الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
جـراحـة التشـريـح
مقدمة
 
يحتاج الأطباء أثناء تعلمهم للجراحة الطبية إلى تدريب عملي يتمكنون بواسطته من الإلمام التام نظريا وعمليا بعلم الجراحة، ويتم ذلك التدريب عن طريق تشريحهم لجثث الموتى، وهو ما يسمى بالجراحة التشريحية، والتي تشتمل على تقطيع أجزاء الجثة، ثم يقوم المشرح بعد ذلك بدراستها، وفحصها، وقد تمتد تلك الدراسة إلى فحص الأنسجة تحت الميكروسكوب، وهو ما يسمى بالتشريح الميكروسكوبي، أو علم الأنسجة "هِستولوجيا"(1).
ولما كانت الشريعة الإسلامية لا تجيز العبث والتمثيل بجثث الموتى، فإنه يرد السؤال عن حكمها في هذا النوع من الجراح.
وهو سؤال يعد من النوازل الفقهية التي جدَّت، وطرأت في عصرنا الحاضر(2)، ولم أعثر على نص لأحد من الفقهاء المتقدمين – رحمهم الله – يتضمن القول بجواز التشريح لغرض التعلم أو عدم جوازه.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
يجوز تشريح جثث الموتى لغرض تعلم الطب، وبه صدرت الفتوى من الجهات العلمية التالية:
1.            هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
2.            مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة.
3.            لجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية.
4.            لجنة الإفتاء بالأزهر بمصر.
5.            واختاره عدد من العلماء والباحثين.
 
القول الثاني:
لا يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعلم، وهو لجماعة من العلماء والباحثين(3).
 
الأدلة:
 
1.            دليل القول الأول:
 
استدل القائلون بجواز تشريح الجثة لغرض التعليم بدليل القياس والنظر المستند على قواعد الشريعة.
   ‌أ.            دليلهم من القياس: من وجوه:
الوجه الأول: يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعليم كما يجوز شق بطن الحامل الميتة، لاستخراج جنينها الذي رجيت حياته.
الوجه الثاني: يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعليم كما يجوز تقطيع الجنين لإنقاذ أمه إذا غلب على الظن هلاكها بسببه.
الوجه الثالث: يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعليم كما يجوز شق بطنه لاستخراج المال المغصوب الذي ابتلعه.
وهذه الأوجه الثلاثة من القياس اشتمل الأصل فيها على التصرف في جثة الميت بالشق، والقطع، طلبا لمصلحة الحي المتمثلة في إنقاذه من الموت كما في الوجهين الأول والثاني، وهي مصلحة ضرورية، كما اشتمل الوجه الثالث منها على مصلحة حاجية وهي رد المال المغصوب إلى صاحبه. 
وكلتا هاتين المصلحتين موجودتان في حال تعلم الجراحة الطبية، إذ يقصد منها تارة إنقاذ حياة المريض وهي المصلحة الضرورية، كما يقصد منها تارة أخرى إنقاذ المريض من آلام الأمراض والأسقام المضنية وهي المصلحة الحاجية، وأما إهانة الميت بالتشريح فقد رخص فيها أصحاب هذا القول بناء على القياس أيضا، حيث استندوا على ما قرره بعض الفقهاء المتقدمين رحمهم الله من جواز نبض قبر الميت، وأخذ كفنه المسروق أو المغصوب(1)، فقاسوا إهانته بالتشريح على إهانته بنبش كفنه، وكشف عورته بجامع تحصيل مصلحة الحي المحتاج إليها(2).
 
‌ب.            دليلهم من قواعد الشريعة: 
1.            قالوا: "إن من قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها العامة أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما"(3).
ووجه تطبيق هذه القاعدة:
أن المصلحة المترتبة على تشريح جثث الموتى لغرض التعليم تعتبر مصلحة عامة راجعة إلى الجماعة، وذلك لما يترتب عليه من تعلم التداوي الذي يمكن بواسطته دفع ضرر الأسقام والأمراض عن المجتمع وحصول السلامة بإذن الله تعالى لأفراده.
ومصلحة الامتناع من التشريح تعتبر مصلحة خاصة متعلقة بالميت وحده، وبناء على ذلك فإنه تعارضت عندنا المصلحتان، ولا شك في أن أقواهما المصلحة العامة المتعلقة بالجماعة والتي تتمثل في التشريح فوجب تقديمها على المصلحة الفردية المرجوحة(4).
 
1.            إن من قواعد الشرع: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
وتعلم الجراحة الطبية وغيرها من فروع الطب هو في الأثل من الفروض الواجبة على الأمة، فيجب على طائفة منها سد حاجة الأمة إلى هذه العلوم النافعة، وتحقيق هذا الواجب متوقف على التشريح الذي يمكن بواسطته فهم الأطباء للعلوم النظرية تطبيقا، فيعتبر مشروعا وواجبا من هذا الوجه(5).
 
