج التعويضى رغم انه محرم على الرجال. أما الممارسات التي قصد بها تشويه جسم الانسان او تغيير صورته الجميلة مثل الوشم فان الرسول حرمها بقوله "لعن الله الواشمات "وقديما كانوا يكسرون جزءا من الاسنان اذا كان بارزا لاغراض التجميل وبذلك يزيلون طبقة المينا الواقية علي سطح الاسنان وهذا فيه ضرر وهنا يتغلب دفع الضررعلى التجميل فيحرمها الرسول بقوله "لعن الله الواشرات والمستشورات " اما الجراحة بقصد التجميل اذا لم يكن فيها ضرر او احتمال واضح للضرر فانها تدخل في القاعدة العامة: " ان الله جميل يحب الجمال ". والمرأة المسلحة مطالبة بأن تبدو بأجمل صورة في عيني زوجها.
خامسا: الاسلام وآداب ممارسة مهنة الطب:
ا- لا يجوز فصل آداب المهنة عن الاخلاقيات العامة التي يجب أن يتصف بها كل مسلم في سلوكه، فالاسلام يهدف الى تكوين الذات الاسلامية منذ الطفولة بحب يمتزج الخلق الأسلامي مع تكوين الفرد وطباعه. ومن واجب الاسرة والمدرسة والدولة ان يوفروا البيئة الصالحة التي لا يشيع فيها المنكر ويكون المثل الاعلى فيهما قول الله تعالى:
(وانك لعلى خلق عظيم) (4/68) وبذلك ينشأ الجيل منسجما مع فطرته النقية بسهولة بلا تناقضات ويجد طريق الخير امامه سهلا وبذلك يتحقق قول الله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم  ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءكل امرى بماكسسب رهين) (52/ 21)
والطيب المسلم الذي يحمل أمانة الاسلام اولا، وأمانة المحافظة عاى صحة المسلمين ودفع الضرر عنهم ثانيا، أولى الناس بأن تكون تربيته اسلامية وسلوكه محمديا. وعندما سئلت عاثشة زوجة الرسول عن اخلاقه قالت: كان خلقه القرآن. وبذلك يكون الالتزام بخلق الاسلام جزءا من طبع الطبيب يمارسه بلا تكلف في جهره وعلانيته ونذكر قصة المعلم الذي قال لتلميذه الصغير: اذبح هذا الطائر في مكان لا يراك فيه احد، فغاب الغلام ثم عاد ومعه الطائر حيا وقال لأستاذه. لم أجد المكان الذي اكون فيه وحيدا تماما لاني كلما اختبأت في مكان شعرت أن الله معي. والطبيب المسلم الذي يشعر أن تعامله مع الله وان عليه رقابة دائمة: (عن اليمين وعن الشمال قعيد) (17/50) لا بد أن يتقي الله في التعامل مع خلق الله. إذا تذكر قول رسول الله: " عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا " فان نظرته الى الكائنات الحية كلها ستكون نظرة رحمة فأولي  به أن يكون رحيما مع الانسان- أفضل مخلوقات الله - الذي كرمه الله وجعله خليفة في الأرض. لقد جرت العادة منذ عهد ابقراط ان يبدأ الطيب حياته المهنية بترديد قسم يلتزم بأدابه في ممارسة الطب. ان قضية السلوك المهني لا تحل بقسم، ولا تستوفى بدراسة مقرر علمي في اداب ممارسة الطب، ولا تحكمها قواعد قانونية تقررها نقابة طبية أو دستور وضعي، ان الرعاية بالمريض تحمل التزامات اخلاقية. والطبيب في ممارسته اليومية ستواجهه كثير من المواقف تستلزم استفتاء الضمير. وهنا ستتأثر قراراته بمدى التزامه تجاه ربه. وهنا ينبعث حكمه من قول رسول الله: "والإثم ما حاك في النفس وكرهت ان يطلع عليه الناس " . ان مفهوم الواجب في الاسلام هو أن تعمل لا بقصد رضاء الناس بل يقصد به وجه الله. (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (6/ 162)
2- هذه القاعدة الاساسية تندرج تحتها كل الفضائل والاخلاقيات التي أوصى بها القرآن والرسول الكريم ومنها:
أ- الصبر: (واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين) (11/ 115)
ب- الاحسان في العمل: (واحسنوا ان الله يحب المحسنين) (2/ 195)،
(ان الله يأمر بالعدل والاحسان) (16/ 95)
!- السمت الصالح: " ان الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة"
د- الكلام الطيب: الكلمة الطيية صدقة"
هـ- الابتسام: "تبسمك في وجه اخيك لك صدقة"
و- الحياء: "ان لكل دين خلقا وخلق الاسلام الحياء"
ز- الرحمة: "ارحموا اهل الارض يرحمكم من في السماء"
ح- الرفق: "لا يحل لمسلم ان يروع مسلما"
ط- التواضع: "من أحب ان يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار"
ى- الصحبة الطيبة: "لا تصاحب الا مؤمنا، ولا يأكل طعامك الا تقي "
3- ولكن هناك بعض جوانب اخلاقية معينة تمس عمل الطبيب اكثر من غيره ويلزمه ان يتذكر دائما حكم الاسلام فيها. ومن ذلك جوانب علاقته بالمريض كما يلي:
أ- غض البصر: يقول القرآن: (قل للمؤمنين يغضوا من أبضارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم) (24/ 30) فلا يجوز أن يكون الترخيص بالاطلاع على عورات الناس عند الضرورة مبررا للتخلي عن الحياء الواجب على كل مسلم. وعلى الطبيب الا يطلع الا على ما هو ضروري. وان شعور المريض بحياء الطبيب في هذا الموقف يعطيه
ثقة اكثر في طبيبه.
ب- لا يجوز اخبار المريض بخطورة مرضه ولو كان ميئوسا من شفائه. ان حالة المرض من الحالات القليلة التي رخص فيها الاسلام باخفاء الحقيقة قال رسول الله "اذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله، فان ذلك لا يرد شيئا ويطيب نفسه ".
