الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
الحكم الشرعي لنقل الدم
ضرورة عملية نقل الدم
 
نقل الدم إلى المريض ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها وعلاج لا يمكن الاستعاضة عنه بأي دواء آخر، فقد أصبح نقل الدم شائعا في استطبابات كثيرة سنذكر بعضا منها على سبيل المثال. فسبحان من خلق الدم وركبه وأبدع صنعه.
                     ‌أ.            أهم الحالات التي يستطب فيها نقل الدم(1):
1.     في حالات النزوف الشديدة التي يفقد فيها المريض جزءا من دمه – الصدمات، الجروح الواسعة، الحروق، النزوف الرحمية عند النساء – وفيها يعطى الدم كإسعاف سريع لإنقاذ حياة المريض.
2.            في التهابات الكليتين المزمن، وفي بعض الأمراض الإنتانية.
3.            في فاقات الدم الخبيثة. وفي هذه الحالات لا ينقذ حياة المريض إلا نقل الدم.
4.     عند الأطفال لدى إصابتهم بأمراض معينة – الناعور بعض اليرقانات الوخيمة، وقد يلجأ إلى تبديل مجموع الدم عند حدوث تراص لدى بعض الأطفال بعد الولادة مباشرة.
5.            في حالات انحلال الدم – وذلك لدى التسمم ببعض المواد السامة أو لدى حدوث انحلال مرضي في الدم.
6.            عند القيام بأعمال جراحية لمرضى ضغيفي البنية، قد يضطر الطبيب إلى نقل الدم إسعافا لحياة المريض.
7.            في العمليات القيصرية (في فن التوليد) قد يلجأ إلى نقل الدم كإسعاف لحياة المولود.
8.            في الإصابة ببعض أنواع السموم، كلدغات الأفاعي، أو التعرض لبعض الغازات السامة، أو تناول بعض السموم.
9.            قد يضطر الطبيب إلى إعطاء الدم لمداوات بعض الأمراض الحرضية كالأمراض الجلدية – النقل الذاتي.
10.     قد يضطر الطبيب إلى نقل الدم كإسعاف لحياة المريض أثناء معاجته لأمراض القل أو الرئتين – النفث الدموي – أو في أمراض الأوعية الدموية. وفي كل الأمراض التي تؤثر على كمية الدم فتؤدي إلى نقصها.
11.     وفي الحقيقة لو أردنا أن نحصي الأمراض التي يستطب فيها بنقل الدم لوجدنا أنفسان أمام حقيقة لا مرية فيها؛ وهي أن نقل الدم أصبح في هذا العصر حاجة ملحة لا يمكن أن نجد لها بديلا، وخاصة في أيام الحروب. هذه الحاجة الملحة اقتضت من حكومات العالم إنشاء بنوك للدم مجهزة بكميات من الدماء لتستعمل عند الحاجة. وقد أوجدت بعض الدول المتقدمة علميا دماء جافة ترسل إلى ميادين القتال أو إلى مراكز الإسعاف لإنقاذ حياة المرضى...اهـ.
 
                  ‌ب.            توقف الحياة على الدم:
ولا ننس أن اتصل الدم بالحياة هو حقيقة علمية وواقعية لا يختلف بها اثنان. فالدم يدافع بكرياته البيض ضد غارات الجراثيم وبكرياته الحمر ينقل الأكسجين إلى كل ناحية من نواحي الجسم وإلى كل خلية من خلاياه، من أجل استمرار حياتها بما يسمى بالتنفس الخلوي. ومن هنا نستطيع أن نستنتج استحالة الحياة بدون دم ولا أدل على ذلك من شعور الإنسان بالضعف والخمول، وفتور الهمة، والصداع، والخفقان والضجرحين إصابته بخسارة دموية كبيرة. هذه الخسارة الدموية الكبيرة لا بد من تعويضها بنقل الدم الذي ينقذ الإنسان بسرعة من خطر يتهدده كما هو واضح من الأمثلة السابقة. فوجب الحصول على الدم ولكن كيف..؟ ومن أين..؟
صناعيا لا يمكن استحضاره لتكونه من خلايا حية لا يزال العلم عاجزا عن صنعها مهما كانت.
من الحيوان لا يمكن لاختلاف طبيعة دمائها عن طبيعة دماء البشر. كما تختلف طبيعة الحيوان وتركيبه عن طبيعة الإنسان وتركيبه.
 
                   ‌ج.            أثر نقل الدم بالنسبة للمأخوذ منه: 
ولكن لا يتأثر الإنسان من جراء تبرعه بسحب قسم من دمه؟
لقد بين العلم أن الإنسان الصحيح لا يتأثر مطلقا من إعطاء الدم ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الدماء في البشر على شكلين.
شكل دوار يقوم بوظيفته، وشكل آخر احتياطي مخزون في الطحال والكبد والنسيج البطاني من الجسم بقدر حجمه بـ /850/سم3 في الإنسان الصحيح متوسط الامتلاء والقامة والتعليمات الصحية لا تسمح بأخذ أكثر من ثلث هذه الكمية في أحسن الحالات والتي تعوض فورا من الدم الاحتياطي. هذا التعويض يسبب نشاطا يسمى بتنفس المخازن. ونقص الاحتياط لا يلبث أن يعوض بفعل الأعضاء المكونة للدم فتعود المخازن إلى الامتلاء كما كانت قبل الأخذ على أن أخذ الدم من الإنسان السليم عدا عن كونه غير ضار فإنه نافع في حالات أخرى مثل ارتفاع الضغط الشرياني وقصورات القلب البسيطة وما أكثر ما تصادف الإنسان. وهذا ما حدا بالعديد من البشر أن يقبلوا على الفصادة والحجامة اللتين أكد فائدتهما العلاجية سيد المرسلين محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.
 
                     ‌د.            موقف الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم من الفصادة والحجامة:
  1.            قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم"(1). البخاري.
  2.            "..... الحجم أنفع ما تداوى به الناس".
  3.            "كان صلَّى الله عليه وسلَّم يحتجم من الأخذ عين، وكان يحتجم لسبعة عشر وتسعة عشر". الترمذي.
  4.            "إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة لا يتبيغ الدم بأحدكم فيقتله". الحاكم.
فبالفصادة والحجامة أو بسحب الدم بالإبرة تخف الحمولة عن القلب وعن الأوعية. هذه الحمولة إذا ما زادت إلى حد أقصى تودي بحياة المرء وتجعله من الهالكين.
وإذا فلا فرق من حيث الغاية بين الطريقتين القديمة أو الحديثة في هذا التخفيف، ومن حيث النتيجة فالفصادة لا تمكننا من الاستفادة من الدم المقطوف بينما أخذه من العروق الكبيرة بالسحب بالإبرة يحقق لنا تنيجة ممتازة وذلك بإمكان الاستفادة من الدم ونقله لإنسان مبضوع أو مدهوس أو امرأة نازفة أثر ولادة أو جريح في ساحة المعركة، حيث تكون الدماء بمثابة الخيط الفاصل بين الحياة والموت.
 