2.            دليل القول الثاني:
 
استدل القائلون بحرمة التشريح بدليل الكتاب والسنة، والقياس، والنظر المستند على قواعد الشريعة.
   ‌أ.            دليلهم من الكتاب:
قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطبيات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) }سورة الإسراء: 70{. 
وجه الدلالة: أن الآية الكريمة دلت على تكريم الله تعالى لبني آدم، وهذا التكريم عام شامل لحال حياتهم، ومماتهم.
وتشريح جثث الموتى فيه إهانة لها، نظرا لما تشتمل عليه مهمة التشريح من تقطيع أجزاء الجثة، وبقر البطن، وغير ذلك من الصور المؤذية فهي على هذا الوجه مخالفة لمقصود الباري من تكريمه للآدميين وتفضيله لهم، فلا يجوز فعلها(1).
 
‌ب.            دليلهم من السنة:
استدلوا بالأحاديث التالية:
أ. أحاديث النهي عن المثلة، ومنها ما ثبت في الصحيح من حديث بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا"(2).
وجه الدلالة:
أن تشريح جثة الميت فيه تمثيل ظاهر، فهو داخل في عموم النهي الوارد في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي ورد فيها نهي النبي صلى الله عليه وسلم الموجب لحرمة التمثيل ومنعه(3).
حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسر عظمه حيا".
وجه الدلالة:
أن هذا الحديث دل على حرمة كسر عظام المؤمن الميت والتشريح مشتمل على ذلك فلا يجوز فعله(4).
 
‌ج.            دليلهم من القياس:
الوجه الأول: أن الأحاديث دلت على أنه لا يجوز الجلوس على القبر، وأن صاحبه يتأذى بذلك(5)، مع أن الجلوس عليه ليس فيه مساس بجسد صاحبه، فلأن لا يجوز تقطيع أجزائه، وبقر بطنه الذي هو أشد انتهاكا لحرمته من باب أولى وأحرى(6).
الوجه الثاني: أن من العلماء من نص على حرمة شق بطن المرأة الحامل الميتة لإنقاذ جنينها الذي رجيت حياته مع أن في ذلك مصلحة ضرورية، فلأن لا يجوز التشريح المشتمل على الشق وزيادة أولى وأحرى(7).
 
  ‌د.            دليلهم من القواعد الشرعية:
استدلوا بما يلي:
1.     قاعدة: "الضرر لا يُزال بالضرر"(8).
2.     قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار"(9).
ووجه الاستشهاد بهاتين القاعدتين على حرمة التشريح:
أن القاعدة الأولى دلت على أ، مفسدة الضر ينبغي ألا تزال بمثلها، والتشريح فيه إزالة ضرر بمثله، وذلك لأن التعلم بواسطته موجب لإزالة ضرر الأسقام والأمراض بتعلم طرق مداواتها. ولكن هذه الإزالة يترتب عليها ضرر آخر يتعلق بالميت الذي شرحت جثته، وحينئذ يكون من باب إزالة الضرر بمثله، وهو الذي دلت القاعدة على عدم جوازه.
وأما القاعدة الثانية فقد دلت على حرمة الإضرار بالغير، والتشريح فيه إضرار بالميت فلا يجوز فعله.
 
الترجيح:
الذي يترجح في نظري – والعلم عند الله – هو جواز تشريح جثة الكافر، دون المسلم، وذلك لما يلي:
أولا: لأن الأصل عدم جواز التصرف في جثة المسلم إلا في الحدود الشرعية المأذون بها والتشريح ليس منها، فوجب البقاء على الأصل المقتضى للمنع، وهذا الأصل يسلم به القائلون بجواز التشريح وإن كانوا يستثنون التشريح اعتبارا منهم للحاجة الداعية إليه.
ثانيا: أن الحاجة إلى التشريح يمكن سدها بجثث الكفار، فلا يجوز العدول عنها إلى جثث المسلمين، لعظيم حرمة المسلم عند الله تعلى حيا كان أو ميتا.
ثالثا: أن أدلة المنع يمكن تخصيصها بالمسلم دون الكافر، فلا حرج في إهانته لمكان كفره، كما قال تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم) }سورة الحج: 18{. قال الخازن(1) رحمه الله في تفسيره: "أي من يذله الله فلا يكرمه أحد"(2) أهـ.
ولا شك في أن الكفار ممن أذلهم الله تعالى:
وأما أحاديث النهي عن المُثلة: فقد ثبت ما يخصصها كما في قصة العرنيين(3)، وآية المحاربين(4). فإذا جاز التمثيل لمصلحة عامة وهي زجر الظلمة عن الاعتداء على الناس، فكذلك يجوز التمثيل بالكافر، طلبا لمصلحة عامة ينتظمها الطب الذي من أجله شرحت جثة الكافر، إضافة إلى أن بعض العلماء يرى أن النهي للتنزيه(5)، وحديث تحريم كسر عظم الميت خاص بالمؤمن كما هو منصوص عليه في نفس الحديث.
وأما أحاديث النهي عن الجلوس على القبر فإنها تدل على تأذي الميت بذلك وهذا يتفق مع ما سبق ذكره من تخصيص المسلم بالمنع، وأما الكافر فإن إيذاءه بعد موته مقصود شرعا، فلا حرج في فعله.
رابعا: أن استدلال القائلين بجواز التشريح مطلقا بقياسه على نبش قبر الميت لأخذ الكفن المغصوب مردود بكونه قياسا مع الفارق.
ووجه ذلك: أن الأصل المقيس عليه فيه مساس بالجسد بخلاف الفرع، وجاز فعل النبش لمكان الحق المغصوب، فكان الميت متسببا في أذية نفسه بخلاف الفرع الذي لا علاقة للميت بمصلحته ولم يتسبب فيما يوجبها بأي وجه من الوجوه، ثم إن نبش قبره لذلك الغرض لا يستغرق إلا زمنا يسيرا ثم يعاد إلى القبر الذي سيوارى الجثة بدلا من الكفن، بخلاف التشريح الذي يستغرق الساعات، بل والأيام العديدة!!!
خامسا: أن تشريح جثة المسلم يعطل عن فعل كثير من الفروض المتعلقة بها بعد الوفاة، من تغسيلها وتكفينها، والصلاة عليها، ودفنها.وهو مخالف لما ثبتت به السنة من الأمر بالمبادرة بالجنائز والإسراع بها، كما ثبت في الصحيح عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسرعوا بالجنازة..." (رواه البخاري1/228، ومسلم 2/373)، فلا يجوز تعطيل جثة المسلم وتأخير هذه المصالح المطلوب فعلها بعد الوفاة مباشرة لمصلحة لا تتعلق بالميت، ولم يتسبب في موجبها، وإنما هي من مصالح الغير المنفكة عنه.
 
