الرئيسية

|

مواقع ذات علاقة

|

الرؤيا والرسالة

|

اتصل بنا

 

 

 

القائمة الرئيسية

أخلاقيات المهن الصحية
الفتاوى الصحية
الطب الإسلامي
أخلاقيات العاملين الصحية
أخلاقيات الأبحاث الصحية
الأخلاقيات الصحية في العالم
ضوابط الممارسة الطبية

أحداث ومناسبات

مؤتمرات وندوات
أحداث ومناسبات إعلامية
محاضرات عن الأخلاقيات الصحية
إحصائيات

المكتبة

صـور
صوتيات
فيديو
كتب

عداد الزوار

my space tracker
 
البحث المقدم للجنة العلمية لمؤتمر الفقه الطبي الثاني
المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
تتعلق مهنة الطب بمقصودٍ عظيمٍ من مقاصد الشرع وهو حفظ النفس، ويُعتبر هذا القصد مشترَكاً إنسانياً عاماً لا يختلف أحد على أهميته وأهمية هذه المهنة ونبل القائمين عليها، مهما كان جنسهم ودينهم وفلسفتهم للحياة الإنسانية. ومن هنا يتبين لنا بوضوح أن سلامة الإنسان وصحته والمحافظة عليها من الأهداف التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغراء قبل أن تنادي بها القوانين الوضعية إلا أن التطور المطرد في المجال العلمي والتكنولوجي وما رافقه من اختراعات واكتشافات اقترنت بصحة البشرية إذا ما أحسن استغلالها وكل ذلك جعل الإنسان مهدداً في سلامته إذا لم يتم وضع الضوابط اللازمة التي تحكم هذه المسئولية وتواكب تلك التطورات .
وعلى الرغم من أن مهنة الطب مهنة إنسانية في الأساس إلا أنها من المهن المعقدة والخطيرة بحسب ما يترتب على الخطأ فيها من كوارث تمس حياة البشر وقد تفضي مع بعض الأخطاء إلى الوفاة في بعض الأحيان . ومع التطور الرهيب في العلم فقد ازدادت بنسبة ملحوظة الأخطاء الطبية التي أصبحت شبه يومية وأصبحت حديث الصحف أحيانا وأروقة المحاكم أحيانا أخرى وهو ما جعل من موضوع الأخطاء الطبية مشكلة مجتمعية تحوز أهمية خاصة لدى جميع فئات المجتمع ولم تعد مشكلة مهنية محصورة ضمن كواردها الطبية لذا كان لزاماً الاهتمام بجميع أطراف المعادلة في المجال الطبي حماية التطور والتقدم الطبي لخدمة الإنسان من جانب ، وحماية الإنسان المريض من هذا التطور وخاصة من الأخطاء الطبية من جانب آخر وهذا يؤكد ضرورة وضع النظم والتشريعات الكفيلة للمحافظة على سلامة الإنسان وحمايته من تجاوزات الأطباء ومساءلتهم عن الأخطاء التي ترتكب بحق المريض . 
وحيث إن مناط النزاع في مسائل الخطأ الطبي يتعلق بالأنفس والأعضاء، وحيث إن الله تعالى قد حكم في هذه الخصومات من فوق سبع سماوات، فإن تحقيق العدالة محصور في التزام مرجعية الشريعة في التشريع والقضاء والتنفيذ، قال الله تعالى:" وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"[1]،  فهذه الآية وإن كانت في جنايات العمد العدوان، فإن المقصود من الاستدلال بها بيان أن التحاكم إلى غير شرع الله تعالى في الأنفس والجراحات يفضي إلى الظلم، وهذا واضحٌ من خلال النظر في التفاوت الكبير بين الأنظمة التشريعية والقضائية الوضعية في العالم بأسره، في حين أن التحاكم إلى شريعة رب العالمين هي الملاذ الوحيد للعدل في الحكم والمساواة في ضمان الحقوق، فكان لزاماً التنبيه على هذا الأمر في مقدمة هذا البحث.


أهداف البحث

يهدف هذا البحث الموجز إلى التعريف بجملة من الأمور المتعلقة بمسألة الخطأ الطبي هي:
1-. بيان الأصول التي تنبني عليها المسؤولية الطبية.
2- بيان موجبات المسؤولية الطبية بقسميها وأثار ثبوت المسئولية الطبية.
3- تعريف ألخطأ الطبي وبيان أقسام الأخطاء الطبية.
4- إحصائيات عالمية عن الأخطاء الطبية.
5-معنى الضرر في المجال الطبي.
6- بعض الأمثلة الواقعية للأخطاء الطبية.
7-كيفية الإفصاح ومعالجة الخطأ الطبي علمياً.
8- الخلاصة والخاتمة.