بر- وتطبيقا للقاعدة الشرعية: " لا ضرر ولاضرار" فان الطبيب عليه أن يخطر المريض المصاب بمرض معد، ويدعوه الى الاعتزال لمنع الضرر عن المسلمين، وهناك فرق بين أن يفقد المريض الامل في الشفاء وان يعرف انه مصدر ضرر للآخرين فيبتعد عنهم. اذا تعارضت مصلحة المجتمع مع مشاعر الفرد تفضل مصلحة المجتمع. فعندما علم رسول الله ان مريضا بالجذام قادم اليه ليبايعه مع المسلمين ارسل اليه ليرجع قائلا: " ارجع فقد بايعناك "
د- والطبيب في مهنته معرض للاطلاع على اسرار المريض فيجب أن يتخلق بخلق الاسلام في هذا المجال: " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ".
هـ- واذا استشاره المريض فليلتزم بالامانة في ابداء المشورة وليحافظ على ما استشير فيه فالرسول يقول: " المستشار مؤتمن ".
و- فحص الطبيب للمريضة يجب أن تحضره ممرضة او احد محارم المريضة تطبيقا لقول الرسول: "لا يخلون رجل بامرأة الا ذو محرم ".
4- وهناك جانب آخرمن سلوك الطبيب يمكن أن نسميه " اسلاميات ممارسة المهنة "ومنها ما يلي:
أ- بدء الفحص أو العلاج بذكر اسم الله فان ذلك له عدة اعتبارات:
- ادعى للتوفيق في العمل فالرسول يقول " كل عمل ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو ابتر".
- استشعار لدوره كسبب نفاذ ارادة الله في العلاج وهذا هو موقف العبودية لله.
- توجيه عمله لله حتى يثاب عليه.
- منح المريض دفعة روحية، هو في موقف حساس: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (51/ 55).
ب- قد يشهد وفاة المريض وبصفته مسلمات قبل ان يكون طبيبا فعليه أن يلقنه الشهادتين كما يقول. " لقنوا موتاكم لا اله الا الله ".
ج- تجنب ما حرم الله في العلاج تنفيذا لقول الرسول " ما جعل الله شفاءكم فيماحرم عليهم ".
وفي الطب الحديث لكل علاج محرم بديله الحلال.
د- تجنب الممارسات كالاجهاض والوشم فقد قال الرسول: " لعن الله الواشمات والمستوشمات والواشرات وا لمستوشرات ".
هـ- الا يقدم على ممارسة الا اذا كان مطمئنا الى كفايته لتنفيذها فالرسول يقول: " لا حكيم الا ذو تجربة " ويحترم التخصص المهني تنفيذا لقول الرسول: " من تطبب ولم يعلم عنه طب فهو ضامن ".
و- ان يحافظ على كفاءته العلمية بالتعليم المستمر فان مهنته تتعداه الى غيره وعلمه من النوع التطبيقي والرسول يقول: " الحكمة ضالة المؤمن اني وجدها ينشدها ".
ز- ان يتعامل مع زملئله الاطبآء على أسس من تعاليم الاسلام فيتجنب الغيبة والتجريح وليحترم الكبير: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا " ولا يتعالى على الصغير: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" ويقدم النصح لمن يحتاجه "الدين النصيحة " وان يسعى لتعليم زملائه الأقل خبرة " من دل على خير فله مثل اجر فاعله)، " يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فاذا جاؤكم فاستوصوا بهم خيرا".
ح- ان يفيد بعلمه كل مريض يمكنه مساعدته فالرسول يقول: " اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع ""من كتم علمه عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار ".
ط- أن يذيع ما يكتشفه من جديد في العلاج تعميما للفائدة ولا يحتكرطريقة في العلجي بقصد الكمسب منها فالرسول يقول: " لا يحتكر الا خاطىء ".
ى- وان يراعي حرمة الميت كما يراعي حرمة الحي فالرسول يخاطب الكعبة قائلا: " والمؤمن اعظم حرمة عند الله منك ". ويقول: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الاثم ".
ان آفاق التعاليم الاسلامية تتسع لكل ممارسة طبية يقصد بهاءالخير للانسان، وحتى في المواضع التي لم يرد فيها نص صريح فان التشبع بروح الاسلام يعطي الطبيب المسلم امكانية التصرف طبقا للمصالح المرسلة التي يراها نافعة للبشرية.
وهذا يزيد من حاجة المجتمع المسلم لان يكون الاطباء أقرب الى الله وأكثر التزاما بما أنزل الله وجاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
 
ا لمرا جع
- الكتاب والسنة.
- القران الكريم (رقم السورة/ رقم الاية)
ا- صحيح البخاري
2- صحيح مسلم
3- سنن ابي داود
4- جامع الترمذي
5- سنن ابن ماجه
7- موطا مالك*
8- مسند احمد بن حنبل.
9- معجم الطبراني
10- سنن الدارامي
11- الجامع الصغيرللسيوطي
12- المستدرك للحاكم.
13- مسند البزار
14- التاج الحاصر للاصول فى احاديث الرسول.
ثم شكر رئيس الجلسة الدكتور ابراهيم الصياد على كلمته التي جاءت تكملة للكلمه الأولى بصورة اسلامية واضحة. وفي هذه اللحظة حانءاذان الظهر حيث أذن للصلاة.
نم تحدث الدكور ماهر حتحوت فقال.



الطب في الإسلام بين التشريع والممارسة والتخطيط 
 
للأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل
الكويت
السيد الرئيس:
السادة الزملاء:
(1) تحية
يسعدني أن أضم صوتي إلى أصوات سبقت إلى هذا المنبر، وأصوات تتعاقب عليه في شكر تركيا رئيسا وحكومة وشعبا أن استضافت هذا المؤتمر الإسلامي الطبي الكبير.
ومن حق مدينة استنبول ونحن نلتقي في رحابها، أن نربط مجدها العريق بما نحن بسبيله من تعاون على بناء حاضر ومستقبل
وفي زيارتي لهذه المدينة تسبق إلى ذهني ثلاثة جوانب من تراثها: الإيمان والعلم والتخطيط.
فلقد استمرت محاولات المسلمين ثمانية قرون حتى تمكن السلطان محمد الفاتح من فتح أبواب القسطنطينية عام(857 هـ/ 1453 م) وتمثلت عبقرية هذا السلطان الشاب في أنه استطاع لأول مرة أن يجمع بين عمق العقيدة وارتفاع المستوى العلمي القادر على التغلب على حصون المدينة وأسوارها، فالتقت تحت قيادته القوتان: الإيمان والعلم.