ثانيا: حكم التداوي بالدم:
من حيث الاستطبابات بالدم، يتبين لنا أنه لا يستعمل دواء إلا في حالات الخطر وإشراف النفس على الهلاك، أي يستعمل منقذا أكيدا تتعرض النفس لخطر الهلاك بدونه. وهذا التعريض غيرجائز، فبات الإعراض عن استعماله غير جائز، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فالحصول عليه واجب وادخاره وإعداده لوقت الحاجة واجب كما سنجد تفصيل ذلك فيما يأتي.
وقد يرد تساؤل أنه ما دام الدم يؤخذ دواء منقذا من هلاك، وما دام التداوي عامة جائزا ومباحا – ويغدو عزيمة واجبة فرضا – آثما تاركه بغلبة وقوع الخطر بالإعراض عنه.
ما دام الأمر كذلك، قد عرف حكم التداوي بالدم فما داعي إفراده ببحث خاص.. وماذا بقي من تفصيل من الأمر.
أقول: إن الدم يفرق عن باقي الأدوية لأنه تدور حوله الشبه الآتية:
1.            من حيث كونه جزء آدمي، والاجتهاد الفقهي يمنع الانتفاع بجزء الآدمي كما يمنع بيعه وشراءه.
2.            ثم بعد خروجه من بدن الإنسان نجي، والنجس يحرم استعماله كما لا ينعقد عليه ما يرد من عقد.
3.            والدم غير مال وغير متقوم، كما يذكر الفقهاء في كتبهم، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه.
4.     فمن تمام البحث ومن تجليته من نواحيه كلها أن نجد إجابات عن كل هذه القواعد والمسائل الفقهية التي يظن للوهلة الأولى أنها تمنع التداوي بالدم.
وإذا كان مما تقدم يمكن استخلاص الجواب والحكم، فإنما نريد هنا التصريح بهذا الجواب والحكم وأن نجعله صريحا في عدم اصطدامه بهذه القواعد والموانع.
 
                        1.            حكم الدم من حيث هو جزء آدمي:
لم أجد للفقهاء في جواز الانتفاع بجزء الآدمي بحثا مستقلا، إنما ذكروا أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الآدمي وأن طهر بالدباغة، معللين هذا المنع بكرامة الآدمي لأنه لا يمكن الاستفادة بسلخه. وفي ذلك إهانة له. وهو يجب أن يبقى مكرما. وذكروا أن بيع شعره وعظمه وظفره باطل لكرامة الآدمي ولو كافرا.
والفقهاء يوجبون إنقاذ المسلم من كل شدة وقع فيها(1)، "المسلم آخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله"(2)، ومنطلق الفقهاء هو الحاجة كما توضح معنا آنفا. فلم يكن في وقتهم ثمة حاجة تدعو إلى هذه الاستفادة حيث لم تكن السبل ميسرة لتحقيق هذه الاستفادة. فما كان يمكن ترقيع جلد الجسم ولا قرنية العين ولا إعطاء الدم ولا... وبالتالي فلا تندفع الحاجة باستعمال جزء آدمي. وبالتالي، فالستعمال دون تحقيق فائدة فيه امتهان. ولذا قالوا بتحريم الاستعمال والاستفادة. وحيث يغلب لديهم تحقيق الفائدة أجازوا استعماله كما في الدم.
أما اليوم فالفائدة عظيمة، ودفع الحاجة متغلب، فانطلاقا من الحاجة حيث انطلق الفقهاء، أرى جواز الانتفاع بجزء الآدمي وهذه الاستفادة مقيدة بقيدين:
1.            ألا يوجد مباح يغني عن الاستفادة من هذا الجزء.
2.            ألا يتقرر صاحب الجزء المستفاد منه.
وحسب القاعدة الأصولية (الحاجة تنزل منزلة الضرورة)، أرى أنه يكفي في تعرض النفس لخطر ازدياد المرض، أو طول برئه، أو نشوء مرض جديد حتى يباح استعمال جزء الآدمي. ولا يشترط تحقق الضرورة وخطر الهلاك. إذا الحالات الثلاث المتقدمة تكفي إحداها لإسقاط الفرائض كما تقدم معنا في بحث "هل يجوز تعريض النفس للخطر بترك التداوي".
لم أجد في قليل إطلاعي سندا لمنع الاستفادة من جزء الآدمي إلا تكريمه. وهنا يعرض تساؤل يحوك في النفس، هل الانتفاع يضاد التكريم؟ ما أرى حدوث ذلك في كل حالة فثمة حالات وظروف من الاستهانة بالشخص يمكن أن تهمله فلا تستفيد منه، اللهم إلا أن نقول من باب سد الذريعة. كي لا يغدو هذا الإنسان المكرم على به سواه بيده ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، كي لا يغدو مجال استغلال ومكن مساومة.
إن تقرير الطب والأطباء ومعقولية الشريعة، كل ذلك يوجب إباحة نقل الدم، بل وإيجابه إنقاذا لحياة ودفعا لخطر.
ولكن تعترضنا بعض العقبات والموانع الشرعية أشرت إليها في مقدمة البحث، وما أرى منشأ هذه العقبات والموانع إلا حداثة الموضوع إلى حد أنه لم يبحث علميا وبشكل جدي من ذي قبل وذلك في حدود اطلاعي وإنه لمحدود.
ولعل ما تقدم وما سيأتي من محاولات لتحليل هذه العقبات ما جعلها ويجعلها مرتقى سهلا أمام تعرف القانون المدني الإسلامي في عملية نقل الدم من جميع جوانبها بتفكير علمي وبمنظار قانوني رباني. والله الموفق للصواب.
 
 
                        2.            حكم الدم من حيث كونه محرما:
الدم حرام طعامه فهل يحرم نقله والتداوي به...؟
فأما تحريم طعامه، فلقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير..) } الأنعام: 145{. وأما نقله والتداوي به فنقول:
1.     الدم وإن حرم طعامه لا يحرم نقله والتداوي به بل يغدو واجبا على المضطر إليه إذا تعين دواء منقذا من الهلاك، بدليل قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)}البقرة: 173{. بتناول الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير إذا تعين الإنقاذ في ذلك ولم يجد من الحلال ما يحفظ عليه حياته.
2.     وبعد ترك النقل والتداوي بالدم – إذا تعين طريقا للإنقاذ – من قبيل قتل النفس المحرم بنص القرآن الكريم (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)} النساء: 29{.
3.     والامتناع عن إعطاء الدم للتداوي به حرام لأنه من قبيل قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق (ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)}المائدة: 32{. وقد ذكر المفسرون أن إحياء النفس معناه إنقاذها من أسباب الهلاك.
4.     ويشترط في نقل الدم ألا تتعرض حياة المعطى للخطر أو الضعف الشديد (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)}البقرة: 286{، ولئلا تتعرض حياة محققة للخطر من أجل ياة أقل منها تحققا.
5.     ويحسن القول بإثم من يتخلف عن الإغاثة بدمه عند الضرورة لإنقاذ الحياة وتوافق الدمين ولا يوجد غيره ممن يوافق دمه دم المريض، وإن أبى أجبره الحاكم عند التعيين(1).


--------------------------------------------------------------------------------

(1)  مقابلة سريعة مع الدكتور محمد أنيس المصري، من أطباء حمص المشهورين.
(1)  القسطلاني شرح البخاري. كتاب الطب ج 8 ص 235، وتمام الحديث "إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شربة عسل أو شرطة محجم أو لذغة نار وما أحب أن أكتوي".
(1)  الدر المباحة في الحظر والإباحة، ص 175.
(2)  الترمذي رقم الحديث 1426، وقد ورد "المسلم أخو المسلم لا يخذله، ولا يظلمه، ولا يسلمه".
(1)  من رسالة خاصة لفضيلة الشيخ محمد الحامد رحمه الله. 