الفصل الأول : المسؤولية الطبية

لقد خلق الله الإنسان وقدره وعززه وكرمه قال تعالى:(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ,ولذلك فقد عنيت الشريعة الإسلامية, أيما عناية , بحماية النفس البشرية فحرمت قتل النفس وحفظت حق الإنسان في الحياة الكريمة. ويقتضي العمل في المجال الطبي بمختلف تخصصاته تعامل الطبيب مع مرضاه ويقتضي هذا التعامل ترتب مسئولية يتحدد حجمها تبعا لطبيعة التعامل ومقداره. والطب أمانة، فمن تعلمه وامتهنه أصبح مكلفا ومسئولا بعلمه وعمله بما يترتب على ذلك من جزاء. وتتميز مسئولية الطبيب عن المسئولية في أي مهنة أخرى لارتباطها المباشر بالنفس البشرية. ودلت نصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة على حرمة الجسد الآدمي فقد توعد الله سبحانه و تعالى كل من أقدم على إتلاف النفس في آيات كثيرة منها قوله سبحانه تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ). و أرشدت السنة النبوية الشريفة إلى هذا في الحديث الصحيح: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " . و يدخل تحت هذا الحرمة التعدي من الإنسان على نفسه وعلى نفس غيره فكلاهما محرم, وإنما أباحت الشريعة الإسلامية علاج جسم أو جراحته وقطع جزء منه من باب الضرورة حيث تدارك هلاك النفس بإتلاف جزء أو طرف منها. فالتداوي مطلب شرعي حيث فيه محافظة على النفس وقد سبق الحديث عن أحكامه في موضوع الطب النبوي وموضوع التداوي.


أدلة مشروعية المسئولية في العمل الطبي

•      دلالة الكتاب: دل الكتاب العزيز على مشروعية المسئولية الطبية في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها).
وقوله تعالى: (وأن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به).
وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).
•      دلالة السنة: دلت النبوية على مسئولية الطبيب عن جنايته بعموم النهي عن الضرر فقد روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار".
وروى أبو داود بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن".
•      دلالة الإجماع: دل الإجماع على مشروعية المسئولية الطبية كما نقله بعض العلماء كابن المنذر رضي الله عنه  إذ قال: "واجمعوا أن قطع الخاتن إذا أخطأ فقطع الذكر، أو الحشفة أو بعضها، فعليه ما أخطأ به،  يعقله عنه العاقلة".
•      دلالة العقل: استدل العلماء على تضمين الطبيب إذا أخطأ أو تعدى مما أمر به العقل، فقد جعلوا حكم الطبيب في هذه الحالة كالجاني المتعدي بجناية، فكما يضمن الجاني سراية جنايته وخطئه فكذلك الطبيب يضمن سراية  ما تسبب به.


أركان و أقسام المسؤولية الطبية

لا تقوم مسئولية الطبيب عن الخطأ الطبي المهني إلا إذا توفرت فيها أركان المسؤولية الثلاثة وهي :
1- الخطأ أو الإهمال
2-  حدوث الضرر
3-  العلاقة السببية أو الرابطة السببية بين الخطأ والضرر.
فلا تكتمل المسؤولية إلا بهذه الأركان.
والحاصل مما تقدم أن مدار المسؤولية الطبية يتعلق بوقوع الضرر أو سبب الضرر على المريض من الطبيب أو مَن في حكمه في سياق العلاقة المهنية الطبية بينهما. وهذه المسؤولية تندرج تحت قسمين اثنين يمكن أن تصنف فيهما كل أنواع المسؤولية الطبية، فأقسام المسؤولية الطبية هي :
1.  المسؤولية الطبية السلوكية والأخلاقية: وهيي تتعلق بالنواحي الأدبية للعلاقة الطبية، وتتعلق هذه المسؤولية بجملة من المبادئ الأخلاقية المطلوبة من جميع الأفراد، غير أنها في علاقة الطبيب والمريض أشد حرجاً وأهمية، وهي تشمل الصدق والنصيحة وحفظ السر وحفظ العورة والوفاء بالعقد، وتنشأ المساءلة على الخطأ الطبي في هذا القسم جراء الإخلال بواحد أو أكثر من هذه المبادئ مما يؤدي إلى وقوع الضرر أو التسبب فيه.
2.  المسؤولية الطبية المهنية: وهذا القسم يتعلق بالنواحي العملية لنفس مهنة الطب، وتتعلق المسؤولية في هذا القسم بإخلال الطبيب بواحد أو أكثر من المبادئ المتفق عليها في عرف المهنة بصورة تؤدي إلى وقوع الضرر على المريض أو التسبب في ذلك. فالعقد المهني بين الطبيب والمريض  يلزم الطبيب بالأصول المهنية المعتبرة بحيث لا بد من أن يكون حاذقاً عالماً بطبه (وهذا هو الجانب النظري) ماهراً مطبقا فيه  ( وهذا هو الجانب العملي)، ومطبقاً لهذا العلم والحذق والمهارة على أفضل وجه ممكن، فإذا أخل الطبيب بجانب العلم أو المهارة أو الالتزام بهما ونجم عن ذلك وقوع الضرر أو التسبب فيه وقعت المسؤولية الطبية، وسوف نعرج لاحقاً على الموجبات التي تثبت وقوع هذه المسؤولية بحيث تترتب عليها آثارها.