ولم يكن الإيمان ينقص المحاولات السابقة، ولكن ينقصها المستوى العلمي القادر على التحدي والانتصار.
ويأتي العنصر الثالث وهو التخطيط: وأراه واضحا في خط السماء في استنبول ويبرز فيه اسم عبقري العمارة خوجه سنان وهو عبقري بأي مستوى وضعته فيه: بين قومه الأتراك، وبين أهل عقيدته المسلمين، وبين أصحاب تخصصه من عظماء العمارة في العالم.
واستطاع سنان في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي أن يضع اللمسات الأساسية في خط السماء في استانبول، وأن يمد تأثيره على العمارة التركية والإنشاءات الدينية والمدنية في أكثر من قطر من أقطار الدولة العثمانية. وإذا كان، سنان قد اختار ثلاثة مساجد لتمثل مراحل تطوره وهي

شاه زاده وسليمية في استانبول وسليمية في أدرنه، فإن هذه المساجد لقاء بين الإيمان والعلم والتخطيط معا.
ولا زلنا حتى الآن حين ننظر إلى خط السماء في استانبول وحين نشرف على أدرنه، وعلى أكرمن مدينة في تركيا، نحس أن عبقرية سنان وزملائه ترحب بنا، بعد أن بارح دنيانا في عام (996 هـ/ 1588 م) هو ترحيب تعبر عنه هذه الكلمات الثلاث: الإيمان العلم التخطيط.
(2) الصحوة الثانية
السيد الرئيس:
السادة الزملاء:
ونحن نعيش مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري ما اصطلحنا على تسميته بالصحوة الإسلامية الثانية. وقد انتشر استخدام هذا المصطلح في كل من العالم الإسلامي والدوائر العلمية في خارجه.
وقد يكون في هذه التسمية شيء من التجاوز أو الظلم لجهود إسلامية سابقة.
نتفق على أننا نعيش صحوة، ولكنها ليست الثانية، فلقد تعثر العالم الإسلامي بعد اليقظة الأولى التي شملت عهود الخلافة الراشدة والأمويين والعباسيين، وسيظل سقوط بغداد (عام 656 هـ/ 1258 م) يمثل زلزلا كبيرا في تاريخ الحضارة
الإسلامية.
ولكن عندا هذا الزلزال ومقدماته وآثاره لنا وقفة وثيقة الارتباط برصيد الحضارة الإسلامية وتاريخها. والطب جزء منها.
وسأترك بغداد مؤقتا لأتحدث عن القسطنطينية.
الغرب يتحد ث عن عام 1453 م: بأنه عام " سقوط القسطنطينية ". ومؤرخو الإسلام يتحدثون عن " محمد الفاتح " وعن " فتح القسطنطينية، وكيف غاب الاسم القديم ليبرز اسم استانبول.
ونقرأ في كتب الحضارة عن تأثير سقوط القسطنطينية على قيام عصر النهضة في أوروبا، وأن هجرة العلماء منها كانت من الأسباب التي أدت إلى انطلاق الفكر الأوربي ونهضته، وأن سقوط الدولة البيزنطية كان يحمل بذور العهد الجديد والنور الجديد.
بهذا الربط  سرعان ما يتجدد الأمل في نفس الشاب الأوربي وهو يقرأ تاريخه: فبعد الهزيمة نصر، وبعد الظلام نور، وتغيب الأحزان لتخلي المكان والصدارة للآمال المرتقبة والتطلع إلى مستقبل أفضل.
وغير هذا نقرؤه عند مؤرخي الحضارة الإسلامية. نقرأ مراثي سقوط بغداد، ومراثي الانسحاب لمن الأندلس بعد سقوط غرناطة (عام 897 هـ/ 1492 م). ولا نربطها كثيرا بما حدث بعدها من صحوة ومن جهود علمية رافضة للهزيمة.
   أما في مجال الطب فقد استطاعت بغداد أن تستقطب منذ ازدهارها في العهد العباسي      الأول، شخصيات تألقت فيها ممارسة وإبداعا علميا.
- علي بن ربان ا (طبري مؤلف " فردوس الحكمة " وهو أول كتاب إسلامي منظم في الطب.
- محمد بن زكريا الرازي (المتوفى عام 313 هـ/ 925 م) صاحب موسوعة الحاوي، التي تقوم على ملاحظاته الشخصية في فرص المرضى وعلاجهم، وكتابه المنصوري والمعرفة به واسعة في الغرب.
- علي بن العباس المجوسي (المتوفى عام 384 هـ/ 994 م) مؤلف " كامل الصناعة " ويعرف أيضا باسم الكتاب الملكي.
- أما ابن سينا (وتوفي عام 428 هـ/ 037 1 م) فقد عاش طول حياته في فارس، وهو بحق فيلسوف العلماء وعالم الفلاسفة، ولعل، كتابه "القانون في الطب " أبرز ما كتب عالم فرد في تاريخ الطب.
وفي ذات الوقت كانت شمس العلم الإسلامي تشرق في أقصى الغرب.
فقد عاشر في ديار الأندلس أعظم جراح في تاريخ الطب الإسلامي، وهو أبو القاسم الزهراوي صاحب (كتاب التصريف ".
وليس هذا مجال استقصاء (1) ولكن أذكر هذا لأحدد به نمطا كانت به دار الخلافة أكبر المراكز العلمية، وأقدرها على اجتذاب العلماء ومن بينهم رجال الطب، وفي فلكها تدور عواصم أخرى لها علماؤها، ولم تخل ديار الإسلام، حيث قامت الدول المستقلة عن الخلافة من أعلام آخرين تركوا أثرا باقيا في تاريخ الطب الإسلامي.
وعندما سقطت الخلافة العباسية زاد إحساس العواصم الإسلامية الأخرى بالمسئولية، وحاولوا تعويض ما فقدته الحضارة الإسلامية بعد تدمير مكتباتها وتشريد علمائها وتخريب مؤسساتها، واندفع العلماء في رفض عنيد للهزيمة إلى عصر الموسوعات، وأخذوا يجمعون ما استطاعوا من التراث، وقد هاجم منهم ومن التجار وأصحاب الحرف من استطاع الهجرة إلى ديار الشام ومصر، وإلى عالم المحيط الهندي جزائره في الملايو وإندونيسيا وما وراءها إلى الفليبين الحالية، وبقي منهم نفرا في الأرض المحترقة واستطاعوا أن ينبتوا أجيالا جديدة من العلماء في الدول الإسلامية الجديدة، التي قامت بعد أن هدأ الإعصار المغولي، وتحولت العاصفة إلى مياه جارية تروى أرضا وتثمر زرعا (2).