لهذا كله فإنه يترجح في نظري القول بجواز تشريح جثة الكافر دون المسلم، ولكن ينبغي أن يتقيد الأطباء وغيرهم ممن يقوم بمهمة التشريح بالحاجة، فمتى زالت، فإنه لا يجوز التمثيل بالكافر بتشريحه حينئذ، لأن ما جاز لعذر بطل بزواله(6)، والله تعالى أعلم.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) الموسوعة الطبية الغربية. د. البيرم ص 79.
(2)  فقه النوازل، د. بكر أبوزيد ص 17.
(3)  وهم الشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ العربي بوعياد الطبخي، والشيخ محمد برهان الدين السنبهلي، والشيخ حسن بن على السقاف، والشيخ محمد عبد الوهاب البحيري.
(1)  روضة الطالبين للنووي 2/14، والمجموع للنووي 5/299، 300، ومغني المحتاج للشربيني 1/267، والدر المختار للحصفكي 1/382، بهامش حاشية الطحطحاوي، أشار إلى هذه المصادر واحتج بمضمونها الدكتور محمود على السرطاوي في بحثه "حكم التشريح" منشور بمجلة دراسات مجلد 12 عدد 3 الصفحة 144 هامش 14.
(2)  المصدر السابق.
(3)  تشريح جثة المسلم. من بحوث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية. مجلة البحوث العلمية المجلد 1 العدد الرابع ص 44.
(4)  المصدر السابق، وشفاء التباريح والأدواء لليعقوبي ص 96، وفتوى الشيخ حسنين مخلوف بكتاب "علم التشريح" د. محمد على الباز ص 64.
(5)  تشريح جثة المسلم. من بحوث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية. مجلة البحوث العلمية المجلد 1 العدد الرابع ص 44.
(1)  الإمتاع والاستقصاء للسقاف، ص 28.
(2)  رواه مسلم في صحيحه 3/130.
(3)  قضايا فقهية معاصرة للسنبهلي، ص 64، والإمتاع والاستقصاء للسقاف ص 27.
(4)  رواه أحمد في مسنده 6/364، وأبو داود 3/543، 544، والبيهقي 4/58، وصححه الألباني إرواء الغليل 3/212، 214.
(5)  قضايا فقهية معاصرة للسنبهلي ص 65، وفتوى الشيخ المطيعي بمجلة الأزهر م 6 ج 1 ص 631، 632، والإمتاع والاستقصاء للسقاف ص 21.
(6)  الإمتاع والاستقصاء للسقاف، ص 28.
(7)  فتوى الشيخ المطيعي بمجلة الأزهر م 6 ج 1 ص 628.
(8)  الأشباه والنظائر للسيوطي 86، والأشباه والنظائر لابن نجيم 87.
(9)  المصدرين السابقين، قواعد الفقه للمجددي 106، شرح القواعد الفقهية للزرقاء 113.
(1)  هو الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن عم بن خليل الشيحي البغدادي، مفسر وفقيه ومحدث (678 – 741 هـ)، من مؤلفاته: لباب التأويل في معاني التنزيل، شرح عمدة الإفهام في شرح الأحكام، الروض والحدائق في تهذيب سيرة خير الخلائق.
(2)  تفسير الخازن 4/7.
(3)  وفيها أن النبي (ص): "قطع أيديهم وأرجلهم وسلم أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا" رواه مسلم 3/93، 94.
(4)  قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أو يقتلوا أو يصلبوا) سورة المائدة، آية 33.
(5)  قال الإمام النووي رحمه الله: وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام. اهـ. شرح صحيح مسلم للنووي 11/154.
(6)  أنظر الأشباه والنظائر للسيوطي 85، والأشباه والنظائر لابن نجيم 86.