انتفاء المسؤولية

يُشترط لانتفاء مسؤولية الطبيب عن خطئه أن يكون ماهراً في عمله وللمهارة أوصاف وشروط مشددة لا تتوفر إلا في من أُتي من علم الطب الشيء الكثير وتحقق له من التدريب والخبرة القدر الوفير بحيث يكون أساس علاجه كما قال ابن القيم:
§    حفظ الصحة الموجودة
§    رد الصحة المفقودة بحسب الإمكان.
§    إزالة العلة أو تقليلها حسب الإمكان.
§    احتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
§    تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
 
كما يُشترط لانتفاء المسئولية ألا تتعدى يد الطبيب إلى عضو صحيح فيتلفه وهو ما يعبر عنه الفقهاء بـ:"عدم تجاوز الموضع" وأن يكون علاجه للمريض بإذنه أو أذن وليه أو وصيه وأن يكون هذا الإذن صريحاً ودون قسر أو إكراه وان يكون الخطأ الذي حدث من الطبيب غير فاحش عند من يرى ذلك.
كما تسقط المسئولية إذا تخلف أحد أركانها، على انه يمكن معاقبة الطبيب بالحق العام دون الحق الخاص مثلاً إذا أخطأ ولم يحدث ضرر للمريض.


الأصول التي تنبني عليها المسؤولية الطبية

إن بحث موجبات وآثار المسؤولية الطبية لا بد من أن ينبني على أصول وقواعد تقرر جوازه واعتباره، وتضع الإطار العام لضوابطه ومعاييره، ويمكن القول بأن الأصل العام الذي تنبني عليه مباحث المسؤولية الطبية تقوم على حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من تطبَّب ولم يُعرف منه طب فهو ضامن"[1]، فهذا الحديث هو حديث الباب كما يقال، وهو أصلٌ في تضمين الطبيب الجاهل[2]، وموجب المسؤولية هنا يدور على جهل الطبيب سواء أكان جهلاً علمياً أم عملياً كما سنبين، ولقد نبه هذا الحديث على أمور يحسن تقريرها في هذا الموضع منها :
1. تقرير وجود الموجب للمسؤولية : وهو هنا الإقدام على ممارسة الطب مع الجهل بهذه الممارسة، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:" وقوله صلى الله عليه وسلم (من تطبب) ولم يقل : من طبَّ، لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة، وأنه ليس من أهله"[3].
2.  تقرير ترتب آثار وقوع الموجب : حيث قال صلى الله عليه وسلم (فهو ضامن)، قال ابن قيم الجوزية:"وأما الأمر الشرعي (أي في الحديث) فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل"، فمتى وقع الموجب وهو الجهل وترتب الضرر كان أثر ذلك ضمان الطبيب لما أتلفه من النفس أو الأعضاء.
3.  تحكيم العرف في الحكم على الطبيب بالحذق: حيث قال صلى الله عليه وسلم (ولم يُعرف منه طب)، والمقصود بالعرف هنا العرف الخاص بين الأطباء، وهذا مندرج تحت القاعدة الفقهية الكلية :" العادة محكَّمة"[4]، أي أن الأمور التي لم يأت الشرع لها بحدٍ معين فإنه يُرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالعرف الخاص العرف الذي يكون سائداً بين أرباب المهن الخاصة كالحدادين والتجار والأطباء وغيرهم.