الضرورات تبيح المحظورات
 
1.     الحرج مرفوع عن المكلف خوفا من كراهية التكليف ومن إدخال الفساد على المكلف في جسمه أو عقله أو ماله. وخوفا من التقصير عن مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد والمختلفة الأنواع(2).
2.     تناول المطعومات ضروري لحفظ النفس واجتناب النجاسات تحسيني مكمل، فإذا لم يجد الإنسان ما يقتات به أبيح له أكل الميتة، والأصل في ذلك أن الضروري أصل للتحسين وأهم. فإذا لم يمكن تحقيقهما معا فقد تعين الاقتصار على أحدهما والضروري أهم فوجب الاقتصار عليه فضلا عن أن التحسيني هو تكملة للضروري الذي هو أصل لها. فلا يتصور وجود التكملة دون أصلها ولكن بتصور الأصل دون التكملة(3).
3.     القرآن الكريم أباح تناول المحرمات بقيد الضرورة وبقيد عدم التجاوز وعدم الاعتداء (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) }البقرة: 172{.
4.            من مجموع ما تقدم كانت القاعدتان الفقهيتان المعلومتان "الضرورات تبيح المحظورات"، "الضرورات تقدر بقدرها".
5.            وهكذا يظل المسلم مشدودا إلى الحلال وإن خضع لداعي الضرورة(4).
6.     والإسلام في هذا التقرير المتقدم إنما ينطلق من مبادئه العامة في رفع الحرج وتحقيق اليسر والتخفيف. وذلك ظاهر في كثير من الأحكام الملاحظ في أصل تشريعها التيسير أو استثنيت من محظور للتيسير. 
7.            وهكذا نرى أن هذه القاعدة تدعم إباحة عملية نقل الدم والتداوي به من الوجهة الشرعية.


--------------------------------------------------------------------------------

(2)  الموفقات للشاطبي نقلا عن نظرية الضرورة الشرعية للدكتور وهبي الزحيلي ص 38.
(3)  املاءات في الأصول: قسم الحكم، الدكتور مصطفى زيد على طلاب كلية الشريعة عن الموافقات للشاطبي.
(4)  الحلال والحرام للأستاذ يوسف القرضاوي. 



نفي الحرمة عند العام بالشفاء
 
وقال ابن عابدين: "معنى ذلك – أي قول الزازية – أن الله تعالى قد أذن لكم بالتداوي وجعل لكل داء دواء، فإن كان في ذلك الدواء شيء محرم وعلمتم به الشفاء فقد زالت حرمة استعماله لأنه تعالى – لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
والدم جزء من جسم الأدمي لأن أعضاء من الجسم تصنعه. ومما تقدم يتأكد لدينا جواز الانتفاع بالدم حيث لا يغني عنه غيره، وأن حرمته تسقط عند الاستشفاء.
فقاعدة عدم جواز الانتفاع بجزء الآدمي مقيدة كما تبين معنا بوجود غير هذا الجزء نافعا يقوم مقامه. وبمفهوم المخالفة يتبين أنه يجوز الانتفاع به إذا لم يوجد غير هذا نافعا يغني غناءه.
إن ما ذكره الفقهاء من أمثلة في تحريم الانتفاع بجزء الآدمي يظهر فيه الامتهان. ففي سلخ جلده لدبغه والانتفاع به امتهان بالغ. وبيع بعض أجزائه فيه امتهان. ولعله لم يظهر وقت هذا التفريع وجه للاستفادة من هذه الأجزاء. وكم من بيوعات حرمت لعدم إمكانية الاستفادة منها وقت تقرير الحرمة، ثم أبيحت لظهور الاستفادة منها. والقاعدة في ذلك أن تتبدل الأحكام بتبديل الأزمان.
فنحن الآن في وقت يستفاد فيه من جزء الآدمي في رفع جرح ورفع مشقة وإزالة حاجة. والحاجة قد تنزل منزلة الضرورة كما يقول الأصوليون.
وفي التداوي بلبن البنت قولان: بالجواز المنع.
فالأول مقيد بتعيينه دواء وحيث لا يقوم غيره مقامه.
والثاني معلل بتحريم الاستفادة من جزء الآدمي(1).
ثم هذا الإرضاع أليس فيه انتفاع بجزء الآدمي، وقد أبيح للتغذي؟ وهكذا نرى أن الذي يحدد الحظر والإباحة هو الانتفاع. فإن كان مما يستغنى عنه فهو محظور وإلا فهو مباح.
ووصل الشعر أمر يتبع الزينة فلا حاجة ملحة لإباحة المحظور ولعل لهذا المعنى ورد لعن الواصلة والمستوصلة في الحديث الشريف حيث لا حرج ولا مشقة تدعو إلى هذا النوع من الاستعمال بجزء الآدمي إلى جانب التغيير لخلق الله.
بينما أباح الفقهاء التداوي ببول الأدمي ودمه للاستشفاء والمعالجة. فقد جاء في حاشية الشلبي وإذا سال من أنفه دم فكتب به على جبهته جاز للاستشفاء والمعالجة. فالشلبي لم يقيد الاستعمال بحالة الضرورة بل إن الحالة التي ذكرها هي من باب الوهم بل الظن وغلبته. وقرر أن الحرمة تسقط عند الاستشفاء. وقال ابن عابدين:
يجوز لعليل شرب الدم للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه.
وفي الدر المختار: وفي البزازية: معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".


--------------------------------------------------------------------------------

(1)    حاشية ابن عابدين ج 4 ص 145. 



الآثـار الشـرعية لنـقل الـدم
 
أولا: حكم الدم من حيث الطهارة:
1. حكم الدم المسفوح: تظاهرت الأدلة على نجاسة الدم بانفصاله عن موضعه ولا يعلم في ذلك خلاف إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين بطهارته. ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع(1). والأدلة وله تعالى: (أو دما مسفوحا)، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والقيء والدم"(2) وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم للمستحاضة فيما ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي"(3). وقوله عليه الصلاة والسلام فيما ترويه اسماء رضي الله عنها "جاءت امرأة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت "إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال تحثه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي"(4).
والأمر بالغسل للصلاى لا يكون إلا من النجاسات وإلا فلا فائدة للأمر بالغسل منه.
 