ولنذكر بعض عناوين الموسوعات الكبرى التي لحقت سقوط بغداد، وميزت طبيعة هذه المرحلة في التأليف.
- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري (749 هـ/ 1348 م).
- نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري (733 هـ/ 332 1 م).
 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي (821 هـ/ 1418 م).
ومن القواميس اللغوية الكبرى:
 - لسان العرب لابن منظور الأفريقي (711 هـ/ 1311 م).
 في المجال الطبي أدت هجرة العلماء إلى ازدهار الأنشطة الطبية في الشام ومصر، وهي هجرة إذ اشتدت بعد سقوط بغداد فقد كانت بوادرها منذ العهد العباسي الثاني وغياب الخلفاء العظام:
 - ألف ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء ني طبقات الأطباء " 1 668 هـ/ 269 1 م).
- قام قطب الدين الشيرازي (710 هـ/ 1311 م) بشرح كتاب القانون لابن سينا، ويعتبر كتابه " التحافة السعدية " أدق شروح القانون وأعمقها.
- مارس علاء الدين بن النفيس (687 هـ/ 288! م) نشاطه في كل من الشام ومصر وهو الملقب بابن سينا الثاني، وهو أول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى، وقد عاد إليه حقه العلمي واعتبر السلف الحقيقي لوليم هارفي ولابن النفيس موسوعة طبية باسم " الشامل في الصناعة الطبية. 
وظهرت مراكز طبية وازدهرت في المغرب وفارس والهند.
وفي الجزء التركي من العالم العثماني برزت أسماء طبية ممتازة في المجال الطبي:
- حجي باشا خضر الاييديني (في القرن التاسع الهجري/ الخامس عثر الميلادي).
- محمد الكوزوني طبيب سليمان الأول وسليم الثاني في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي).
- داود الأنطاكي وهـو من أنبغ الشخصيات المتأخرة في تاريخ علوم الإسلام وكتابه، التذكرة " من أهم وأوسع المراجع الطبية انتشارا في هذه الفترة الأخيرة (3).
وإذا كان نفوذ الطب الغربي قد وصل إلى أكثر ديار الإسلام، فلا زالت بعض الأقطار محافظة على تراثها الإسلامي في شبه القارة، حيث الهند وباكستان وبنجلادش مع إفادتها من الطب الغربي.
إن المحافظة على التراث الطبي الإسلامي أخذت تكسب أرضا جديدة حتى في ديار الغرب نفسها، واصبحت إعادة النظر في هذا التراث بخاصة، والتراث التقليدي بعامة جزءا من الاهتمامات الإسلامية والوطنية والعالمية الآن. يبدو من هذا  أنه بين الصحوة الأولى، وما أطلق عليه الصحوة الثانية حدثت عدة صحوات، وقامت دول جديدة بعضها فوق أرض احتفظ بها الإسلام، وبعضها فوق أرض كسبها، وبعضها فوق أرض استردها، وبرزت أهمية مدن وعواصم بعضها قديم، والبعض جديد، ولعلماء الإسلام قي هذا كله عطاء وحركة وتواصل مستمر.
بعبارة أخرى نستطيع القول: إنه رغم الخسارة التي لحقت بالحضارة الإسلامية بعد الإعصار المغولي من الشرق،
ورغم الخسائر والمجهود التي استنزفها الإعصار الغربي الذي تمثله الحروب الصليبية، بل بسبب هذه التحديات، فقد انبعث من احتكاكها وهج نهضة جديدة ودورات من العطاء نحتاج إلى تاريخ جديد للحضارة الإسلامية، يعنى بتسجيل مقاومة روح الهزيمة العلمية، والعناية بالتأليف، وحفظ التراث والإضافة إليه، وتخريج الأجيال الجديدة من الباحثين. هي دورات لها ذمم وقيعان تتباين أبعادها، ولكن فيها استمرار الحياة والإصرار على البقاء.
وفي نفس الوقت نحن لا نريد أن نغض الطرف عن الاسئنزاف الإسلامي الداخلي، وما شجر بين دول الإسلام من حروب، والنيران التي لا تزال مشتعلة، تأتي على زهرة الشباب، وعلى أرصدة المستقبل، بل علينا أن نبين تأثيرها السلبي على المسار الإسلامي.
وعلينا بقدر ما نستطيع أن نوسع دوائر التعاون، وأن نضيق دوائر الخلاف والنزاع. وليكن مما ننادي به أن نحفظ جهود العلم بعيدة عن الصراعات الداخلية، وأن تكون لرجال العلم ومعاهده وأجياله " حصانة " تمكنهم من القيام بمسئولياتهم، ومن بينها أن يقوموا بأنفسهم بكتابة تاريخ حضارتهم والطب جزء منها.
ولعل أن يكون هذا فيما نتواصى به في هذا اللقاء مع تنسيق الجمود التي تقوم بها أكثر من هيئة علمية العالم الإسلامي وهي جهود فيها تشابه وتداخل وتكرار.
(3) الطب بين الشريعة والممارسة
ترتبط العلاقة بين الشريعة والممارسة بنظرة الإسلام إلى الإنسان، يقول الله تعالى  (لقد كرمنا بني آدم ) (4) والإنسان هو خليفة الله في أرضه: حقه وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ومن أجله خلق الله الوجود وأكرمه بالحواس والفكر (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) (6).
( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون  (7).
ولقد ذكر فقهاؤنا أن مقاصد التشريع الضرورية خمسة هي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. ويقول الإمام الشاطبي هذه الخمسة لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، وفي الأخرى (أي يوم الحساب) فوت النجاة والنعيم، والحفظ لها (أي للمقاصد الخمسة) يكون بأمرين: ما يقيم أركانها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها. وذلك عبارة  عن مراعاتها من جانب العدم (8).
ويلحق بهذه الضروريات مستوى يعين على تحقيقها يسميه الشاطبي " الحاجيات "، ومن دونه مستوى ثالث يسميه " التحسينات " وهي الأخذ بمحاسن العادات.
