الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
التيسير ورفع المشقة عن المريض
 
مقدمة :
لقد كان من نعم الله تبارك وتعالى على هذه الأمة أن يسر لها الأحكام ، وجعل شريعتها شريعة رحمة وتخفيف كما أشار إلى ذلك سبحانه وتعالى بقوله : ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))(1). وقوله جل شأنه : ((يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا))(2) . وقوله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم : ((وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين))(3) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة . فالشريعة في أصلها مشتملة على اليسر والرحمة ، فإذا وجدت في المكلف موجبات التخفيف والرخص خفف الله عنه ويسر عليه في الحكم أكثر كما شهدت بذلك النصوص الشرعية ، وبينه أهل العلم –رحمهم الله- في كتبهم .
ومن تلك الموجبات ، المرض الذي يعوق الإنسان ويتسبب في حصول مشقة الآلام ومتاعبها ، وعلاج هذا الألم قد يستلزم التخفيف أيضاً كالحال في الجراحة الطبية التي يترتب عليها منع المريض من فعل بعض الفرائض .وأركان العبادات حتى تعود الأعضاء ولا جروح إلى وضعها الطبيعي ، كل ذلك ليتحقق الشفاء المطلوب من فعل الجراحة بإذن الله .


--------------------------------------------------------------------------------

(1) سورة البقرة (2) آية 185   
(2) سورة النساء (4) آية 28
(3) سورة الأنبياء (21)آية 107


أولاً : المشقة تجلب التيسير
 
أصل هذه القاعدة الكتاب والسنة .
أما الكتاب فقوله تعالى : ((ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج))(4) . وقوله تعالى : ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها))(5) .
وأما السنة : فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يسروا ولا تعسروا ويشروا ولا تنفروا) رواه البخاري ومسلم . قال ابن حجر : وقال النووي : لو اقتصر على "يسروا" لصدق على من يسر مرة وعسر كثيراً ، فقال "ولا تعسروا" لنفي التعسير في جميع الأحوال.
وأخرجه أحمد في المسند من حديث جابر وأبي أمامة رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (بعثت بالحنيفة السمحة) . وأخرج أحمد في مسنده والطبراني والبزار وغيرهما عن ان عباس قال :قيل الأديان أحب إلى الل قال (الحنيفية السمحة)  ، وروى احمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً (إن دين الله يسر )ثلاثاً ، وروى أيضاً من حديث الأعرابي بسند صحيح (خير دينكم أيسره) .
أسباب التخفيف :
ذكر ابن نجيم(1) أنها سبعة وهي : السفر ، والإكراه ، والنسيان ، والجهل ، والعسر، وعموم البلوى ، والنقص ، وأمثلتها ظاهرة .
 
أقسام المشقة :
قال القرافي(2): المشاق قسمان :
 أحدهما : لا تنفك عنه العبادة كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في الجهاد ، ونحو ذلك ، فهذا القسم يوجب تخفيفاً في العبادة لأنه قرر معها .
وثانيهما : المشاق التي تنفك عنها العبادة وهي ثلاثة أنواع :
في الرتبة العلياء كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف ، لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة ، فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة .
ونوع من المرتبة الدنيا : كأدنى وجع في إصبع ، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة هذه المشقة .
النوع الثالث : مشقة بين هذين النوعين فما قرب من العلياء أوجب التخفيف ، وما قرب من الدنيا لم يوجبه ، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين فعلى تحرير هاتين القاعدتين تنخرج الفتاوى في مشاق العبادات . انتهى .
ثم قال فائدة(3) : قال بعض العلماء المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها فغن العموم بكثرته يقوم مقام العظم ، كما يسقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أهم العبادات بسبب التكرار كثوب المرضع ودم البراغيث ن وكما سقط الوضوء فيه بالتيمم لكثرة عدم الماء والحاجة إليه أو العجز عن استعماله . وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة ، وتحرير هاتين القاعدتين يطرد في الصلاة وغيرها من العبادات وأبواب الفقه ، فكما وجدت المشاق في الوضوء ثلاثة أقسام : متفق على عدم اعتباره ، ومتفق على اعتباره ، ومختلف فيه ،فكذلك تجده في الصوم والحج ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة ، والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء ، والمشي في الوحل ، وغضب الحكام وجورهم المانعين من استيفاء الفكر ، وغير ذلك ، . وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام واعتبر ذلك في جميع أبواب الفقه . انتهى .
وقد بسط العز بن عبد السلام الكلام على أقسام المشاق الموجبة للتخفيف في الشريعة .
ضابط المشقة المؤثرة :
قال القرافي : يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص إجماع أو استدلال ثثم ما ورد عليه بعد ذلك مثل تلك المشقة أو أعلى منه جعله مسقطاً وإن كان أدنى منه لم يجعله مسقطاً ، مثاله التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة ، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح ، وإلا فلا ، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق .
 