2.     حكم الدم المسحوب بالمحقنة:
أ-من حيث الطهارة:
الدم في مكانه من البدن طاهر لأن أعضاء في البدن تصنعه وهي طاهرة وكل الأدلة لنجاسته إنما في المفارق لمكانه وهو بطبيعة مفارقته مسفوح مراق.
ولو نقلنا الدم مباشرة من جسم إلى جسم آخر دون محقنة وليكن مثلا بأنبوب متصل بالجسمين، فهل يمكن القول بتحول هذا الدم من الطهارة إلى النجاسة؟
هذا القول يحتاج إلى دليل وبرهان، ولا أجد ذلك لأن الأمر لا يعدو انتقال الدم من مكانه إلى مثل هذا المكان مارا بمثل المكان الذي كان يمر فيه من البدن ألا وهو الوريد أو الشريان. ففارق الدم المسفوح المنصوص عنه في القرآن الكريم. وخالف الدم المراق الذي يصيب الثوب أو البدن، والذي أمرت الأحاديث الشريفة بغسله وإزالته.
q     القرآن الكريم حرم طعام الدم المسفوح (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا...) } الأنعام: 145{، فما هو هذا الدم المسفوح؟
كتب اللغة تنص أن المراق دون قيد ولو معنوي هو المسفوح. فماء الزنا مسفوح لأنه طلق ورايق ودون قيد الشرع. وعرض الجبل سفح لأنه يراق عنده ماء السيل وهو ينطلق دون قيد(5).
وأرى أن السفح بهذا المعنى مفقود في الدم المسحوب بالمحقنة فخرج هذا الدم عن أن تشمله الآية الكريمة التي حرمت الدم المتصف بصفة السفح. وما نقل عن السيدة عائشة(6) ومن ذكر معها من تعليل النهي بالسفح يشهد لما قدمت ويقويه، وخاصة إذ لاحظنا أن الدم في مسألتنا ينتقل إلى مثل معدنه.
q     الأحاديث الشريفة أمرت بالغسل من الدم – غسل الثوب المصاب بالدم – غسل اليدين بعد الاحتجام – هذه الأحاديث وإن لم تصرح بكون الدم مراقا لكن واقع الحال أنه مراق، ولا يمكن الإصابة به إلا إذا كان بهذه الصفة، صفة الإراقة.
q     الدم في الآية موصوف بالسفح، ودم الحيض والاستحاضة فيه الهدر والإراقة وهذا مفقود في المسحوب بالمحقنة، فظهر الفرق وإن يكن دقيقا. وبالفروق الدقيقة يفرق الفقهاء بين حكم مسألتين متشابهتين.
وكم من مسائل شديدة الشبه ببعضها مع البعض، ومع ذلك فقد تخالف أحكامها وما ذلك إلا لفروق دقيقة بينها لا تلحظ إلا بجهد الفكر. وهل الاستحسان إلا قياس خفي ومخالفة لقياس جلي لوجه دقيق لحظه المجتهد(1).
وبالإضافة إلى هذا فإن المشقة تجلب التيسير. كما أن رفع الحرج قد فتح للفقهاء والمشرعين باب الاستحسان. وكم من أحكام جزئية خولف فيها قاعدة عامة أو نص لدليل رفع الحرج(2) وإزالة المشقة ليس إلا – المعفو عنه من النجاسات صلاة المريض، إباحة الفطر للمضطر، تنزيل الحاجة إلى منزلة الضرورة.. إلى آخر هذه الأحكام المتعلقة في كل فع من فروع العبادات والمعاملات.
وإنه لحرج كبير على الموظفين في مصرف الدم أن يبقوا طيلة عملهم في أغلب حياتهم العملية وسط نجاسة. وإنه لحرج كبير على النفس أن تتداوى بالنجس، وإذا أقدمت عليه فإنما دون اطمئنان قلب ودونما انفتاح نفس فما الداعي لإغلاق باب التيسير وقتح باب الحرج.
فبالقياس الخفي أو قياس الضرورة أو الاستحسان يمكن القول بطهارة الدم المسحوب بالمحقنة وخاصة إذا لاحظنا  الفرق من حيث السيلان والإضاعة بين ه وبين الدم الذي وردت النصوص بتحريمه طعاما وبغسل المصاب به، مما يقتضي نجاسته كما هو موضح فيما سبق.
q     وإذا كانت الحرمة تسقط عند الاستشفاء(3) فلماذا لا تسقط النجاسة للعلة نفسها(4)؟
بل لعل الشلبي أراد أن الحرمة للنجاسة هي التي تسقط حيث ذكر هذا عند بحث التداوي بالنجس وذكر مثالا لذلك، الدم والبول، وعلل هذا الجواز بأن الحرمة تسقط للاستشفاء.
 
ب‌         - من نقضه للوضوء:
إن سحب الدم بالمحقنة حادث جديد لم يكن معروفا لدى الفقهاء من قبل فوجب شرعاً البحث في هذه العملية من حيث نقضها للوضوء، استكمالا لأصل البحث – نقل الدم – وتخريجا لمستجد الحوادث على القواعد العامة في الشريعة.
هل خروج الدم ينقض الوضوء؟...من الجواب على هذا السؤال نصل إلى حكم في مسألتنا. لقد اختلفت الاجتهادات:
 1.     فقرر الأحناف: بأن الدم الخارج من بدن الإنسان ينقض الوضوء إذا سال أو كانت له قوة السيلان، والأصل هذا عندهم أن كل نجاسة خارجة من غير السبيلين، والأصل في هذا عندهم أن كل نجاسة خارجة من غير السبيلين تنقض الوضوء. كما تنقضه النجاسة الخارجة من السبيلين..
"وكذا ينقضه علقة مصت عضوا وامتلأت من الدم. ومثلها القراد إن كان كبيرا لأنه حينئذ يخرج منه دم سائل مسفوح".
 
أقول:
      ‌أ.     وما أرى المحقنة إلا كالعلقة بجامع امتصاص الدم في كل منهما وبخروج دم سائل من كل منهما. فكان في هذا الدم قوة السيلان فنقض.
    ‌ب.     إن تعبيرات متون الفقه الحنفي تواردت على أن من نواقض الوضوء سيلان نجاسة من غيرهما – أي السبيلين – وأرى في هذا التعبير بعض التجوز والتساهل، إذ كل ناقض من غير السبيلين هو طاهر ما دام في محله ومعدنه. والتعبير يفهم نجاسة هذا النافض وهو في محله، إلا أن نقول إن هذا الخارج هو نجس باعتبار ما سيكون أي بعد خروجه وسيلانه.
 2.     وقال الحنابلة: على أصلهم في نقض الوضوء: إن كانت النجاسات الخارجة من غير السبيلين غير الغائط والبول، لم ينقض إلا كثيرها. فلو مص علق أو قراد دما كثيرا نقض الوضوء وكذا لو استخرج كثيره بقطنة. لأن الفرق بين ما خرج بنفسه أو بمعالجة لا أثر له في نقض الوضوء وعدمه.
وهكذا أرى أن سحب الدم بالمحقنة ينقض الوضوء عند الحنفية ولا ينقضه عن الشافحية ولا ينقضه إلا الدم الكثير المسحوب عند الحنابلة. وذلك تطبيقا للقواعد العاملة عند كل منهم، وأمثلتهم التي ذكروها في ذلك.
ثانياً : هل يترتب على نقل الدم من الحرمة ما يترتب على الرضاع
هذا الموضوع طويل ولكن باختصار نورد ما يلي :
1.     أن التحريم قد ورد بالنص على الرضاع ولم يرد على نقل الدم.
2.     لا قياس بين الرضاع ونقل الدم، لتباين العلة، فالعلة في الرضاع المحرم مشاركة المرضع في بناء جسم الطفل – إنبات اللحم وإنشاء العظم – وليس للدم المنقول مثل هذا الدور في الجسم.
3.     إذا كان اللبن عن طريق الحقن لا يتحقق فيه معنى الإرضاع فمن باب أولى أن لا يتحقق في الدم المحقون معنى الرضاع أيضا.
ثالثا: حكم الدم من حيث المالية والتقوم(1):
          في الاستطبابات بالدم نتعرض في الحياة العملية لبيعه وشرائه، فوجب أن نعرف: هل هو مال، وهل هو متقوم حتى نعرف إمكانية إيراد عقد البيع والشراء عليه.
أ -   من حيث المالية: في تعريفات الفقهاء للمال وفي أمثلتهم نستطيع أن نستخلص عنصرين بارزين في هذه التعاريف. والأمثلة هما: العينية والعرف.
          فالعينية يراد بها أن يكون المال شيئا ماديا ذا وجود خارجي.
          والعرف أن يعتاد الناس كلهم أو بعضهم تحوله وصيانته بحيث يجري فيه بذل ومنه فما لا يجري فيه ذلك لا يعتبر مالا ولو كان عينا مادية كالإنسان الحر وحبة القمح وكسرة الخبز. وعنصر العرف يقتضي القيمة، إذ لا يعتاد الناس هذا الاعتبار والصيانة في شيء بحيث يحمي تارة ويبذل أخرى          إلا لمنفعة مادية أو معنوية يقدرونها فيه، فتتوجه إليه الرغبات، وأن الرغبات يبذل في سبيل تحقيقها وتحصيلها أعواض مادية، وهذه هي القيمة المادية بالمعنى الاقتصادي العام.
          أقول: الدم شيء مادي ذو وجود خارجي فتحقق فيه أحد عنصري المادية وهو عنصر العينية.
          كما قد أصبح هذا العنصر المادي في وقتنا الحاضر مما يجري فيه بذل ومنع، واعتاد بعض الناس صيانته في مصارف خاصة به لمنفعته المادية من حيث هو دواء منقذ ولا يمكن تداركه لحظة الحاجة الماسة إليه. ومنفعته هذه جعلت الرغبات تتوجه إليه، ويبذل في سبيل تحقيقها الأعواض المادية.
وإذا كان فقهاؤنا في كتبهم قد صرحوا بإخراج الدم  عن أن يكون مالا فلئن الناس لم يجدوا فيه آنذاك منفعة مادية تدفعهم للحرص عليه والتشاح فيه، وبذله ومنعه وصيانته. وقد انعكسل الآية وغذا المفقود يومذاك موجودا اليوم، ومتحققا بشكل ملموس وعلى نطاق دولي.
فتطبيقا لقواعدهم التي أخرجوا بها الدم عن أن يكون مالا، نستطيع أن ندخله في نطاق المال، ونعتبره مالا، باجتماع عنصري المالية وهما، العينية والعرف.
وكم من أحكام تبدلت لا لتبدل الدليل والبرهان وإنما لتبدل الزمان والمكان. وقديما وضع الفقهاء قاعدتهم الفقهية: " لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الزمان".
وقد قالوا أن حبة الحنطة إذا دخلتها صنعة تغدو من أنفس الأموال.
فهذا الدم قد دخلته صنعة فحصه عند الأخذ، وصنعة حفظه وصيانته، وصنعة إعطائه مما يقوى فيه عنصر المالية.
 