فإذا كانت الضروريات الخمس أساسا، فالحاجيات عون، والتحسينات جمال في الأداء، وهي جميعا بتقسيمها الخماسي والثلاثي، أي الأفقي والرأسي تدور حول محور واحد هو كرامة الإنسان، ومن هذه الكرامة تنبع العناية بالإنسان في صحته ومرضه: الصحة بمفهومها الشامل جسميا ونفسيا وروحيا، والمرض بمفهومه الشامل أيضا الذي يضم هذه الجوانب، ويستوي فيه أن يكون المرض الذي أصيب به الإنسان من عمل يده أو أصابه دون حول منه ولا قوة. 
(4) الموقف من المريض.
وارتبط بهذا أيضا موقف الإسلام- كدين- من المريض، فرعايته بين أهله، من صحبة المعروف والتقوى التي نقرؤها في قول الله تعالى ( وبالوالدين إحسانا " (9) وقوله ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ومن تمام الإحسان وصلة الرحم رعاية المريض من الأهل، وهو حق مضاف إلى حقه الأول كإنسان.
إن الرعاية بالنسبة إلى المجتمع فرض كفاية، إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين. ولا فرق في الإسلام بين حاجة الفرد إلى الطعام الشراب وحاجته إلى العلاج، وفي حياتنا المعاصرة التي تحمل فيها الدولة المسئولية مع أجهزة الحكم المحلي والمؤسسات الآتي أقامها أصحابها للغير أصبح تخطيط الرعاية الصحية مسئولية منظمة، تتحول فيها المبادرات الفردية والجماعية إلى قنوات خدمات تتكامل مع ما تقوم به الأجهزة الحكومية....
(5) الموقف من المرض
والمرض في الإسلام انحراف عن الصحة، والرسول صلى الله عليه وسلم  ينصحنا بقوله (تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد هو الهرم) (11).
ولا نلقي في الإسلام أي أساس لموقف سلبي من المرض، فعلى الإنسان أن يحفظ صحته، وأن يلتمس سبل الشفاء إذا مرض، وعالما المجتمع أن ييسر له ذلك ما استطاع إليه سبيلا.
ولا نلقى في الإسلام موقفا عدوانيا على مريض، كما كان يحدث لضعاف العقول في أوربا في العصور الوسطى،عندما نسبوا ضعف العقل أو الجنون إلى الأرواح الشريرة.
والجذر اللغوي لهذه الكلمة وهو" ج ن ن " لا يدل على فقد، وإنما يدل على استتار أو حجب فقط، ومنه المجن الذي يستر المحارب، والجنة أي الحديقة لأن أشجارها تتستر من فيها، والستر يقتضي الوجود كأنه عاقل إنسان في الجنون مستور، وإذا استطعنا رفع الستار عاد إلى الظهور (12).
وموقف المريض من مرضه، مادام يعقل، هو التحمل والصبر والسعي إلى العلاج.
إن المرض في الإسلام اختبار من الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا حزن- حتى الهم يهمه إلا كفر الله به سيئاته) (13).
وبهذا كان تحمل الألم عبادة، وهو يشيع في النفس قدرا من السكينة تعين المريض على عبور جسر الألم، وتعين طبيبه على العلاج في نفس الوقت، وتراثنا القديم والحديث زاخر بمواقف الصالحين من المرض صبرا عليه وتحملا، وسعيا إلى العلاج إن استطاعوا، ورضى به إذا كان فوق طاقة الطب والعلاج (14).
وكان هذا التعاون بين المريض والطبيب والمجتمع يتم في جو من المودة والرعاية المتكاملة (جسميا ونفسيا وإعدادا للحياة العامة) وتشهد المستشفيات التي أنشئت في دورات الازدهار الإسلامي في كثير من عواصمه.
     
(6) مناقشة لبعض مشكلات الأحاديث النبوية فى الطب
ومع هذا الخط العريض في طلب الدواء والشفاء دارت مناقشات حول أحاديث شريفة من أبرزها قوله عليه الصلاة والسلام(  لا عدوى) (15).
هذا مع أحاديث أخرى توصي باجتناب المرض، وأحاديث تحث على رعاية المريض.
وبهذا تبدو الصور العملية وفيها اقتراب من المرض والمريض لعلاجه، وحذر من العدوى، وإبعاد للأصحاء عن المريض ووقاية .
وكل موقف من هذه المواقف يتلاءم مع حديث أو أكثر للنبي عليه الصلاة والسلام.
ا- بعض علماؤنا قالوا إن أحاديث الطب ليست تشريعا وإنما هي تمثل خبرة العصر (16) ولو كانت تشريعا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يصف بنفسه الدواء لكل ما يعرض له. ولكنه كان يصف أحيانا وكان يوصي بأن يسألوا بعض المختصين: فعندما مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال (ادعوا له الحارث بن كلدة فإنه يطبب) (17).
ب- والبعض ذكر أن حديث لا عدوى كان يحدث به أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سكت عن التحديث به.  
جـ- والبعض اتجه إلى التوفيق بين هذه الأحاديث، وأن كلا منها كان لهدف وظرف ومستوى من الإيمان، ولن نطيل الوقوف عن هذا الحوار، ونستطيع أن نرجع إليه في مراجعه كتهذيب الآثار للطبري وزاد المعاد لابن القيم (18).
ذلك لأن الممارسة الإسلامية كانت هي التماس العلاج لكل مرض، وتجنب العدوى، مع رعاية المرضى والعناية بهم، واعتبار هذرا كله مسئولية دينية واجتماعية في آن واحد، وهي لا المصطلح الإسلامي عبادة، ذلك لأن العبادة قصد الله به كل خير يقدم في المجتمع، سواء قدمه الفرد إلى نفسه أو أهله أو المجتمع الكبير.