________________________________________
موجبات المسؤولية الطبية


تقرر معنا أن المسؤولية الطبية قسمان أحدهما سلوكي أدبي والآخر مهني عملي، وإن موجبات الخطأ في كل منهما متعددة ومختلفة، وفيما يلي تحرير موجبات كل منهما مع التركيز على القسم المهني العملي لأنه محور البحث من حيث ما تختص به المهنة من ضوابط.
 
أولاً: موجبات المسؤولية الطبية الأدبية:
يعتبر الطبيب مسئولاً عن الضرر الحادث للمريض من الناحية السلوكية إذا أخل بالالتزامات الأدبية التي يفرضها العقد مع المريض، ولقد أشرنا إلى هذه الالتزامات التي تشمل الصدق والوفاء بالعقد والنصيحة وحفظ السر وحفظ العورة، وعليه فإن موجبات المسؤولية الأدبية هي[1] :
1.    الكذب: فإذا تبين أن الطبيب قد كذب على مريضه وترتب على ذلك ضرر في نفسه، فإن الطبيب يعتبر مسؤولاً عن هذا الضرر،
2.  الغش وعدم النصح: النصيحة إخلاص الطبيب في بذل الجهد لكشف المرض ورسم وتطبيق خطة العلاج مع بذل كل ما يلزم لتحقيق ذلك، والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم :"الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"[2]، ثم إن المريض حين يستشير طبيبه فإنه يستأمنه على نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:"المستشار مؤتمن"[3]، فالإخلال بهذا الالتزام يتضمن الغش المنهي عنه شرعاً
3.  الإخلال بالعقد: إن تعاقد الطبيب والمريض على الطبابة إذا كان إجارةً فهو من العقود اللازمة، ولا يحل لأحد الطرفين فسخ العقد بدون رضا الآخر، وهذا الالتزام له جانب سلوكي أدبي من جهة الطبيب لأنه قد باشر في التشخيص والعلاج، فإخلاله بالعقد مظنة الضرر بالمريض، فإذا ترتب على هذا الإخلال وقوع الضرر وثبت هذا الإخلال كان موجباً للمسؤولية، وقد نص القرآن الكريم على أصل المسألة في قوله تعالى:" يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"[4]
4.  إفشاء السر: إن طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض تتيح للأول الإطلاع على خصوصيات وأسرار مريضه التي لا يبوح بها الأخير إلا مضطراً، وسواء أكان السر متعلقاً بنفس المرض أم بخصوصيات أخرى اطلع عليها الطبيب بحكم المهنة، فإن هذا السر أمانة لا يحل له البوح بها بدون إذن أو ضرورة، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا حدَّث الرجل الحديثَ ثم التفت فهي أمانة فإفشاء سر المريض ضررٌ خاص، ولكنه يحتمل إذا تعلقت به مصلحة عامة أكبر كأن يكون مصاباً بمرض وبائي خطير، وعندها لا يكون الطبيب مؤاخذاً بإفشاء السر بل يؤاخذ بعدمه، ولكن يراعى هنا أن يكون الإفشاء بالقدر اللازم لتحقيق المصلحة ولا يتجاوز ذلك، لأن ما أبيح لضرورة بقدر بقدرها. والحاصل أن الطبيب إذا أفشى السر بدون مبرر وترتب على ذلك ضرر بالمريض – ولو كان ضرراً معنوياً – وثبت ذلك كان موجباً للمسؤولية الطبية.
5. هتك العورات: إن حفظ العورات حق شرعي وحق شخصي، وإن إطلاع الطبيب على عورة المريض للضرورة أو الحاجة منوط بتحقيق مصلحة أعظم وهي العلاج والاستشفاء، وعليه فإن على الطبيب التزام أدبي بالحد من الإطلاع على العورة بالقدر اللازم لتحقيق هذه المصلحة، وبمراعاة الضوابط الشرعية لهذا الإطلاع من اجتناب الخلوة وأسباب الفتنة والريبة وكتمان ما يطلع عليه الطبيب، وإن الأصل الشرعي في هذا أعرف من أن يُعرَّف ولعلنا نشير إليه بقوله تعالى:"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم"[5].
 