ب-  من حيث التقوم: المتقوم ما يباح الانتفاع به شرعاً وغير المتقوم ما لا يباح الانتفاع به شرعاً. عدم التقوم لا ينافي الملكية، عدم التقوم ينافي ورود العقد من المسلم على المالية غير المتقومة.
الأصل في الأموال جميعا أن تكون متقومة، أي مباحة الانتفاع ومحلا صالحا للعقود. فقد قرر علماء الشريعة قاعدة: "أن الأصل في الأشياء المباحة" وإنما التحريم حالة استثنائية تتوقف على ورود النص.
أقول:
  1.            كل ما ورد نص بتحريم الانتفاع به كان غير متقوم فلا يصح أن يرد عليه عقد ما من مسلم. وشقد يكون غير المتقوم مملوكا لمسلم كالخمرة ويرثها مسلم من مورثه الذمي.
  2.            الدم المسفوح ورد النص بتحريم أكله (حرمت عليكم الميتة والدم..)} المائدة: 3{، (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير..)}الأنعام: 145{.
  3.            تقدم معنا أن الدم المسحوب بالمحقنة قد فقد صفة السفح – ولا يستعمل للأكل وإنما للتداوي – فلا يشمله النص المحرم فخرج عن أن يكون غير متقوم.
  4.            كما أ،ه من حيث تعيينه دواء قد حل استعماله والانتفاع به فخرج في هذه الحالة عن أن يكون غير متقوم. كما قالوا: إن المحرم إذا تعين دواء بات حلالاً غير محرم فم يشمله حديث: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"(1).
  5.            وقد أجاز الحنفية بيع الزبل والبعر لأنه يستعمل في استكثار ريع الأرض(2). فالعرف أو الاعتياد هو الذي جعل هذا النجس متقوما، يستفاد منه في أمر مباح شرعاً وهو استكثار ريع الأرض. كما أجاز الفقهاء بيع جلد الميتة المدبوغ لأنه ينتفع به.
واليوم اعتاد الناس الاستفادة من الدم في أمر مباح بل واجب شرعاً وهو التداوي وإنقاذ حياة المصاب من خطر الهلاك. فتطبيقا لقواعد الفقهاء التي أخرجوا بها الدم عن التقوم، أدخله في مجالات التقوم.
بعد هذا وتطبيقا لقواعد الفقهاء في المالية والتقوم تلخص معنا أن دم الإنسان المسحوب بالمحقنة والمحفوظ هو مال متقوم ولا مانع من حيث المالية والتقوم أن يرد عليه عقد ما. والله تعالى أعلم.     
ج -  بيع الدم:
1.     والدم لا يجوز بيعه من حيث أنه غير متقوم وليس بمال. هذا ما كان آن تقرير الحكم الفقهي آنذاك حيث لم يتقدم الطب والكشوف الطبية إلى درجة الاستفادة من الدم فكان طبيعيا أن لا يتقوم الدم، وإلا تنطبق عليه تعريفات المال. أما الآن، فإن تحديد الفقهاء لمفهوم المال ينطبق على الدم وإذا فإعمالا لمنطق الفقهاء وتطبيقا لقواعدهم العامة، نرى أن الدم مال متقوم فيجوز بيعه(3).
2.     النصوص الواردة في تحريم الدم تنص على أن الدم السائل المسفوح (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا..) }الأنعام: 145{. أما غير المسفوح (كالكبد والطحال)، فغير محرم ويجوز بيعه. وكذلك الدم غير المسفوح والمستعمل للدواء فغير محرم ويجوز بيعه.
3.            جواز البيع يتبع حل الانتفاع، ففي حالة تعيين الدم دواء يجوز الانتفاع به فيجوز في هذه الحالة بيعه.
4.     إذا ضن الناس بالدم ولم يقبلوا على التبرع به، أبيح لهم أخذ ثمنه للضرورة كما أبيح أخذ الأجرة على أداء الوظائف الدينية حفاظا على إقامتها كما أفتى المتأخرون حين رأو تقاعس الناس عن أدائها تبرعا.
5.     فإذا لم يتهيأ الدم تبرعا، ولم يتهيأ شراء، لمنع بيعه، فمن أين نأتي به؟ وأكثر حالات الحاجة إليه تستدعي تأمينه مسبقا وخاصة حالة المعارك والحروب كما نحن اليوم.
6.     تأمين الدم مسبقا تدعو إليه الحاجة، ولكن هل التبرع به مسبقا هو واجب قضائي شرعاً أو واجب ديني؟ حتما..لا.. لأن ذلك إنما يتعين عندما يتعين الدواء في هذا الدم المعين لدى فلان. وهذا لم يحدث، ولم يقع، فإذا من أين نلبي حاجة تأمين الدم مسبقا إذا منعنا بيعه، ولم نفتح إلا باب التبرع.
7.     الناس لا يندفعون إلى التبرع إلا لدى وقوع الحاجة فإذا كان المريض بحاجة إلى عملية سريعة لا يمكن إجراؤها إلا بإعطائه كمية كبيرة من الدم، فإذا لم نجد المتبرع ولم يكن لدينا دم مسبقا فما العمل؟
وإذا وجدنا المتبرع فهل نضمن موافقة زمرة دمه، زمرة دم المريض، وإذا تم هذا فهل نجد لديه الكمية اللازمة – ثلاث ليترات مثلا ..؟
ليس لنا إلا أن نبيح الدم للتداوي تلبية للحاجة الطارئة وتطبيقا لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. والله تعالى أعلم.
 