وعندنا مثال قريب من تركيا:
فعندما كان الجدري يفتك بالشعوب الأوربية في القرن الثامن عشر كانت الدولة العثمانية تمارس التطعيم، وقد كتبت السيدة ماري منتاجو زوجة السفير البريطاني لدى الدولة العثمانية ما لاحظته عندما زارت أدرنه عام 1717 فوجدت الجدري خفيف الوطأة في الشرق، وسألت عن السبب فعرفت أنه التطعيم. واقتنعت بفائدته وجربته في أولادها، ثم أشارت على قومها أن يجربوه، وتعرضت السيدة للاتهام بالدجل والشعوذة ومعارضة إرادة الله، ولكنها صمدت حتى أقنعت الأسرة المالكة بذلك، ومارست التطعيم في أفرادها بعد تجارب تمهيدية من خارج الأسرة. وأخيرا اقتنع القوم به ومارسوه رسميا، وكانت وفاة هذه السيدة الفاضلة عام 1762 م وبعد ذلك بستين عاما أقاموا لها شاهدا تذكاريا على قبرها، يسجل فضلها فيما حملت إلى قومها من خير وعلم تجريبي كان يمارس في تركيا (19). فالتطبيق التجريبي لحديث رسول الله الموجز (تداووا عباد الله) كان ممارسا على أوسع نطاق، وكان الفكر الإسلامي ونرجو أن يظل هكذا دائما قادرا على التمثل والمشاركة والإبداع.
(7) مسئوليات الحاضر والمستقبل
هذه المسئوليات شريحتان:
الأولى: متابعة المسئولية نحو الماضي باعتبار الحاضر نقطة متحركة على مسار الزمن ويومنا هذا موعد الأمس، وأمس الغد.
وأهمية هذه المتابعة أنها لا تقف بنا عيد عهد معين ولا دورة من الازدهار، وفي محاولتنا إعادة كتابة الحضارة الإسلامية،- الطب جزء منها.
نحن لا نتصور عهد ذهبيا عقم بعده الوجود الإسلامي أن يلد جديدا، ولو في مجال جزئي.
وهذا الرصيد يتناول العالم الإسلامي في شموله، وتتحرك في داخله دوائر إقليمية ووطنية، وهو بهذا دائرة وسطى أو داخلية إذا درسناه في المنظور العالمي.
وفي دراسة ص-5 العلاقات يمكن أن نجمع بين عدة مناهج: كالإقليمي     والموضوعي  وأن يكون هذا بتعاون مع المنظمات المسئولة عن تاريخ الحضارة في العالم الإسلامي، وعلى الصعيد العالمي، مع الإفادة من جهود سبقت، وإضافة ما يكشفه نشر الوثائق العلمية والمخطوطات. وهي عناية زادت مع الصحوة المعاصرة في العالم الإسلامي.
الثانية: تخطيط مسئوليات المستقبل، وتقتضي تحركا من موقعنا هذا في الدوائر السابقة جميعا وأبرز هذه المسئوليات نحو:
ا- الطب الوقائي
2- الطب العلاجي
3- البحوث العلمية.
(8) بين الوقاية والعلاج
في كثير من قطار العالم الثالث أو النامي نستطيع أن نعتبر الطب الوقائي هو" الطب المغبون ".
يقول الدكتور/ نبيل الطويل في كتابه " الحرمان والتخلف في ديار المسلمين " (4 5 14 هـ- 1984 م).
إن أولوياتنا في العالم الإسلامي والنامي المتخلف مقلوبة، نجد فيه خدمات " الصحة العامة عادة ضيقة ومحصورة في المراكز الحضرية، وتشكو من عدم الاهتمام الجاد بها. ويكتسح الطب العلاجي أكثر جوانب الميزانيتين العادية والإنمائية، ذلك لأن الطب العلاجي إنجازه له بريق، وله كيان مادي ملموس من المباني والأجهزة، يمكن أن تحتفل به أجهزة الإعلام، وأن يدعم كيان جهاز حاكم.
أما الطب الوقائي فليس له هذا التأثر النفسي (20) المطلوب، وتتوزع خدمات الطب الوقائي على قاعدة شعبية أوسع، وتزداد الحاجة إليه مع انخفاض المستوى الاجتماعي، حيث غير القادرين على إيصال أصواتهم عالية إلى مراكز اتخاذ القرار وتحديا. وتوزيع الميزانيات والخدمات.
وغير ذلك كائن في الطب العلاجي، فمهما قيل فيه فهو طب لاحق للطب الوقائي.
ويأتي علاجا لخطر قائم، بينما الطب الوقائي حماية من خطر متوقع، وفي الطب العلاجي خصوصية لاقتصاره على المرضى، وخصوصية أخرى لأن أكثره يمارس في مؤسسات حكومية أو أهلية.
وإذا كان الغالب في الطب الوقائي أن تنتقل الخدمة إلى الأفراد، فإن الغالب في الطب العلاجي أن ينتقل الفرد إلى مركز الخدمة، وإذا كان الاثنان متكامل  فإن الوقاية أصل باعتبارها امتدادا للوضع السوي، والعلاج فرع باعتباره عودة بالمريض إلى الوضع السوي أو ما يقرب منه.
       
(9) البحوث العلمية
إن البحث العلمي المعاصر نشاط جماعي لم يعد يلائم الباحث والعالم المنعزل، ولا المجموعة العلمية المنعزلة وقد أصبح التعاون العلمي ضرورة على المستويات الوطنية والإسلامية والعالمية، وهو تعاون لا تغني فيه القراءة والمراسلات عن اللقاء والحوار المباشر (21).
وفي المجال الطبي نحن محتاجون في العالم الإسلامي إلى بحوث تشمل أفاقا رئيسية خمسة عام الأقل:
الأول: مزيد من العناية بالتراث الطبي في أرض الإسلام، وذلك من الناحية التجريبية، حتى نرفع النسبة المئوية من اعتمادنا عليه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وذلك على قواعد علمية سليمة.
الثاني: العناية بالطب التقليدي في مهاد الحضارات القديمة كالصوت والمسند.
الثالث: الاتصال المنتظم بمراكز البحوث العلمية في العالم المتقدم.
الرابع: دعم ا لحوار بين رجال الطب ورجال الشريعة الإسلامية والأخلاق، وهو حوار قد بدأ فعلا على الصعيدين العالمي والإسلامي.
أ- على الصعيد العالمي أشير إلى ندوة فارنا عن " علم الحياة والأخلاق " وكان عقدها في يونيو 1975 (32).
وكان علم الحياة فيها ذا مفهوم واسع، شمل كل العلوم المتصلة بحياة الإنسان، وجاءت بعدما ندوات ومؤتمرات متخصصة، تربط بين الجوانب الطبية والأخلاقية لظاهرة خاصة كالمسكرات
مثلا..