 
ثانياً: موجبات المسؤولية الطبية المهنية:
تتعلق موجبات المسؤولية في هذا القسم بنفس المهنة الطبية، وتدور حول ثلاثة محاور هي الجهل والخطأ والتعدي، وتحتاج هذه الموجبات إلى كثير من الضبط وقبل ذلك لا بد للطبيب من إتباع الأصول المهنية  العلمية للمهنة
 
ثالثاً: آثار ثبوت المسؤولية الطبية:
إذا ثبت موجب المسؤولية الطبية ترتب على ذلك واحد أو أكثر من الآثار التالية:
1.   الضمان : وهو الضمان المالي كالديات والأروش والحكومات
2. التعزير: وهو عقوبة غير مقدرة يقررها الحاكم إذا ثبت نوع اعتداء أو تجاوز وقد يكون التعزير جسدياً أو مالياً أو معنويا القصاص : ويختص هذا في حالات العمد العدوان.
ولا يتسع هذا المقام إلى تفصيل هذه الآثار، وإن كنت أؤكد على ما ذكرته سابقاً من ضرورة تحكيم شرع الله تعالى في تحديدها وتنفيذها.


________________________________________
الفصل الثاني: الأخطاء الطبية

•       التعريف بالأخطاء الطبية.
•       أسباب الأخطاء الطبية  .
•       أنواع الأخطاء الطبية .
•       الضرر في المجال الطبي .


معنى الخطأ في المجال الطبي

الخطأ لغة ضد الصواب ، كما يقال إنه أخطأ إذا سلك سبيلاً مخالفاً للمسلك الصحيح عامداً أو غير عامد ، ، وبالرغم من صعوبة تحديد معنى الخطأ قانونياً .وقد عرف الفقهاء الخطأ الطبي بأنه : "كل مخالفة أو خروج من الطبيب في سلوكه على القواعد والأصول الطبية التي يقضي بها العلم ، أو المتعارف عليها نظرياً وعملياً وقت تنفيذه العمل الطبي أو إخلاله بواجبات الحيطة والحذر واليقظة التي يفرضها القانون وواجبات المهنة على الطبيب ، متى ترتب على فعله نتائج جسيمة في حين كان في قدرته وواجباً عليه أن يكون يقظاً وحذراً في تصرفه حتى لا يضر بالمريض "[1] .
من هنا فإن خروج الطبيب أو مخالفته للقواعد والأصول الطبية وقت تنفيذه للعمل الطبي وحصول ضرر للمريض من جراء ذلك المسلك هو الأساس الذي يرتب نشوء الأخطاء الطبية وذلك لأن الطبيب أساسا ملزم ضمن اللوائح والتشريعات الطبية التي تنظم مهنة الطب بإتباع الأساليب والوسائل التشخيصية والعلاجية التي تقوم على الأصول العلمية والقواعد والمعارف الطبية المستقرة والثابتة والمتعارف عليها في الأوساط الطبية .
يستثنى من ذلك حالات الظروف الاستثنائية وهي تلك الظروف الخارجية أو الداخلية التي تحيط بالطبيب أحياناً وقت تنفيذه العمل الطبي، وقد ترجع الظروف الخارجية إلى المكان أو الزمان الذي يجري فيه الطبيب عمله. وذلك وفقاً للقواعد العامة في الفقه المدني التي تعفي من المسئولية في حالة الضرورة، وكذلك وفقاً لما تقضي به القاعدة الفقهية الأصولية في الشريعة الإسلامية بأن الضرورات تبيح المحظورات ، و أن الضرورات تقدر بقدرها
أما العنصر الآخر الذي يمثل أساس نشوء الأخطاء الطبية فهو الإخلال بواجبات الحيطة والحذر واليقظة التي تمليها على الطبيب طبيعة عمله وتلزمه بها التشريعات واللوائح الطبية


أشكال وأسباب الأخطاء الطبية

يوجد أسباب كثيرة للأخطاء الطبية ويمكن حصر أشكال وأسباب الخطأ الطبي:
أ‌-         عدم القيام بتنفيذ الالتزام الطبي
 
تمثل هذه الحالة أحد أشكال الخطأ الطبي التي تقوم بها المسئولية الطبية بعد توافر باقي أركانها ، وهي حصول الضرر للمريض ووجود علاقة السببية بين الخطأ المرتكب والضرر الحاصل وخير مثال على هذا الشكل هو امتناع الطبيب عن معالجة مريض من غير سبب مقنع مما أدى إلى وفاته .
 