والخلاصة: فإن بيع دم الإنسان محظور لأنه جزء آدمي ولكن يباح بيعه للتداوي وللضرورة الملحة تطبيقا للقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات".


--------------------------------------------------------------------------------

(1)  المجموع للنووي ج 2 ص 556، مطبعة التضامن الأخوي.
(2)  أخرجه البزار في نده كما ورد في تخريج تحفة الفقهاء.
(3)  أخرجه البخاري ومسلم – حاشية السندي على البخاري ج 1 ص 34. كتاب الوضوء باب غسل الدم.
(4)  أخرجه البخاري ومسلم، حاشية الندي على البخاري ج 1 ص 34، وقد ورد بهذا اللفظ: "أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع به؟" قال: "تحثه ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه".
(5)  تاج العروس ولسان العرب.
(6)  وحكي عن عائشة والثوري وابن عيينة وإبي يوسف وأحمد وإسحق وغيرهم لقوله تعالى: (إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا.. ) قالوا فلم ينه عن كل دم بل عن المسفوح خاصة وهو السائل.
(1)  المدخل الفقهي العام ج 1 للاستاذ مصطفى الزرقا.
(2)  حكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بطهارة سؤر الهرة لعلة رفع الحرج والمشقة – قال عليه الصلاة والسلام: "إنها من الطافين عليكم والطوافات". وهذا الحكم معدول به عن أصل عام وهو نجاسة سؤر ما لا يؤكل لحمه. ولنفس العلة حكم طهارة البرك التي تشرب منها السباع والجوارح.
(3)  حاشية الشلبي على الزيلعي على الكنز ج 6 ص 33.
(4)  لقد رأينا أن النجاسة تسقط لعلة الضرورة ورفع الحرج.
(1)  بحث المالية والتقوم بصفة عامة مقتبس من كتاب المدخل إلى نظرية الإلتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ مصطفى أحمد الزرقا ص 117 – 125 وتطبيقا للتعريفات الواردة وتفريعا على الأمثلة المحكية استخلصنا ما نكتب في مالية الدم وتقومه.
(1)  رواه البخاري في صحيحه معلقا. وكذا أحمد في الأشربة والطبراني في الكبير عن عبدالله بن مسعود (من كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما ورد على ألسنة الناس من الحديث تأليف الإمام ابن الديبع).
(2)  محاضرات في عقد البيع للدكتور وهبي الزحيلي ص 44.
(3)  ليس بشكل عام وإنما المتخذ دواء فقط. 



فتاوى مهمة متعلقة بنقل الدم
 
1.            القرار الثالث: بشأن حكم نقل الدم من امرأة إلى طفل دون سن الحولين: هل يأخذ حكم الرضاع المحرم أو لا؟ وهل يجوز أخذ العوض عن هذا الدم أو لا؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. أما بعد؛
فإن المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم الأحد 13 رجب 1409هـ إلى يوم الأحد 20 رجب 1409هـ الموافق 19 – 20 فبراير قد نظر في الموضوع الخاص بنقل الدم من امرأة إلى طفل دون سن الحولين، هل يأخذ حكم الرضاع المحرم أو لا؟ وهل يجوز أخذ العوض عن هذا الدم أو لا؟
وبعد مناقشات نم أعضاء المجلس انتهى بإجماع الآراء إلى أن نقل الدم لا يحصل له التحريم وإن التحريم خاص بالرضاع.
أما حكم أخذ العوض عن الدم وبعبارة أخرى: بيع الدم فقد رأى المجلس أنه لا يجوز لأنه من المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم مع الميتة ولحم الخنزير، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه وقد صح في الحديث: "إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه"، كما صح أنه صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن بيع الدم ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه للإراض الطبية ولا يوجد من يتبرع به إلا بعوض فإن الضرورات تبيح المحظورات بقدر ما ترفع الضرورة وعندئذ يحل للمشتري دفع العوض ويكون الإثم على الآخذ.      ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة تشجيعا على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري لأنه يكون من باب التبرعات لا من باب المعاوضات.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.
نائب الرئيس: د. عبدالله عمر نصيف                     
رئيس مجلس المجمع الفقهي:عبد العزيز بن عبدالله بن باز               
مقرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي: د. طلال عمر بافقيه
الأعضاء: عبد الله عبدالرحمن البسام، صابح بن فوزان بن عبدالله الفوزان، محمبد بن عبدالله السبيل، مصطفى أحمد الزرقاء، محمد محمود الصواف، يوسف القرضاوي، محمد رشيد قباني، محمد الشاذلي النيفر، أبوبكر جومي، محمد بن جبير، د. أحمد فهمي أبو سنة، محمد الحبيب بن الخوجة، د. بكر عبدالله أبوزيد، ، محمد بن سالم.
 
 
2.               فتوى رقم 312، تاريخ 15/11/1392هـ(1)؟
س: ورد إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد السؤال التالي:
رجل يسألى فيقول: إن زوجته مريضة وإنها بحال اضطرت إلى إسعافها بدم وإن المستشفى سحب منه دما لزوجته ويسأل هل يؤثر ذلك على حياته الزوجية معها؟
ج: لعل السائل وقع في نفسه قياس الدم على اللبن الناشر للحرمة وهو قياس غير صحيح لأمرين: أحدهما؛ أن الدم ليس مغذيا كاللبن، والثاني: أن الذي تنشر به الحرمة بموجب النص هو رضاع اللبن بشرطين؛ أحدهما: أن يبلغ الرضاع خمس رضعات فأكثر. الثاني: أن يكون في الحولين وعليه فإنه لا أثر لهذا الدم المسحوب منك لزوجتك على حياتك الزوجية معها. وبالله التوفيق وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
البحوث - 4
3.               التبرع بالدم هل يؤثر في النكاح؟
س: إذا تبرعت بالدم أو بعضو من أعضاء جسمي إلى خطيبتي، فهل تحل لي بعد ذلك؟
ج: حرم الله تعالى نكاح المحارم ذوات القرابة كالأم والبنت والأخت ونحوها، وحرم الأم من الرضاع وكذا بنتها ونحوها، وحرم أم الزوجة وبنتها وزوجة الإبن والأب بالمصاهرة وقال بعد هذه الآيات: (وأحل لكم ما وراء ذلك).    فإذا تبرع الرجل بشيء من دمه أو من أعضاء جسمه، فإن ذلك لا ينشر الحرمة فيس هو منصوصا ولا في معنى المنصوص. ومن شروط الرضاع أن يكون في الحولين، لأنه ينبت اللحم وينشر العظم وليس كذلك الدم. ولو كان في الصغر ولو حصلت به حياة أو قوة، فإنه لا يحرم على ما يظهر، والله أعلم.
اليمامة 887 – ابن جبرين
 
 
4.               نقل الدم مع اختلاف الدين: 
س: هل يجوز نقل الدم من إنسان إلى آخر وإن اختلف دينهما؟
ج: إذا مرض إنسان واشتد ضعفه ولا سبيل لتقويته أو علاجه إلا بنقل دم غيره إليه، وتعين ذلك طريقا لإنقاذه وغلب على ظن أهل المعرفة انتفاعة بذلك، فلا بأس بعلاجه بنقل دم غيره إليه ولو اختلف دينهما، فينقل الدم من كافر ولو حربيا لمسلم، وينقل من مسلم لكافر غير حربي. وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة – الدعوة 789


--------------------------------------------------------------------------------

(1)    فتاوي اللجنة الدائمة للملكة العربية السعودية، جمع صفوت الشوادفي ص 67. 