موضوع اعتبار الحرج والمشقة :
قال ابن نجيم : المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه ، وأما مع النص بخلافه فل ، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد –رحمهم الله- بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر ، وجوز أبو حنيفة رعيه للحرج ورد عليه بما ذكرنا . انتهى .
 
أنواع تخفيف الشرع :
ذكر العز بن عبد السلام(1) ستة أنواع :
1-    تخفيف الإسقاط كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفه .
2-    تخفيف التنقيص كقصر الصلاة وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك .
3-    تخفيف الإبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم ، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود ، والقعود بالاضطجاع ، والاضطجاع بالإيماء ، وإبدال العتق بالصوم ، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار .
4-    تخفيف التقديم ،كتقديم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر ، وكتقديم الزكاة على حولها والكفارة على حنثها .
5-    تخفيف التأخير كتأخير الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء ورمضان إلى ما بعده .
6-    تخفيف الترخيص ، كصلاة التيمم مع الحدث وصلاة المستجمر مع فضلة النجو ، وكأكل النجسات للمداواة ، وشرب الخمر للغصة ، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه ، ويعتبر هذا بالإطلاق مع قيام المانع أو بالإجابة مع قيام الخاطر .
 
مورد هذه القاعدة من الشريعة :
قال الشاطبي(1) وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات ، ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمر ض والسفر ، وفي العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلاً ومشرباتً وملبساً ومسكناً ومركباً وما أشبه ذلك ، وفي المعاملات كالقراض والمساقاة والسلم وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات كثمرة الشجرة ومال العباد ، وفي الجنايات كالحكم باللوث والتدمية والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع وما أشبه ذلك , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
                                                          اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 


--------------------------------------------------------------------------------

(4) الآية الكريمة من سورة المائدة 6
(5) الآية الكريمة من سورة البقرة 286
(1) الأشباه والنظائر من 75-82
(2) الفروق 1م118،119
(3) الفروق 1/199
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/8،9
(1) الموافقات 2/11



ثانياً : يسر الإسلام في رفع الحرج والمشقة عن المريض
 
إن الإسلام هو دين الفطرة الذي لا حرج فيه ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) ، والرسول صلى الله عليه وسلم قد بين سهولة هذا الدين وحذر من التعمق والتشدد فيه ليأخذه الإنسان برفق . ولا يبالغ أحد في الأخذ بهذا الدين والتنطع فيه إلا انقطع السبيل دونه ز
(إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا) . إن التكاليف الإسلامية سهلة ، ولكن الإنسان قد يعرض له ما يجعل القيام بهذه التكاليف شاقة وصعبة عليه كالمرض ونحوه . وقد راعى الإسلام هذه الأحوال فوضع أحكاماً للمريض تتناسب مع حاله تخفيفاً وتيسيراً عليه مما يدل قطعاً على رفع الحرج والمشقة عنه ، فقد أعفاه الإسلام مـن أداء بعض الفرائض مـثل الصـوم ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكمك اليسر ولا يريد بكم العسر))(1) . وخفف عنه الصلاة فأباح له أن يؤديها حسب طاقته وقدرته على أي هيئة ، وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه وكان مريضاً فرآه يسجد على وسادة فأخذها منه فرمى بها .
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها وأخذ عوداً ليصلي عليه فأخذه فرمى به وقال صلى الله عليه وسلم (صل على الأرض أن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك)(2) .
وتدل أية التيمم على أن الله لا يريد أن يعنت الناس ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكليف وإنما يريد أن يطهرهم ويتم عليهم نعمته حيث جاءت برخصة التيمم للمريض والمسافر وأسقطت فرض الطهارة المائية في الوضوء وغسل الجنابة عن المريض للعجز عن استعمال الماء أو لضرر سيلحقه في استعمال له من جرح أو برد شديد أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم للصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداًَ طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون))(3) .
إن الدين بتكاليفه وعباداته يسر وسهل جاء لصالح العباد وحفظ سلامة المجتمع الإنساني والمحافظة على كيانه حتى يكون الإنسان عبداً خالصاً لله سبحانه وتعالى ، وما كان كذلك لا بد أن يكون متكاملاً واضحاً جلياً وافياً لجميع متطلبات الحياة . ومن السفاهة في الرأي ما نسمعه من بعض الظانين أن الفقه الإسلامي بحاجة إلى تقنين . إن الشريعة الإسلامية جاءت مقننة لكل زمان ومكان ، فقد قام علماء الفقه الإسلامي باستنباط الأحكام ووضعوا القواعد لحل جميع المسائل والمشكلات والمعضلات التي قد تعرض للإنسان في حياته ، وفرضوا الفروض حتى انهم لم يتركوا حادثة من الحوادث صغيرة أو كبيرة ولا باباً من أبواب الفقه أو فصلاً من فصوله إلا جالوا فيه جولات واسعة مما لا يعرف لها نظير أو شبيه عن متشرعي الأمم والشعوب وواضعي القوانين ، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يطير في السماء إلا وقد ذكر فيه للأمة علماً علمه من علمه وجهله من جهله .
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والمشي والأكل والركوب والنزول والسفر والإقامة والكلام والصمت والصحة والمرض وجميع أحكام الحياة والموت مما لم يسبق إليه وكل ذلك واضح لا يحتاج إلى تقنين لتطبيقه . 