ب- على الصعيد الإسلامي: صدرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية " الدستور الإسلامي للمهنة
 الطبية " (1401 هـ - 1981 م).
وشهدت الكويت ندوة متخصصة عن الإنجاب بتاريخ (شعبان 3 0 4 1 هـ/ مايو 983 1 م) وصدر عنها  كتاب من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية هذا العام، وقد ضمت الندوة رجال طب ورجال دين في حوار مغلق خصب، وفي جو علمي موضوعي، وكانت الندوة استطلاع طريق جديد في الحوار المباشر الذي يحاول فيه الجميع حل مشكلات تتعلق بحاضر ومستقبل المسار الإسلامي، في عصر تفتح فيا. الكشوف العلمية أبوابا جديدة في الأنفس والآفاق.
الخامس: القيام بالدراسات الميدانية التي تظهر بها أبعاد المشكلات وجوانبها المادية والبشرية، والت تمهد لاستنبات الحلول في أرض تتقبلها ولا ترفضها.
(10) ضوء على أفق التعاون العالمي
أولا: هناك. الاتجاه العالمي إلى تكوين أخلاقيات جديدة   تأخذ في اعتبارها إنجازات العلم وأن تضعه في خدمة الإنسان وصالح الجماعات الإنسانية في كل من الدول المتقدمة والنامية، وتحقيق الرغبة التي أبداها العلماء في أن يتابعوا الحوار مع رجال الأخلاق، ليعين كل جانب منهما الآخر، ولتقوم حقوق الإنسان على أساسين من العلم والأخلاق.
وسيعين هذا الحوار على تحديد المفاهيم  بينهما، واللغة المشتركة التي يتعاملون بها، ويحل تكامل البحوث محل توازيها أو تتابعها.
وإن الأمل الذي تمنته ندوة فارنا أن تنتقل هذه المفاهيم من المستوى البحثي إلى المستوى التعليمي في الجامعات والمدارس المتخصصة، ثم التعليم العام، ثم المستوى الثقافي في المجتمع العريض. وأن يتم هذا بالتعاون بين المنظمات المتخصصة في الأمم المتحدة، وفي مقدمتها اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية.  
ولقد برزت الحاجة العالمية إلى هذا الميثاق العلمي الأخلاقي بعد الحرب العالمية الثانية.
كان العام قبلها وفي القرنين السابقين أكبر إنجاز للإنسانية، والعلماء هم قادة الفكر ورواد التقدم، وبكشوفهم وابتكاراتهم تحسب خطوات الشعوب نحو مستقبلها ولكن عام 1945 كان حاسما في تعدي النظرة إلى العلم، فبعد إلقاء القنبلة الذرية الأمريكية الأولى على هيروشيما والثانية على نجازاكي، بدأ العلم كائنا له وجهان: ملاك وشيطان، نار ونور.
فقد أخرج الإنسان المارد من القمقم، وأصابت الدين ومثالياته ضربة قاتلة، كما يقول المؤرخ العالمي ارنولد توينبى 241).
ودخل العلم السياسة والحرب، وارتفعت نفقات بحوثه، واتسعت آفاقه، وبرزت سيطرة الدولة على كثير من أجهزته الكبرى.
 وظهرت أسلحة جديدة تهدد الوجود الإنساني كله، وأصبحت الحياة معلقة بميزان الردع أو الرعب أو الخوف النووي لا فرق وفي غزو يخترق جدار الطب ظهرت حروب الجراثيم والإشعاع، وتدمير المراكز العصبية في الإنسان (23).
وتعيش الإنسانية عصرا تختلط فيه القوة بالخوف، والتعاون العلمي بالتنافس والتسابق، وأسـرار الطبيعة بأسرار الدول، وحراسة المنشآت العسكرية بحراسة المنشآت العلمية.
وفي كثر من لقاءات المنظمات العالمية التي تستطيع أن ترتفع فيها أصوات الشعوب، نسمع الدعوة إلى الحد من التسليح، وتوجيه بعض نفقاته إلى التنمية والوقاية والعلاج والتعليم. وحساب ما ينفق عام الدمار، أو الاستعداد له، أو الخوف منه.
وفي مقابل هذا نسمع أصواتا من رجال السياسة، تدعو إلى الحد من هذه الآمال العريضة، وعدم الاعتماد عليها في تمويل مشروعات السلام والتنمية، ومنها آمالنا في صحة أفضل للإنسان، كل إنسان.
" وقد عرض ! ريتشارد نكسون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة هذا الأمر، في كتابه السلام الحقيقي (1983! يقول: إن الحرب خيار مضى وقته، والسلام هو الخيار الوحيد للمستقبل، ومع أننا نرى الحرب عديمة الجدوى ففي صيف 1983 كانت هناك خمسة عشر حربا بالإضافة إلى عشرات من الحروب الصغيرة في العالم الثالث، منذ الحرب العالمية الثانية قامت مائة وأربعون حربا، مات فيها ما لا يقل عن عشرة ملايين، إن السلام ليس نهاية الصراع، ولكنه أسلوب لمعايشة الصراع وعند إقامته لابد له من رعاية دائمة، وإلا فارق الحياة " (26).
        ولنتأمل طويلا في عبارته التالية:
" إن من الخطر أن نخلط بين السلام الحقيقي والسلام الكامل، إن المثاليين يأملون في عالم بلا صراع، وهو عالم لم يكن ولن يكون، ومن أجل حقائق الحياة لا يتحقق هذا السلام الكامل إلا في مكانين: القبر، وأمام آلات الطباعة. إنه مادة الشعر والمقالات الصحفية التي تضع الأفكار الجميلة في الكلمات الجميلة.
أما السلام الحقيقي فهو سلام أرضي في عالم الواقع، يقوم به قادة عمليون ينظرون إلى مصالح شعوبهم نظرة جسورا فيها صلابة الماس " (27).
وانتهى إلى وجوب توفير قوة عند كل من الدولتين الأعظم، قادرة على حماية نفسها، وردع الطرف الآخر، ثم اقترح أن يكون العمل في العالم الثالث مزجا بين منهج الصقور والحمائم، وموازنة بين استخدام القوة والعون الاقتصادي (28).