هل يجوز نقل الدم لإسعاف المريض في الجراحة؟
 
يلجأ الأطباء إلى عملية نقل الدم لمعالجة كثير من الحالات الطارئة التي يصاب فيها المريض بالصدمة الدموية الناشئة عن نزيف الدم من موضع الجارحة.
وفي جل هذه الحالات يعتبر المريض مهددا بالموت، الأمر الذي يستدعي إسعافه الفوري بنقل دم من شخص آخر ينبغي أن تتوفر فيه من الناحية الطبية شروط معينة، ولهذا ينشأ السؤال عن حكم نقل الدم في هذه الحالات الضرورية: هل هو جائز أم لا؟ وإذا كان جائزا فما هي شروط جوازه؟ وهل يجوز للإنسان إذا لم يجد من يتبرع له بالدم أن يدفع إليه المال؟
والجواب: أنه نظرا لوجود الضرورة الداعية إلى هذا النقل فإنه لا حرج فيه على المريض ولا على الأطباء ولا على الشخص المتبرع(1)، وذلك لما يأتي:
أولا: قوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) }سورة المائدة: آية 32{، فقد دلت هذه الآية الكريمة على فضل التسبب في إحياء النفس المحرمة، ولا شك في أن الأطباء، والأشخاص المتبرعين بدمائهم يعتبرون متسببين في إحياء نفس ذلك المريض التي تعتبر مهددة بالموت في حالة تركها بدون إسعافها بذلك الدم ونقله.
ثانيا: ورود النص باستثناء حالات الاضطرار ومن ذلك:
قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)}البقرة: 173{.
وجه الدلالة:
إن هذه الأية الكريمة وأمثالها من الآيات الأخرى دالة على نفي الإثم عمن اضطر إلى المحرم، والمريض مضطر إلى إسعافه بالدم فيعتبر داخلا في هذا الاستثناء، ومن ثم لا حرج عليه في طلبه وقبوله، ولا حرج على الغير في تبرعه وبذله، ولا حرج على الأطباء في قيامهم بتحقيق ذلك عن طريف عملية النقل.
ثالثا: أن المريض لو امتنع من نقل الدم إليه، كان متعاطيا للسبب الموجب لهلاكه، وقد حرم الله تعالى عليه تعاطي ذلك السبب كما أشار إلى ذلك سبحانه وتعالى بقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) }سورة البقرة: 195{، وقوله سبحانه وتعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) }سورة النساء: 29{، فلذلك ينبغي عليه قبول التبرع.
رابعا: لا حرج على الشخص المتبرع في إخراج سائل الدم من جسمه، بل إن خروجه يعتبر علاجا ودواء، ففيه منفعة ومصلحة لبدنه، ولذلك وردت السنة بمشروعية التداوي بالحجامة كما ثبت ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام وفعله.
خامسا: إن نقل الدم في هذه الحالات وأمثالها يعتبر داخلا في عموم الأمر بالتداوي الذي ثبت في السنة الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام، لأن علاج الصدمة الدموية يتوقف على النقل فقط، ومن ثم أصبح مندرجا في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: "تداوو عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا وضع له دواء"، فيشرع فعله.
سادسا: أن بعض الفقهاء – رحمهم الله – نصوا في كتبهم على جواز التداوي بالدم عند الحاجة إليه، والحاجة موجودة هنا، بل هي أعلى مراتب الحاجة الموجبة للترخيص شرعاً وهي الضرورة.
سابعا: إن قواعد الشريعة الإسلامية تقتضي جواز التبرع، إذ من قواعدها أن الضرورات تبيح المحظورات، والضرر يزال، والمشقة تجل التيسير، والمريض مضطر، ومتضرر، وقد لحقته المشقة الموجبة للهلاك فيجوز نقل الدم إليه(2).
لهذا كله فإنه يجوز نقل الدم والتبرع به للغير، ويعتبر المتبرع والطبيب محسنا بفعله لما فيه من إنقاذ النفس المحرمة من الهلاك.
وأما شروط جوازه، فهي تنحص في الشروط الأربعة التالية:
الشرط الأول: أن يكون المريض محتاجا إلى نقل الدم، ويثبت ذلك بشهادة الطبيب العدل.
الشرط الثاني: أن يتعذر البديل الذي يمكن إسعافه به.
الشرط الثالث: أن لا يتضرر الشخص المنقول منه الدم بأخذه منه.
الشرط الرابع: أن يقتصر في نقل الدم على مقدار الحاجة للقاعدة الشرعية: "ما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها"(1).
 
وأما إذا لم يجد الإنسان من يتبرع له بالدم إلا بمقابل فإنه يجوز له دفع ذلك المقابل، ويكون الإثم على الآخذ لأن بيع الدم محرم شرعاً لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن ثمن الدم(2)، وإنما جاز للمريض دفع المقابل لمكان الإضرار.
 
قال الإمام النووي – رحمه الله – عند بيانه لحكم أخذ الأجرة على فعل المحرم: "وكما يحرم أخذ الأجرة في هذا يحرم إعطاؤها وإنما يباح الإعطاء دون الأخذ في موضع ضرورة"(3) اهـ.
فاستثنى – رحمه الله – من تحريم الإعطاء للحرام ما كان الإنسان مضطرا إليه، وهذا ينطبق على مسألتنا هنا إذا لم يجد المريض من يتبرع له بالدم إلا بمقابل فيجوز له دفع المقابل والإثم على الآخذ والله تعالى أعلم.


--------------------------------------------------------------------------------

(1)  نص على هذا الحكم عدد من العلماء المعاصرين. انظر: مجلة الأزهر المجلد العشرون 742، 743، المختارات الجلية لابن سعدي 327، 328، أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية. د. عبدالله الطريفي 411، 413، حكم العلاج بنقل دم الإنسان أو نقل أعضاء أو أجزاء منها: د. أحمد فهمي أبو سنة، بحث منشور بمجلة الفقه الإسلامي السنة الأولى 1408هـ، العدد الأول ص 32، الجتهاد الفقهي للتبرع بالدم ونقله. د. مناع القطان بحث منشور بمجلة مجمع الفقه الإسلامي السنة الثانية: 1400هـ العدد الثالث ص 39، نقل الدم وأحكامه الشريعة للصافي 27.
(2)  الأشباه والنظائر للسيوطي 76، 83، 84، الأشباه والنظائر لابن نجيم 75، 85، وأشار إلى هذه القواعد الدكتور مناع القطان في بحثه: الاجتهاد الفقهي للتبرع بالدم، منشور بمجلة مجمع الفقه الإسلامي السنة الثانية، العدد الثالث ص 43.
(1)  الأشباه والنظائر للسيوطي 84، الأشباه والنظائر لابن نجيم 86، شرح القواعد الفقهية للزرقاء 133.
(2)  رواه البخاري في صحيحه، 2/8.
(3)  روضة الطالبين للنووي 5/194، 195. 