--------------------------------------------------------------------------------

(1)     سورة البقرة آية 185  
(2) ذكر هذا الحديث محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار شرح منقى الأخبار ص225 ج3، وقال وهو عند البزار والبيهقي في المعرفة .
(3) سورة المائدة آية 6



ثالثاً : بيان أن المرض من أسباب تكفير الذنوب
 
والمراد بالمرض هنا مرض البدن ، وقد يطلق المرض على مرض القلب إما للشبهة كقوله تعالى : ((في قلوبهم مرض))(1) ، وإما للشهوة كقوله تعالى : ((فيطمع الذي في قلبه مرض))(2) . ووقع ذكر مرض البدن في القرآن الكريم في الوضوء والصوم والحج وسيأتي بيان ذلك في مواضعه . وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن ما يصيب المسلم في مرض أو مصيبة يكفر بها ذنوبه وترفع بها درجاته ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها)(3) .
وأخرج أحمد وصححه أبو عوانه والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري أن عائشة أخبرته أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع فجعل يتقلب في فراشه ويشتكي فقالت له عائشة لو صنع بعضنا هذا لوجدت عليه فقال إن الصالحين يشدد عليهم وأنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة إلا كان كفارة لذنب)(4) . وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيراً يصب منه)(5) .
قالت في هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن بأن ما يصيبه من الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له ، لأن الإنسان لا ينفك غلباً من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك كما تدل الأحاديث على حصول أمرين للمصاب :
 1-تكفير الذنوب                            2-رفع الدرجة
ويدل هذا أيضاً ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها بلفظ -ما ضرب على مؤمن عرق إلا حط الله به عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة(1) . وقال صاحب الفتح (وسنده جيد) وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة أيضاً في ثبوت الأجر وتكفير الذنب بمجرد حصول المرض سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا ، ويدل على ذلك حديث أحمد عن عبد الرحمن بن شيبة العبدري عن عائشة المتقدم وحديث البراني عن عائشة .
وأما الصبر على المصيبة والرضا بها فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة في ثواب المصيبة . وحكى الحافظ ابن حجر في الفتح عن القرافي أن المصائب كفارات جزماً سواء اقترن بها الرضا أم لا ، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل(2) . ثم قال الحافظ والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها والرضا يؤجر على ذلك فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيها .
قالت والذي يظهر لي من الأحاديث أن المصيبة من المرض وغيره إن قارنها صبر ورضا عظم بفضل الله تكفير الذنوب ورفع الدرجات ، وإن لم يحصل صبر ففضل الله واسع أيضاً ، ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر إ وإن حصل من الجذع ما يذم من قول أو فعل فيكون ذلك سبباً لنقص الأجر الموعود بها أو التكفير .
ويدل على هذا ما رواه أحمد بسند جيد عن جابر رضي الله عنه قال استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها إلى أهل قباء فشكوا إليه ذلك فقال ما شئتم دعوت الله لكم فكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهوراً قالوا فدعها . ووجه دلالة الحديث على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يؤاخذهم بشكواهم ووعدهم بأنها طهور لهم فدل ذلك على ثبوت أجر المصيبة وإن لم يحصل صبر ولا رضا بها . ويرى بعض العلماء كالقرطبي(3) أن المصاب لا يؤجر على مصيبته إلا إذا صبر واحتسب لأن قول الله تعالى : ((الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)) ، وقبلها قوله تعالى : ((وبشر الصابرين))(4) أمر بالصبر ، وحصول الصبر شرط للثواب وحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك .
وقد تعقب الحافظ بن حجر كلام القرطبي بقوله : "وتعقب بأنه لم يأت على دعواه بدليل وأن في تعبيره بقوله بما أمر الله نظراً إذا لم يقع هذا صيغة أمر" . ثم قال الحافظ تعقيباً على هذا التعقيب "وأجيب عن هذا بأنه وإن لم يقع التصريح بالأمر فسياقه يقتضي الحث عليه والطلب له ففيه معنى الأمر" ، وأجاب أيضاً عن قول القرطبي : إن المصاب لا يؤجر على مصيبته إلا إذا صبر واحتسب بقوله : وعن الأول بأنه حمل الأحاديث الواردة بتقيد بالصبر على المطلقة(1) وهو حمل صحيح لكن كان يتم له ذلك لو ثبت شيء منها بل هي إما ضعيفة لا يحتج بها ، وإما قوية لكنها مقيدة بثواب مخصوص فاعتبار الصبر فيها إنما هو لحصول ذلك الثواب المخصوص كمن وقع الطاعون ببلد هو فيه فصبر واحتسب فله أجر شهيد .
ومثل حديث محمد بن خالد عن أبيه عن جده وكانت له صحبة(2) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك حتى يبلغ تلك المنزلة) رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات .
وهذا الحديث مقيد بثواب مخصوص وهذا الثواب لا يحصل إلا بحصول الصبر الذي هو شرط لبلوغ تلك المنزلة التي لا يبلغها إلا بالصبر على تلك المصيبة . ويرى بعض السلف أن الأجر لا يحصل بمجرد حصول المصيبة ، بل يحصل بها التكفير فقط ، وممن نقل عنه أبو عبيدة بن الجراح(3) فقد روى احمد والبخاري أن الأدب بسند جيد وصححه الحاكم من طريق عياض بن غطيف قال دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته فقالت امرأته : لقد بات بأجر فقال أبو عبيدة : ما بت بأجر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة . قلت والله أعلم لعل أبا عبيدة لم يسمع بالأحاديث التي صرحت بالأجر لمن أصابته المصيبة أو أنه سمعها وحملها على التقييد ويظهر لي أن الذي نفاه هو مطلق الأجر العاري عن الصبر ، وممن يرى أن المريض يكتب له الأجر بمرضه هو أبو هريرة رضي الله عنه فقد روى البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عنه انه قال ما من مرض يصيبني أحب إلى من الحمى لأنها تدخل في كل عضو مني وأن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر(4) .
ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه ويؤيده هذا ما أخرجه الطبراني من طريق محمد بن معاذ عن أبيه عن جده أبي كعب أنه قال : "يا رسول الله ما جزاء الحمى قال تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق"(1) . قال الحافظ بن حجر بعد أن ذكر أقوال السلف في هذا : والأولى حمل الإثبات والنفي على حالتين :
1-فمن كان له ذنوب أفاد المرض تمحيصها .
2-ومن لم تكن له ذنوب كتب له بمقدار ذلك .
ولما كان الأغلب على بني آدم وجود الخطايا فيهم أطلق من أطلق أن المرض كفارة فقط وعلى ذلك تحمل الأحاديث المطلقة ، ومن أثبت الأجر به فهو محمول على تحصيل ثواب يعادل الخطيئة .
وقلت هذا احسن وجه للتوفيق بين أقوال السلف في هذا ،فإني المؤمن إذا أصيب من مصيبة من مرض وغيره فقد يكون ذلك المرض بسبب ما اكتسبه من المعاصي فيكون ذلك المرض سبباً لتكفير ذنوبه وحط سيئاته فلا يكون له حينئذ أجر في مقابل ما أصابه حيث تم تطهيره بهذا المرض .وأما إذا لك يكن له ذنوب وكانت سيئاته أقل مما أصابه فإنه يكتب له الأجر ويرفع بذلك درجاته ويعظم ذلك ويقل بقدر ما يتحلى به من الصبر والرضا .
ثم اعلم بأن المراد بالذنوب التي تكفر بالمرض ونحوه هي الصغائر لأن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة النصوح والإقلاع عنها لقوله صلى الله عليه وسلم : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) . حملاً للأحاديث المطلقة الواردة في التكفير على هذا الحديث المقيد باشتراط اجتناب الكبائر في التكفير بما ذكر ويمكن أن يفهم من الأحاديث العامة في تكفير الذنوب بالمرض ، لأن الأمراض والأوجاع والمصائب صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة تكفير الذنب وقلته باعتبار شدة المرض وخفته.
                                                                                   والله أعلم ،،،


--------------------------------------------------------------------------------

(1) سورة البقرة آية 10
(2) سورة الأحزاب آية 32
(3) فتح الباري شرح البخاري ص103 ج1
(4) فتح الباري ص105ج10
(5) الفتح نفسه ص103 ج 10أي صحيح البخاري بشرحه فتح الباري .
(1) راجع فتح البخاري ص105 ج10
(2) راجع الفتح ص 105 ج 10
(3) راجع الفتح ص109 ج10
(4) سورة البقرة آية 156
 
(1) قوله بأنه حمل الأحاديث الواردة بالتقيد بالصبر على المطلقة ليس بوجيه والمعروف عن علماء الأصول والمحدثين في باب المطلق والمقيد أن المطلق يحمل على المقيد ولا أدري ماذا عنى الحافظ بهذه العبارة .
(2) راجع فتح الباري ص89 ج10 .
(3) راجع الفتح ص109 ج10
(4) راجع الفتح ص110 ج10
(1) راجع فتح الباري ص110 ج10