ب – التأخر في تنفيذ الالتزام الطبي
 
مثال ذلك الشكل هو تأخر الطبيب في إجراء عملية الزائد الدودية للمريض وحدوث انفجار لها وحصول مضاعفات مرضية أو تأخر الطبيب عن إجراء عملية الولادة وحصول وفاة الجنين نتيجة تأخر الطبيب في إجراء العملية للحامل.
 
ج- التنفيذ المعيب للالتزام الطبي
 
وهو عندما يقوم الطبيب بتنفيذ ما التزم به طبياً للمريض، ولكن حصول عيب أو نقص بعد العمل الطبي، مثاله أن يقوم الطبيب بإجراء عملية جراحية للمريض ونسيان قطعة من القماش في بطن المريض.
د- التنفيذ الجزئي للالتزام الطبي
 
وهو إذا لم ينجز الطبيب أو القائم بالعمل الطبي كل ما التزم به ، مثال ذلك تخدير المريض من قبل الطبيب المخدر من أجل إجراء عملية جراحية وعدم الإشراف على عملية الإفاقة بعد العملية الجراحية.
 
ز‌-  الإهمال في علاج المريض.
 
وهذا يحدث عند إهمال الطبيب للمريض بقصد أو بدون قصد وتركه بدون اهتمام أو علاج .


أنواع الخطأ في المجال الطبي

ويمكن تقسيم الخطأ الطبي إلى أقسمين وهي :
الخطأ العادي – الخطأ الطبي (المهني).
أ- الخطأ العادي (غير المهني)
وهو الخطأ الذي ليس له علاقة بالأصول الفنية المهنية ، أي الخطأ الخارج عن إطار المهنة وأصولها الفنية ، والناجم عن سلوك إنساني مجرد يسببه الإخلال بالقواعد العامة للالتزام التي يتوجب على كافة الناس التقيد بها ، فهذا النوع من الخطأ ناجم عن سلوك يمارسه الطبيب كأي إنسان وليس عن ممارسات مهنية قام بها الطبيب تجاه المريض .
وسنتحدث بتفصيل أكثر عن الخطأ الطبي وخاصة  الخطأ المهني لأهميته.
 
ب- الخطأ الطبي(المهني)
 
 وهي الأخطاء التي تتعلق بالمهنة من حيث أصولها وممارستها سواء كانت بسيطة أو معقدة،وبمعنى أدق هو خروج الطبيب في سلوكه المهني والفني عن القواعد والأصول الطبية التي يقضي بها العلم والمتعارف عليها نظرياً وعلمياً في الأوساط الطبية وقت تنفيذه العمل الطبي ، ومن هذه الأخطاء ما يلي:
§                سوء التشخيص الطبي:
ويرجع سوء التشخيص على عدم قدرة الطبيب عمليا على التشخيص مقارنة مع من هم في منزلته أو إلى عدم استعماله وسائل التشخيص المعروفة كسماعة الطبيب والفحوصات المخبرية والأشعة، وتصرفه في جسم المريض خلاف ما تقضي به قواعد المهنة، كما يرجع إلى استعمال هذه الوسائل بما لا يتفق مع الغرض منها أو مع طبيعة المرض المعالج كاستعمال الأشعة في حالات لا تسمح بذلك كحالات الحمل.
 
 
 
 
§                الإنفراد بالتشخيص:
لم يعد انفراد الطبيب في الوقت لحاضر بالتشخيص أمراً مقبولا خاصة في المستشفيات الكبيرة أو في عدد من الأمراض المعينة حيث أصبحت "المشورة" أو "الإحالة" في التشخيص أمرا مطلوبا وربما واجباً في بعض الأحيان.
 
§                مد العملية الجراحية:
ويحدث هذا عندما يكون التشخيص غير دقيق فيقرر إجراء عملية جراحية في أحد أجزاء الجسم ظناً منه أن هذا الجزء هو المريض ثم يكتشف أثناء إجرائه لها أن المرض ليس في هذا الجزء، ويختلف الحكم على هذا الأمر باختلاف الحالة المرضية والجزء المتعدى عليه.
 
§                الإهمال وعدم الملاحظة:
قد لا يعطي الطبيب أو الجراح عمله ما يستحق من الدقة والملاحظة فينتج عن ذلك آثار مَرَضِية ومن ذلك : إهمال الجراح إعداد المريض  لعملية يُراد إجراؤها لـه بحجة الإسراع في معالجة المرض المفاجئ الذي تــعرض لـه، ومن ذلك استئثاره برأيه في عملية لا تدخل كل أجزائها في اختصاصه.
 