الخاتمة
 
أولا: التبرع بالدم والحض عليه:
1.     التبرع بالدم واجب عيني على الذي يتعين دمه دواء لمريض ولا يوجد غيره، إذا لم تتعرض حياة المعطي للخطر. وإذا امتنع المعطي أُجبر قضاء على الإعطاء لأن الامتناع من قبيل قتل النفس التي حرم الله (ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)}المائدة: 32{، (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق).
 2.     التبرع بالدم بشكل عام مندوب إليه في الإسلام وموعود عليه بأعظم الثواب وأكبر الأجر. كيف لا وفيه إنقاذ حياة ودفع هلاك، وتأمين سلامة. كيف لا... وإنقاذ المسلم واجب.
 3.     بل إن هذا التبرع يدخل في تجهيز الغازي. ولتجهيز الغازي حكم المجاهد في سبيل الله. ألم يقل صلَّى الله عليه وسلم: "من جهز غازيا فقد غزا". وهل أفضل من تجهيزه بما يضمن سلامته وينقذ حياته لدى الإصابات.
 4.     والتبرع بالدم فيه كشف مكربة المسلم، "من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"(1). وهل أشد من كربة خطر الهلاك، وبالتالي هل أعظم ثوابا من إنقاذ النفس حيث هو إنقاذ الشخصية الإنسانية، (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)}المائدة: 32{.
 5.     أخذ عوض عن الدم المعطى وإن كان مباحا في حالات خاصة حسبما استخلصت من قواعد الفقهاء التي ذكرتها سابقا. أرا لا يتفق ومقتضيات الشهامة والمروءة، وهل من الأريحية أن تأخذ لمعروف ثمنا، وهل من العقل أن تأخذ عوضا في الدنيا فتخسر عوض الآخرة، (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) }التوبة: 38{.
 6.     نحن في صدام مع العدو، والمشاعر الوطنية والأحاسيس القومية والضمائر الدينية، كلها متقردة أو مجتمعة توجب على كل منا بذل المستطاع في المادة والمعنى في هذا الصدام ولا تبيح البخل بالمستطاع من مادة أو معنى وحجبه في هذا الصدام.
 
ثانيا: الوشم:
الوشم هو حبس الدم تحت الجلد بغرزه بإبر وذر نحو كحل عليه حتى يبدو أزرق وقد ورد اللعن لفاعله في الأحاديث النبوية الشريفة. وهو على ما فيه من تغيير خلق الله تعالى، حبس لنجاسة هذا الدم المسفوح، وأنه مفسد للطهارة المفروضة فلا تتم بوجوده. والواجب إخراجه قياما بها كما فرضت. كما ورد عن كتاب (الأم) لسيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه (من وجوب إخراج الدم المدخل تحت الجلد وإعادة كل صلاة صلاها بعد إدخال ذلك الدم).
وقد أفتى الفقهاء المتأخرون في المذهب الشافعي، أنه يجب إزالة ذلك الدم في العضو غير الظاهر إذا لم يترتب على إزالته أذى أو ضرر يصيب العضو. أما في العضو الظاهر فيعفى عن إزالة الدم منه إذا كان يصيبه عيب ظاهر بالإزالة، وفي كلا الحالين لا يجوز للموشوم أن يؤم الناس عند الشافعية.
أما عند الحنفية فحكم الوشم في نحو اليد كالاختضاب أو الصبغ بالمتنجس، لأنه إذا غرزت اليد أو الشفة مثلا بإبرة ثم حشى محلها بكحل أو نيلة لتخضر تنجس الكحل بالدم فإذا جمد الدم والتأمل الجرح بقى محله أخضر فإذا غسل طهر، لأنه أثر يشق زواله، لأنه لا يزول إلا بسلخ الجلد أو جرحه. فإذا كان لا يكلف بإزالة الأثر (النجاسة ) الذي لا يزول إلا بماء حار أو صابون فعدم التكليف هنا أولى(2).
هذا من حيث أن التطهير إنما يعني به لتطهير ما بدا على سطح الجلد فقط. وهذا الذي تحته له حكم الباطن وهو غير واجب التطهير(3). والله تعالى أعلم.
ثالثا: تلخيص أهم أبحاث الرسالة:
1.            التداوي مندوب إليه ويندرج نحو الوجوب بحسب تدرج النفس نحو الخطر. ولو بمحرم إذا تعين دواء ولم يوجد غيره مباحا يقوم مقامه. وهذا الحكم يثبت للتداوي بالدم.
2.            عملية نقل الدم ضرورية وهي عملية إنقاذ نفس وفيها فائدة طبية ملموسة لمعطي الدم.
3.            الدم ممنوع استعماله لنجاسته ولكونه جزءا لآدمي. ولكن تعينه دواء منقذا يوجب استعماله للتداوي به. وتسقط حرمته من باب "لضرورات تبيح المحظورات".
4.            حالات نقل الدم وإعطاؤه هي لإنقاذ الحياة. وهذه لا يجوز تعريضها لخطر الهلاك. فلهذا وجب نقل الدم وإعطاؤه.
5.            سيلان الدم عن موضعه ولو تقديرا ينقض الوضوء عند الحنفية مهما كان الخارج قليلا، ولا ينقضه إلا خروج الكثير عند الحنبلية، ولا ينقضه البتة عند الشافعية. وهذا ينطبق على سحب الدم بالإبرة.
6.            الدم المسفوح نجس للأمر بالغسل منه. ولا تتحقق صفة السفح في المسحوب بالمحقنة.
7.            الرضاع محرم لأن به ينبت اللحم وينشز العظم وهذا يتم بالحليب. أما الدم فلا أثر له في التغذية ذاتها وإنما هو وسيط وناقل للغذاء، ولهذا لم يكن نقل الدم محرما.
8.            التبرع بالدم مطلوب من المسلم وهو من باب تجهيز الغازي أي من باب الجهاد في سبيل الله. ويصبح هذا التبرع واجبا عينيا على من تعين دمه دواء حتى أنه يجبر عليه قضاء.
9.            يجوز إيراد العقد على الدم المستعمل دواء للضرورة الملحة حيثما لا يوجد دواء غيره يقوم مقامه.
10.            الوشم تجب إزالته عند الشافعية بشرط عدم التضرر بهذه الإزالة، وإلا فيترك. وقال الحنفية: لا بأس بتركه إن سهلت إزالته.
 
 
رابعا: اقتراحات في الموضوع حول تدعيم هذا المرفق الهام:
1.            نقل الدم عملية إنقاذ حياة.
2.            وتقديم الدم للمعارك من باب تجهيز الغازي
3.            وإعطاء الدم فيه نفع ظاهر وجيد للمعطي نفسه.
4.            صدام مع العدو منتظر ومتوقع في كل لحظة.
 
لهذا أرى:
1.            تخصيص برنامج دوري أسبوعي أو نصف شهري في الوسائل الدعائية لبيان ذلك في الإذاعة، التلفزيون، الصحف، المجلات، النشرات....إلخ.
2.            إلقاء محاضرات في الندوات الثقافية حول أهمية وجود الدماء وضرورة تحضيرها مسبقا لإنقاذ الحياة.
3.            إلقاء الخطب في المساجد وحث المصلين على التبرع بالدم وبيان رأي الشرع في الموضوع.
4.            تشجيع التبرع بالدم وجعل المكافأت الرمزية ومنح الميزات للمتبرعين.. مثل درجة فخرية للنوادي والفرق والنقابات والمدارس التي يتبرع أكبر عدد من أفرادها بأكبر كمية من الدم.
5.            التبرع بالدم من قبل المسؤولين والأطباء والعلماء على شاشة التلفزيون وأمام الشعب في مناسبات خاصة قد يذهب هذا الخوف من نفوس الناس.


--------------------------------------------------------------------------------

(1)  الترمذي رقم الحديث 1425، وسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رقم الحديث 7400، شرح وتحقيق أحمد محمد شاكر.
(2)  حاشية ابن عابدين ج 1 ص 305.
(3)  المصدر السابق.