ذكرت هذا التلخيص لأبين أمرا أساسيا. هناك جانب من العون قد يأتي من هذه الدول الكبرى المشغولة بقضية الصراع العالمي والتسابق فيه، وعون يأتي من المنظمات العالمية. وقد أخذت الضغوط تشتد عليها مع ارتفاع أصواتها بالسلام، كما حدث مع اليونسكو في ديسمبر 1983 م ذلك لأمهد لأمر أساسي: هوأن يكون اعتماد العالم الإسلامي في تنميته على نفسه أولا هذه النفس المؤمنة بالله وبالإخاء وبالتخطيط العلمي.
(11) ضوء على أفق التعاون الإسلامي
وإذا كنا شئنا أم أبينا جزءا من هذا الكيان العالمي، ومصائرنا مرتبطة به إيجابا وسلبا، فعلينا أن نتحرك أفضل تحرك ممكن في حدود طاقاتنا فيما نحن بسبيله تحت مظلة هذا المؤتمر.
وأول هذه الجهود التنسيق بين جهودنا ومواردنا، وما تقوم به المنظمات ذات الطابع الإسلامي العالمي، والدوائر الأصغر التي تتحرك في هذه المجالات في قطاعات العالم الإسلامي.
ولنذكر مثالا بفتح الطريق لآفاق هذا التعاون، بادئين بأهم هذه المنظمات، وهي منظمة المؤتمر الإسلامي، ففي مطلع عامنا هذا (4 0 14 هـ/ 984 ام) شهدت مدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربية مؤتمر القمة الإسلامي الرابع. وكان من بين اللجان التي شكلها مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة (يناير 981 ام) لجنة التضامن مع دول الساحل (سيلس) هذه الدول التي تلي الصحراء الكبرى جنوبا، كأنها الساحل المعمور المطل على هذا البحر الرملي الواسع.
ونحن نعلم ما تقاسي منه هذه الدول من زحف الصحراء جنوبا، وتراجع العمران والخضرة أمام هذا الغزو الرملي الصامت المستمر، وقد أوكل مؤتمر القمة الإسلامي إلى هذه اللجنة مهمة متابعة وتطبيق الإجراءات الكفيلة بمساعدة دول الساحل، وذلك بمكافحة الجفاف واتخاذ المبادرات التي تراها صالحة في هذا المجال، وأقرت إطارا عاما للمساعدة الطاردة من الأغذية، ولمشروعات التنمية الريفية العاجلة، وقدمت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والجمهورية العراقية ودولة الإمارات العربية المتحدة مساهمة مالية لهذا الهدف.
الذي أود أن أقوله هنا أن هذا العمل الوقائي، قطاع جغرافي من جبهة طويلة تمتد في العالم الإسلامي بين المحيطين الهادي والأطلسي، وقطاع موضوعي من مشكلة التنمية في شمولها الذي يضم مقاومة العقبات التي تعوقها، ودعم الإيجابيات التي تسارع في تقدمها.
فنحن إذن بحاجة ماسة إلى أطلس خدمات للعالم الإسلامي، وعلى هذا المؤتمر، فيه الجزء الخاص بالخدمات الطبية بجوانبها الثلاثة.
وإذا كانت منظمة المؤتمر الإسلامي ذاتها قد درست في اجتماع للدار البيضاء (يناير 1984 م) موضوع تداخل الاختصاصات بين الأجهزة المنبثقة منها، وهي تسعى إلى تعديل في هيكلها الإداري، فإن الحاجة إلى التنسيق تكون أشد إذا ما نظر، إلى التعاون العلمي على مستوى يجمع المنظمات والأجهزة العاملة في الصعيد الإسلامي العالمي.
 وهذا التنسيق الممهد لوضع أطلس الخدمات الطبية الاسلامية، هو جزء من أطلس الخدمات الإسلامية الشامل، وهو بدوره جزء من صورة المستقبل الإسلامي.
(12) الخاتمة
السيد الرئيس:
السادة الزملاء:
في مطلع أرزا القرن الهجري الخامس عشر تنادى المسلمون باستثمار هذه المناسبة التاريخية، التي تواكبت مع صحوة إسلامية، لترشيد هذه الصحوة التي توفرت لها بين المسلمين رغبة في التعاون، وتقارب وسهولة في الاتصال، وفضل من المال وزيادة في الطاقة البشرية المتعلمة وزيادة إحساس بحاجات العالم الإسلامي.
وتنادوا بمشروعات تنمية مشتركة، وإقامة محكمة عدل إسلامية، تفصل في قضايا الدول الإسلامية، وتقيم بينهم السلام والصلح والعدل.
برز هذا في مقررات مؤتمر القمة الإسلامي الثالث والرابع. ورغم اشتداد الحاجة إلى كل جهد بشري ومادي، تشتعل الحروب عنيفة في العالم الإسلامي على مستوى الدولة الواحدة أو الجيران الأقربين أو إخوة العقيدة، فهل نأمل في أن تضع الحرب في إيران والعراق أزرارها، ويعود السلام إلى ربوع لبنان، ويعود أبناء الأرض إلى وطنهم فلسطين ويعود كل لاجيء أو  مشرد إلى وطنه؟
على الصعيد الإسلامي يدعونا ربنا إلى هذا، وإليه ندعو الأفراد والشعوب والصالح الإسلامي العام.
ونحن هنا رجال علم وفكر، عدتنا الكلمة الطيبة والنصح وتقديم المشورة لقومنا وإخوتنا في العقيدة وكل محب للحق والسلام والعدل.
ولقد تعودنا الصبر على طلب الحق والحقيقة. ونحس أن المسئوليات الكبيرة التي ينبغي على العالم الإسلامي علميا وعمليا أن يلقاها تحتاج إلى جهود الكثيرين. وأن علينا أن نقيم المعابر بين العلم والدين، وأن نجمع بين الذين يعملون في مجالات البحوث العلمية ومجالات التشريع لدراسة مشكلات كثيرة (كهندسة الوراثة والإنجاب).
وصفوة القول: إن علينا أن نعيد كتابة تاريخ الحضارة الإسلامية- والطب جزء منها- في ضوء جديد، وهذا هو حق الماضي، أما حق الحاضر والمستقل، فهو دراسة مشكلات الوقاية والعلاج والبحوث في آفاقها الخمسة التي عرضناها، وتنسيق العلاقات العلمية الإسلامية، لتوفر لنا أعلى مردود، مع اختصار الوقت والجهد.
           وأشكر لكم حسن استماعكم،،،