§            الجهل الفني
الجهل بأمور فنية يُفترض فيمن كان في مثل تخصصه ودرجته المهنية الإلمام بها.
 
استعمال الآلات أو الأجهزة الطبية دون أن يكون على علم كاف بطريقة استعمالها أو دون أن يتخذ الاحتياطات الكفيلة بمنع حدوث ضرر من جراء هذا الاستعمال.


الضرر في المجال الطبي

معنى الضرر في المجال الطبي :
لقد تعددت وجهات النظر في وضع تعريف لمعنى الضرر بصفة عامة ، فقد عرفه العلامة الشيخ الزرقا بأنه (هو ما يؤدي الشخص في نواحي مادية ومعنوية)[1] ، كما عرفه مازو (بأنه الأذى الذي يصيب الإنسان في جسمه أو شرفه أو عواطفه) ، ، إلا أن التعريف المستقر عليه لدى غالبية الفقهاء حول الضرر هو : (أن الضرر حالة نتجت عن فعل إقداما أو إحجاماً مست بالنقض أو بما يعنيه قيمة مادية أو معنوية أو كلتيهما للشخص المتضرر) ، من خلال هذه التعريفات لمعنى الضرر نرى أن الأنسب والأقرب لمعنى الضرر في المجال الطبي هو التعريف الأخير المتفق عليه بين الفقهاء ، والذي يمكن على ضوء ذلك التعريف العام تحديد معنى الضرر في المجال الطبي بأنه (حالة نتجت على فعل طبي مست بالأذى المريض وقد يستتبع ذلك نقصاً في حال المريض أو في معنوياته أو عواطفه)، ويعد حصول الضرر للمريض ركنا أساسياً من أركان قيام المسئولية الطبية حيث إن تلك المسئولية شأنها شأن النظرية العامة للمسئولية تقتضي وجود الضرر لكي يقع الطبيب تحت طائلتها ، فليس مجرد حصول الخطأ من الطبيب كافياً لإقامة الدليل على تحقق المسئولية الطبية ، بل يجب أن يكون هناك ضرر حاصل للمريض بسبب الخطأ الطبي المرتكب من قبل الطبيب.
شروط الضرر: وحتى يعد الضرر عنصراً أساسياً من عناصر المسئولية الطبية يجب أن تتوافر في الضرر عدة شروط أهمها:
 
أ – أن يكون الضرر مباشراً محقق الوقوع (أكيد).
 
إن الضرر المباشر هو ما يكون نتيجة طبيعية للفعل الخطأ ، وهذا الضرر هو الذي يكون بينه وبين الخطأ المنشئ له علاقة سببية وفقاً للقانون ، والقول بالضرر المباشر كإحدى الشرائط العامة للضرر القابل للتعويض التي اعتبرها الفقهاء مما يقتضيه المنطق وأطلق عليها تسمية الشرائط الفنية وتحقق الضرر شرطاً من شروط التعويض ، والضرر المحقق هو ما كان أكيداً سواء أكان حالاً أو مستقبلاً حتى الوقوع ، والتعويض لا يكون إلا عن الضرر المحقق .
 
ب – أن يمس الضرر حقا مشروعاً بنظر القانون، مثاله حق الحياة وسلامة الجسم 


أقسام الضرر في المجال الطبي

يقسم الضرر الذي قد يلحق بالمريض نتيجة الأخطاء الطبية إلى ثلاثة أقسام هي:
أ‌-     الضرر الجسدي
ب - الضرر المالي
ج - الضرر المعنوي
 
أ- الضرر الجسدي:
وهو الضرر الذي يصيب الإنسان في جسمه ، وهو يمثل إخلالاً بحق مشروع للمضرور ، وهو حق سلامة الجسم وسلامة الحياة ، ومن واجبات الأطباء والتزاماتهم المهنية أن يحترم الطبيب حق الإنسان في الحياة وسلامة جسمه عند ممارسته العمل الطبي وأن يكون العمل الطبي يهدف إلى مصلحة المريض.
 
ب – الضرر المالي:
 
المقصود بالضرر المالي في المجال الطبي هو الخسارة التي تصيب الذمة المالية للشخص المضرور ، ويشمل هذا الضرر ما لحق بالمريض من خسارة مالية كمصاريف العلاج والأدوية والإقامة في المستشفى ونفقات إصلاح الخطأ أيضاً ، بالإضافة إلى ما فات الشخص المضرور من كسب مشروع خلال تعطله عن العمل بسبب المعالجة وإصلاح الخطأ الطبي ، وهنا يجب التأكد أن الضرر المالي قد يتجاوز الشخص المضرور ، فمثلاً قد يلحق الضرر المالي الأشخاص المعالين من قبل الشخص الذي أصابه الضرر ومثل الزوجة والأبناء وغيرهم ، وهنا تقوم مصلحة من كان يعولهم المتضرر في المطالبة بالتعويض نتيجة إصابة معيلهم.
 
ج – الضرر المعنوي:
 
يراد بالضرر المعنوي الأذى الذي يصيب الحق أو المصلحة المشروعة للشخص فيسبب ألماً معنوياً أو نفسياً للمضرور لمساسه بالكيان الاعتباري للشخص فهذا النوع من الضرر لا يصيب الإنسان مباشرة في جسده أو ماله بل يصيب الشخص في شعوره وعواطفه وأحاسيسه نتيجة معاناة قد تنتج عن آلام جسدية من جانب أو عن آلام نفسية من جانب آخر ، ومثال ذلك من الأضرارالمعنوية أن يذاععن شخص بأنه مصاب بمرض خطير أو نحو ذلك فهذا الإعلان قد يسيء إلى سمعة الشخص أو يحط من مركزه الاجتماعي أو المالي .


الخلاصة

إن موضوع الأخطاء الطبية موضوع هام وله ضوابطه ومعاييره ويمكن تحريرها بدقة للحكم بوجود ما يوجب المسؤولية بحيث تترتب على تلك المسؤولية آثار محددة. والمعروف أن الأصل براءة ذمة الطبيب، وأن العهدة في إثبات موجب المسؤولية إنما تقع على المدعي، كما هو مقرر في القاعدة :"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، لذا لا بد من وجود نظام يضمن عدم الاسترسال والمبالغة والإفراط في المساءلة بغير دليل أو شبهة قوية لما لذلك من آثار سلبية على المجتمع، كما وقع في بعض الدول من عزوف بعض الأطباء عن الممارسة بسبب التكاليف الباهظة للتأمين المهني ضد الخصومات وبسبب المبالغة في الدعاوى القضائية غير المبررة، ولجوء الأطباء إلى الاسترسال في الفحوصات الطبية غير المستطبة بغية دفع اللوم عن أنفسهم ولا يعني هذا ترك الأطباء أو أي أعضاء الفريق الطبي وشأنهم، وإنما يعني مراعاة الوسطية وعدم الإفراط أو التفريط في هذا الباب. ونؤكد على سعة واستيعاب الشريعة الإسلامية لجميع النوازل المستجدة في مجال الطب وغيره. ولا بد من تكثيف الجهود ما بين الأطباء والفقهاء والقانونيين من أجل وضع تقنينات تفصيلية تستوعب متطلبات العصر وتنبني على أصول الشرع وتحتكم إلى شرع الله تعالى تحقيقاً للعدل والتقدم والحضارة بكل أبعادها الدينية والدنيوية.وأيضاً لا بد من وجود نظام علمي سهل يساعد على حل المشاكل والأخطاء الطبية بحيث يكون متاحاً للجميع ويعطى كل ذي حق حقه سواء المريض أو الطبيب.
والأخطاء الطبية تحدث في جميع المجتمعات ولها أسباب وأركان وأثار كثيرة وعلينا معرفتها والإفصاح عنها علميا وعمليا بكل صدق وذلك للمصلحة العامة.                    
وختماً فإن هذا البحث الموجز لا يمثل إلا نبذة موجزة هي أقرب إلى الإشارة منها إلى التفصيل، والله المرجو أن يكون خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه العظيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 


1-سورة المائدة-أبه 45
 


[1] المستدرك للحاكم (4/236) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وأخرجه ابن ماجة (3466)، وأبو داود ( 4586)، وغيرهما


[2] ويقاس على الجهل باقي موجبات المسؤولية الطبية كما يتبين لاحقاً


1 زاد المعاد (كتاب الطب النبوي) – ابن قيم الجوزية – 4/127


2 القواعد الفقهية – محمد بكر إسماعيل - 151


3


4 صحيح مسلم – (55)


[3] سنن الترمذي – حديث (2822) وقال: هذا حديث حسن


[4] سورة المائدة – آية 1


[5] سورة النور – آية 30